المسلم

 

المسلم هو كل من يعتنق الإسلام، وبمعنى آخر المسلم هو الشخص الذي يقر بالله رباً وإلهاً واحداً وينفي الربوبية أو الألوهية لغيره، ويتخذ الإسلام ديناً، ويتبع محمد نبياً ورسولاً، ويتخذ القرآن كتاب هداية، ويؤدي أركان الإسلام الخمسة. وفي تعاريف أخرى على المسلم لكمال إسلامه أن يكون متبعا لمذهب السنة والجماعة أو المذهب الإثنا عشري أو غيرهم من المذاهب الإسلامية، وعليه أيضا، رغم اختلاف وجهات النظر، أن يكون مقدسا للتراث الإسلامي والتاريخ الإسلامي وأن يؤمن غالبا بأن السلف هم خير الرجال وأن عصر النبي محمد والخلافة الراشدية هما أفضل العصور.

فهل يكفي أن يكون الإنسان مسلما اليوم حتى يتحول بالضرورة الي إنسان مثالي ذو أخلاق عالية وصفات مثالية؟؟. أم ان ذلك حصيلة معرفة لا دينية، بمعنى عدم ارتباطها بأي دين، أي أن تكتسب من خلال العقل الإنساني وابتكاره في مجالات العلوم والمعارف والفنون والفلسفات والقوانين والسلوك الإنساني الوضعي البشري؟؟..في هذا اختلف العديد من المفكرين والفلاسفة ودعاة الأديان ايضا في تقديم رؤية واضحة أو مقبولة للأخلاق. نيتشه مثلا يقول “إن أخلاق الرحمة والإحسان والصبر هي حيلة ابتكرها الضعفاء؛ لكي يضحكوا بها على الأقوياء، ولكي يأخذوا منهم مكاسب ومنافع، وبناء على هذا قسَّم الأخلاق إلى قسمين: هما أخلاق السادة، وأخلاق العبيد”. ويقول ماركس “الأخلاق هي صناعة الأقوياء والمترفين لاستعباد الضعفاء والمعدمين، أي أن القيم الأخلاقية من إنتاج الأقوياء اقتصادياً في المجتمع، ودائماً ما كانوا هم من يصنع الأخلاق التي بها يضمنون بقاء ونماء مصالحهم المادية، فالقيم الأخلاقية انعكاس لعلاقات الإنتاج، والطبقة المسيطرة اقتصادياً هي الطبقة المسيطرة أخلاقياً، في كل العصور وكل المجتمعات، سواءً كان ذلك في النظام الإقطاعي أو الرأسمالي أو الاشتراكي، فالقيم الأخلاقية مصدرها الطبقة المالكة لقوى الإنتاج.”

بينما يقول أهل الإسلام أن الأخلاق في أصلها وتكوينها مرتبطة بالرسالة الإسلامية باعتبارها خاتمة الرسالات الإلهية وحاملة لكل التعاليم السابقة واللاحقة، وباعتبار النبي محمد جاء ليتمم مكارم الأخلاق. فمفهوم الأخلاق الإسلامية ينطلق من أن الأخلاق هي اعتياد الاستجابة للفضائل الإسلامية في التعامل مع ما خلق الله تعالى، بما يتوافق مع المنهج الرباني بهدف كسب مرضاة الله تعالى.

وبينهما يمكن أن نقول أن الأخلاق هي منظومة قيم يعتبرها الناس بشكل عام جالبة للخير وطاردة للشر وفقا للفلسفة الليبرالية، وقد قيل عنها إنها شكل من أشكال الوعي الإنساني، كما تعتبر مجموعة من القيم والمبادئ التي تعلمها الانسان خلال مسيرته كالعدل والحرية والمساواة، بحيث ترتقي إلى درجة أن تصبح مرجعية ثقافية لتلك الشعوب لتكون سندا قانونيا تستقي منه الدول الأنظمة والقوانين.

هذه المقدمة ضرورية حتى نستطيع أن نقدم ما نحن بصدد التعليق عليه من تصرفات بعض المسملمين، ورغم أن التعميم ظاهرة غير صحية أو لا تلامس الحقيقة بالضرورة، إلا أن القياس دائما يكون على الغالبية التى تشكل ظاهرة ملفتة للنظر يكون فيها الإستثناء شيئا لا يصح القياس عليه علميا. ورغم أن الظاهرة هي ما يتفق عليه الغالبية حول أمرا ما أو تصرف ما قد لا تكون صحيحة منطقيا إلا أنها أيضا تعبر عن ايمان واعتقاد بذلك التصرف والسلوك قد يصل الي درجة التطرف والتعصب، لتبقى الأقلية أو الإستثناء كتعبير عن أفراد يرفضون ما تؤمن به الغالبية، وغالبا هم أقل الناس تمسكا بمعتقداتهم أو يقدمون محاولات شرعية احيانا وأخلاقية أحيانا أخرى لتبرير ما تقوم به الغالبية او الظاهرة كرفض الرق والعبودية ورفض تعدد الزوجات والجواري ومؤخرا ما حدث في تونس من رفض إلزام المسلمة بالزواج من مسلم فقط الخ.

المسلم اليوم يعيش تناقضات كبيرة مع ما يؤمن به وما يتعايش معه، ومرد ذلك الي أمرين، فإما هو مؤمن في وعيه ولا يرفض الأمور اللاأخلاقية كالرق والعبودية رغم تحليلهما فقهيا وينتظر الفرصة المناسبة لتطبيقها .. وإما يخشى التعبير عن

رفضه ليبقى صامتا خائفا، وكلا الأمرين أنتجا مواطن وإنسان بعيد عن الواقع ومفصول الصلة بالإنسانية والأخلاق البشرية الطبيعية. فحادث إعصار ايرما كمثال استطاع تقديم صورة واقعية عن المسلم الذي يتمنى هلاك الشعوب الغربية بلا سبب سوى أنهم كفار، وتحريم العلمانية كمثال آخر سمعه المسلم من رجال الدين فآمن بأنها محرمة دون أن يرى الواقع أو يتعلم ويقرأ عن مبادئها وقيمها..وهناك أمثلة كثيرة جدا عن وقوع المسلم ضحية لأخلاق أو ثقافة موروثة دينية قدمت له بعض التصرفات والسلوكيات بأنها أمور طبيعية بينما هي مجرمة قانونيا كضرب المرأة وزواج الصغيرات وقضية الجواري والإماء وملك اليمين. وهنا علينا أن نتساءل.. أين هي قيم العدالة والمساواة والحريات في منظومة الأخلاق الإسلامية؟؟.الإجابة لن تكون سوى إجابة اعتيادية وهي نأخذ بها طالما لا تتعارض مع ديننا وقيمنا وتقاليدنا، وهذه الإجابة تعنى الرفض التام لما توصل اليه العقل البشري والقوانين الإنسانية في ضرورة احترام الانسان وحقوقه وكرامته وإرادته بغض النظر عن الدين والمذهب واللغة والجنس والعرق.

يمكننا القول هنا، أن المسؤولية الأخلاقية الإسلامية الخاصة تختلف عن المسئولية الأخلاقية العامة ، فالمسؤولية الإسلامية تتحدد بتشريعات وفقه ملزمين أمام شخص أو مجتمع لا يمكن رفضهما او تغييرهما، كعلاقة المسلم بالكفار أو الموقف من الفلسفة والحريات الفردية ، لكن المسؤولية الأخلاقية أوسع واشمل من دائرة الأديان لأنها تتعلق بعلاقة الإنسان بذاته وبغيره وبمجتمعه وبالمعرفة والعلوم المتطورة، فهي مسؤولية تنطلق من الضمير الحر والعلاقات المتبادلة وفق القانون المتطور والمجتمع العلماني الحديث .. أما دائرة الأخلاق الإسلامية فمقصورة على سلوك الإنسان المطيع والمنفذ لأوامر سلطة خارجية قد تكون أوامر إلهية أو سلطة المؤسسات الدينية ورجال الدين. ويمكننا أن نقول بشكل فاصل أن الأخلاق الاساسية يشترك فيها كثير من الناس وهي غير مرتبطة بدين أو حتى بقانون، فقد تعارف الناس على أن الصدق فضيلة، وأن الكذب رذيلة، وأن الوفاء خلق طيب، والغدر خيانة، تعارفوا على التعايش والتسامح ومساعدة الغير وعدم السرقة ، فأنت يمكن

أن تتعامل مع صاحب دين من غير دينك وتجد عنده هذه الصفات ، بينما انت تفتقدها مع كل ايمانك وتقواك.

هنا يمكننا أن نصل الي مفهوم النسبية الأخلاقية في ضوء المقارنة مع الأخلاقيات الدينية. فالنسبية الأخلاقية هي وجهة نظر فلسفية برزت في القرن العشرين، إلا أن لها أصولا في الفكر الفلسفي اليوناني الكلاسيكي الذي كان يتميز بالتنوع الأخلاقي، وتقول وجهة نظر الأخلاق النسبية بأن جميع الأحكام الأخلاقية ومبرراتها ليست مطلقة أو موضوعية أو عالمية. بل هي نسبية وتتعلق بتقاليد ومعتقدات وممارسات وتاريخ مجموعة من الأشخاص والمجتمعات. أي أن المجتمعات المختلفة والأفراد لديهم معايير مختلفة عن الحق والباطل. وتتغير هذه المعايير الأخلاقية من وقت لآخر في نفس الثقافة والمجتمع. فالمسلم مثلا يؤمن أن الله هو المصدر الأعلى للأخلاق العامة، ولهذا فهي مثله لا تتغير إطلاقا. بينما تؤكد النسبية الأخلاقية أن الأخلاق لا تقوم على أي مبدأ مطلق. بل تعتمد الحقائق الأخلاقية على عجلة التطور الاجتماعي، وتخضع لتأثير العوامل الاقتصادية والدينية، والثقافية والتاريخية، وهذه كلها متطورة ومتغيرة من عصر إلى عصر، وعليه تتطور الأخلاق بتطور هذه المؤثرات

إذن، على المسلم اليوم أن لا يكتفي بكونه مسلما فقط حتى يتأكد بأنه صاحب الأخلاق العليا والأمثل وأن سلوكه مع البشر هو الصحيح والأكمل، فما زالت ثقافته تحتوى على قيم وأخلاق بدائية تتعارض تماما مع منظومة الأخلاق الإنسانية النسبية..فما كان في السابق أخلاقيا بل طريقا يصل الي الجنة، فهو اليوم يعتبر طريقا الي إيذاء البشر.

لا تعليقات

اترك رد