الإستفتاء و الإستقلال الكردي .. وجهة نظر ..


 

الإستفاء الكردي في شمال العراق صدّع رؤوسنا لفترة طويلة، و هو برأيي لا يستحق ذلك، فهم كما يبدو قد حزموا أمرهم، و هناك من يثقون به ثقة عالية عمياء ممن يدعمهم في سعيهم هذا، فلم لا ..

هم يريدون الإستفتاء و الإستقلال، و من يجلس على كراسي الحكم في بغداد غير قادرين على لجمهم و منعهم، و القضية باتت قضية إعتراف و إحترام، فالأكراد برأيي باتوا لا يكنون لحكام العراق الجدد ذلك القدر من الولاء و الإحترام و التقدير بما يسمح لهم للبقاء في مركب واحد معهم، و لو قدر أن هناك فئة أخرى تحكم العراق ( تملي العين كما يقولون )، لكان للوضع شأن آخر على الأغلب، فالزمن الذي كان هاتف واحد من حاكم العراق أو تصريح أو ربما نظرة منه ، كانت تعيد الأمور إلى نصابها، ذلك الوقت قد ذهب دون رجعة كما يبدو، و هناك تجارب عديدة مر بها الكرد خلال التسعينات خاصة و قبلها تؤكد ما ذهبت إليه ..

العتب ليس عليهم بالتأكيد، بل على من يسيطرون على الحكم في بغداد منذ الإحتلال، الحقيقة لا يطيب لي أن أسميهم لا حكومة و لا دولة و لا نظام، لأنهم ليسوا كذلك، فبالرغم من كل شئ الأكراد و حكومتهم و قيادتهم، بالرغم من كل السلبيات و الإنتقادات تمكنوا من بناء تجربة لا بأس بها و لو إنها كانت مبنية على نفس عنصري ، لكن التجارب عبر الأيام أثبتت أنهم لم يتمكنوا من أن يتخلصوا و ينبذوا عراقيتهم تماما، و أبسط مثل وجود مئات من العوائل العربية و الموصلية الهاربة من جحيم العراق يقيمون و يعملون هناك بأمن و أمان، بغض النظر عن الظروف المحيطة بهم، بالمقابل أثبت من يتولون الحكم في بغداد قدرتهم و رغبتهم و نجاحهم فقط في التدمير و السرقات و الفساد ( و اللطم .. مع الإعتذار )، و لم يتمكنوا من بناء أي شئ، بل دمروا كل شئ ..

الصراعات و البواكي و الخلافات نجدها على بعض أجهزة الإعلام، لكن دور مجموعة الرؤساء و نوابهم و مجلس النواب و الوزراء في بغداد لا زال ضعيفا و مجهولا و غير فاعلا ..

من يسيطر على الحكم في بغداد ليست لهم لا حول و لا قوة و ربما لا رغبة لمواجهة إرادة الأكراد، و لا جيش الأكراد، و الأهم من ذلك، مواجهة من يتجحفل مع الأكراد و يسندهم و يدعمهم و يؤيدهم ، إذن ما عليهم إلا أن يعطوا الضوء الأخضر للأكراد سواء إن شاؤوا أم أبوا كما أعطاه برلمان الأكراد لإجراء هذا الإستفتاء غير القانوني المزعوم ..

و هنا أقول إنه غير قانوني و لا شرعي برأيي و حسب معلوماتي المتواضعة، و عذرا مقدما إن كنت خاطئا في ذلك، لأن الإستفتاء سيقتصر على سكان أو مواطني كردستان من الأكراد، و هذا الأمر معروف شرعا و قانونا و دوليا لايخص الأكراد بل يخص البلد كله، و على عموم الشعب العراقي أن يعطي رأيه، إن كان راغبا في فصل هذا الجزء من البلد أم لا، و الأكراد سيكونون ضمنا كحال باقي الشعب ..

ما أطلبه ممن يسمونهم بحكومة أو دولة العراق، هو أن يحصنون حدود و مواقع المدن العراقية العربية القريبة و المحاددة للمنطقة الكردية، أو منطقة الحكم الذاتي، أو إقليم كردستان حسب ما يسميه البعض، و هذه الحدود معروفة دوليا، و ربما منطقة منع الطيران أيام الحصار NO FLY ZONE , ستكون خير دليل لحدود المنطقة الكردية الصحيحة، فعلى حكومتنا الموقرة أن تحصن و تقوى حدود المدن المحاددة، و بالتحديد الموصل و كركوك، إن تمكنوا من ذلك، و هذا كما قلت، أضعف الإيمان، حينئذ ليتركوا حكومة الأكراد تفعل ما تشاء بقطعة الإرض المخصصة لهم، ليجعلوها إمارة أو دويلة أو دولة أو حتى مملكة ..

برأيي إنه جنون و السير خطوات نحو حتفهم ما يقومون بهم، ليس تحيزا و لا كرها، بل العكس، فأنا لي أقارب و أصدقاء عدة من بين الأخوة الأعزاء الأكراد، لكن توجهات حكومتهم و قادتهم السياسيين تقودهم للتهلكة، و بالمناسبة فهذه التوجهات مدفوعة الثمن، و مدفوعة من قبل العديد من دول العالم لتأجيج النار في المنطقة و بث مزيد من عدم الإستقرار في ما تبقى من العراق ، سوريا و إيران و تركيا، و غني عن القول أن القضية الكردية كانت دائما ورقة ضاغطة بيد شاه أيران، و بيد إسرائيل و روسيا و الآن أميركا و بريطانيا، و غيرهم ..

ما علينا إلا أن نتابع تجارب الإنفصال والتقسيم في البلاد العربية و الإسلامية خلال الفترة الأخيرة، لنجد ماهو مصير دولة الكرد المتوقع، فهذه جنوب السودان أصبحت مسرحا للجرائم و السرقات و الجوع و الفقر و العصابات و سيطرة عدد من الشركات العالمية الكبرى، و عدد من الدول الكبرى التي دفعت بقوة نحو الإنفصال ..

كذلك الحال مع دولة تيمور الشرقية، التي إنشقت عن جزيرة تيمور الأندينوسية، و بالمناسبة الدولتين إنشقتا تحت شعار حماية فئة المسيحيين من بين السكان، فتيمور الشرقية أصبحت شبه مستعمرة أسترالية، و بترولها يسرق علنا الآن من قبل كبريات الشركات الأسترالية و العالمية ، و في كلتا الحالتين لم يصب أبناء الشعب المغرر بهم إلا مزيدا من الفقر و الجوع و المرض و التشرد و التشرذم و القتل و التدمير و الإنهيار الشامل ..

شارك
المقال السابقيدفعون الشعب صوب الكسل والترهل
المقال التالىالوضع الأمني

غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة … عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد