فَدَك .. مجزرة جديدة


 

لا أنقل خبر ولا أريد كتابة تقرير صحفي عما جرى بعد ظهيرة يوم الخميس الماضي ، إنما هي تساؤلات وهواجس.. ففي اثناء استراحة قصيرة من وعثاء السفر في أحد مطاعم الطريق السريع الرابط مدينة بغداد بمحافظة ذي قار لم يكمل البعض شرب قدح الماء الاّ واصوات العيارات النارية تقتحم مطعم فدك السياحي في ناحية البطحاء التابعة لذي قار ، والمكتظ على مدار الساعة بالمسافرين كونه اكبر وأقدم مطعم سياحي هناك ، وهذه ليست المرة الاولى ، لا في المطعم ولا في البطحاء الناحية ، حيث حدثت تفجيرات عنيفة لاسيما في أحدى زيارات الاربعينية راح جراءها المئات .
حصيلة التفجير كبيرة جداً ، طالت المدنيين الابرياء ، فمن استُشهد اكثر من ٦٧ والجرحى ٩٧ حسب دائرة صحة ذي قار وذمة الوكالات .
صورة مؤلمة لطفلة بقيت وحيدة ، لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات ، نشرَ صورتها بعض الخيرين في مواقع التواصل الاجتماعي لعل البعض يعرفها، فتاة اخرى ناجية تخبر مدير صحة ذي عن عدم معرفة مصير اهلها ، وحين سُئلت عن نجاتها قالت :
انها بأول سماعها لصوت اطلاقات نارية اختبأت في أحد الحمامات ، وبعد انتهاء تفجير السيارات المفخخة وانسحاب الارهابيين لم تجد الا جثث هامدة ، وبعضها ممزقة ، واخرى تئنّ من ألم الرصاص ولهيب النار ، لم تجد والدها وامها وعمتها .. وغيىرهم مازالوا مفقودين كُثُر .
تساؤلات مهمة تطرح نفسها :
قبل الوصول الى مطعم فدك من جهة مدينة بغداد توجد هناك السيطرة الرئيسية لمحافظة ذي قار وهي سيطرة مشتركة كما يسمونها ، اي تتألف من كل اصناف الاجهزة الامنية ، اضافة الى وجود سيطرة رئيسية من جهة البطحاء ناصرية مع ان هذه السيطرة حين سماعهم الانفجارات هرعوا بالقدر الممكن واشتبكوا مع بعض الارهابيين الذين فجر بعضهم نفسه باحزمتهم الناسفة ومفخخاتهم ، الأمر الذي ادى الى استشهاد بعض الشرطة وجرح آخرين ، وقيل ان احدى المفخخات نوع بيك اب تابعة لشركة أمنية !
كلامي عن السيطرات هناك ، في الطريق الدولي ، غالباً يؤكدون على تفتيش سيارات الاجرة التي تُقلّ لاشخاص ، وبالذات التي فيها نساء ، وتبدأ التساؤلات : من اين اتيتم والى أين ذاهبين ؟ ابرزوا هواياتكم الشخصية ( حتى النساء ) ، لمن هذه الحقيبة الكذائية.. واحايناً يتم انزال جميع الركاب ( التي معهم نساء ) لغرض أجراء تفتيش صارم حازم تتقطع انفاس المواطن المسكين مخافة ان ينطق بكلمة.. وأنا دائم السفر بين البصرة وبغداد ، ألاحظ مرور المركبات الكبيرة احيانأ بلا تفتيش ، وبعض الصغيرة ايضأ ، سألت ذات مرة أحدهم ؛ فأخبرني انهم (عِرِف ) باللهجة العراقية ، أي انهم معرّفين لديهم ! وذات مرة أستوقفنا احدهم للتفتيش ،ولمّا لم يجد شيء سأل بعض النسوة سؤالاً معيباً – وعذراً للبوح به – قال :
من منكنّ تضع (لولب) ، خجلت بعضهن وأطرقن رؤوسهن لكنه كرر تساؤله مرة اخرى !
مثل هكذا عناصر لا أعتقد في مستوى الطموح لحفظ الأمن وكشف من هو المشبه به ، علماً اذا استثنينا كل المتعلقات الأخرى ، ويتذكّر العراقيون كيف كان منتسب الانضباط العسكري حيت يرتقي سيارة ( الريم ) وبنظرة خاطفة يعرف الهارب من الخدمة العسكرية ومن هو متأخر عن التحاقه بدوامه .
قبل ايام قليلة فتحت وزارة الداخلية باب التطوع على قوى الامن الداخلي ، ينتهي التقديم نهاية الشهر الحالي ، لكن المفاجأة كانت حين غلق رابط التقديم في اليوم التالي ، ومن شروط التقديم ان لا يكون المتقدم من حملة الشهادة الجامعية ، بيما يفترض العكس كون اغلبية الخريجين اصحاب مؤهلات وثقافة تساعد في حفظ الامن اضافة الى كونهم عاطلين يمكن تشغيلهم واشتثمارهم لاسيما هناك منهم خريج القانون وعلم النفس والاجتماع والاعلام ، ومنهم من درس العلاقات العامة في كليته ، فلماذا الاصرار على بقاء هؤلاء واختيار آخرين من المؤكد انهم من رفاق الاحزاب .
المهم اليوم هو لبس بدلة انيقة مرقطة ونظارة سوداء وشعر حليق كجنود المارينز وموبايل آيفون ، هذه مؤهلات كثير ممن يتصدون لحفظ الامن مع احترامنا للمخلصين ولمن ذاد عن الوطن بدمه ، فلهؤلاء اجلّ التحايا والامتنان ولهم تُرفع القبعة .
لم ينزل الارهابيون من السماء ويختفوا كالاشباح ، هم موجودون على الارض بيننا ، وعلى الحكومة إن أرادت لشعبها الخير والامان أعادة النظر من جديد في كل شيء ، وإلاّ تبقى نظرة المواطن الشريف لحكومته بأنها ليست من هذا الوطن انما دخيلة عليه ويجب تغيير نظرة تلك العجوز التي قالت عن احد قادة الحكومة بأنه (دراكولا ) مصاص دماء ، وإن لم يُفعّل العنصر الاستخباراتي وبكثرة سوف يبقى الارهابيون يسرحون ويمرحون ، ولكن هذه العناصر يجب ان تكون منتقاة باختبارات خاصة ودورات خاصة بعيدة عن كل محاصصة ، وهي سهلة جداً اذا انتظمت بقوانين ومعايير خاصة ، وان لايكون العنصر الأمني كسابقيه من الأميين الذين لا يجيدون سوى لغة أهانة المواطن ، ولكي لا تتكر مجزرة فدك من جديد .

لا تعليقات

اترك رد