ماذا سأفعل ؟؟

 

لم تكن الكتابة والعمل الأعلامي رغبة آنية في حياتي, أو نزوة مفاجأة . فأنا مأخوذة بالكتابة منذ صغري. إنما هجرت المداد والورق وأنشغلت بالحياة وما يوفر للمرء اسباب العيش والكرامة المرهونة بالمال. هكذا بدت مسيرتي في الحياة عسيرة ولا تختلف عن مسيرة هؤلاء الذين يخبؤون بين أضلعهم قلوباً نابضة أختنقت تحت أنقاض الأنهيارات السياسية والأقتصادية والأجتماعية ذات المسميات الحداثوية . إنه الإدمان الأكثر خطورة في التضييق على النفس. لكنه بقي هاجساً موجعاً لا ينفك يرميني بلظاه: الكتابة ! .

واتتني فرصة, أنتظرتها بصبر طويل , حين وفرت لي جريدة أسبوعية ذائعة الصيت مجالاً للنشر,شرط أن اقبل بشروطهم في أختيار الموضوعات والشخصيات التي تنسجم وسياسة الجريدة . قدموا لي قائمة من الأسماء المعروفة والمواضيع الساخنة التي تنتظر من يصوغها بخباثة ويقدمها للقراء المهووسين بالنقد والنكاية .

لم يسعفني التفكير طيلة النهار, وساقتني قدماي نحو سوق المدينة المزدحم بالبشر والحيوان , أتفرس الوجوه,أجس نبض الشوارع , انصت للجدران القديمة , واتجاهل مهرجان البضائع الصينية التي تغزو المحال .في نهاية المطاف , ومثل كل مرة, أنعطف بأتجاه زقاق قديم مهترىء الحيطان , لكنه مازال يفوح برائحة الطين والتبن حيث كان كان بيت جدي, وقفت عند مقهى صغير عند بداية الزقاق ,أرتشفت “استكان” الشاي المميز الطعم والرائحة , وكان كافياً ليحملني الى الزقاق المهجور إلا من بعض المارة والمشردين الذين أتخذوه مأوى يقيهم وحشة ليل المدينة .

في قرارة نفسي كنت مدركة بأنني مازلت أبحث عن أهله,تاريخي,طفولتي.في الواقع كنت أبحث عني. كان قلبي أصغر مني, ودموعي اسرع من كلماتي . يا الهي , متى حصل ذلك ؟ وكيف ابتعدت عن نفسي كل هذة المسافة , عما كان يشكلني !

تداركت وضعي أمام منامة مصنوعة من صفائح المنيوم , ومفروشة بكراتين وبطانيتين كاحلتين ,وعلى بعد بضع خطوات يقف “حمه” يحيطه ثلاثة شبان ,يغضبونه تارة ويمازحونه تارة أخرى. إنه “حمه” المجنون المعروف بكلامه الفلسفي في المدينة, والذي طالما أحببت أن اراه عن قرب. “حمه” فقد أخاه الوحيد في حادث مروع وحرم حبيبته بسبب التقاليد الأجتماعية,فأثار التخلي عن عقله بدل قلبه. اقتربت منه وكان بريئاً كالأطفال ,يثور ويغضب ويشتم, وسرعان ما ينسى ويضحك ويردد سوأله المعتاد: ((أنا ماذا سأفعل ؟)) .يا لهذا السوأل الوجودي العميق! .دنوت منه وما خشيته وما ارتبت منه .أنه أول مجنون أدنو منه بقلبي وأسمعه ,وكأنني أدنو من وحي . سألته عما يريد فطلب كوباً من النسكافة .جل ما يطمع به في هذة الحياة هو كوب نسكافة ! أسرعت وجلبت له ما يحب .تأملته وهو يشربها ساخنة وقد وافق أن التقط له بعض الصور. كانت عيناه خاويتين تماماً مثل يديه وجيبه , فهو لا يملك من هذه الحياة سوى سؤاله الأبدي :”انا ماذا سأفعل؟ ” .

لا تعليقات

اترك رد