تركيا ، ايران ، السعودية .. ودورها في مصائر المنطقة !! – ج٢


 

ثانيا :-

من المقولات المشهورة في علم العلاقات الدولية هو انه لاتوجد سياسة خارجية للدول ، بل هنالك سياسة داخلية ممتدة الى الخارج . اذن لابد من فهم ماكان يتطور في داخل تركيا كي نفهم إمتداداته الخارجية .

منذ منتصف الثمانينات ومع قدوم تورغوت أوزال كرئيس للحكومة التركية ثم بعد ذلك رئيساً شهدت البلاد مزيداً من تجذر الاتجاهات الاقتصادية – السياسية اللبرالية التي بدات بشكل خطوات متواضعة على عهد عدنان مندريس من اوائل خمسينات القرن الماضي . اول بشائر ذلك هو تخفيف القيود العلمانية الاصولية الصارمة التي فرضها اتاتورك ، والاتجاه نحو الانفتاح الاقتصادي وتنويع اتجاهات العلاقات الدولية . تم تخفيف حدة توتر العلاقات مع الاتحاد السوفيتي وبدأ البحث في تأسيس علاقات اقتصادية معه رغم العضوية في حلف الأطلسي ثم الاتجاه جنوباً وخاصة نحو الدول العربية وفي مقدمتها العراق حيث انخرطت تركيا في اتفاق تحالف معه كبداية لما سيعرف بحلف بغداد ونجم عنه تخفيف الاندفاع الذي فرضه الجيش لتأسيس علاقات وثيقة مع اسرائيل ، اضافة الى تخفيف القيود والاحتكار الحكومي للنشاط الاقتصادي والسماح للقطاع الخاص بأخذ زمام المبادرة في جوانب شتى من الاقتصاد . هذه الإجراءات ظلت بطيئة النتائج بسبب عدم الاستقرار السياسي وتكرار الانقلابات وتدخل الجيش المستمر في الشؤون السياسية .

شهدت مرحلة الستينات والسبعينات ، في ظل بدء تراجع الاصولية العلمانية الاتاتوركية ذات الاتجاه الواحد ، بروز عدد من التيارات السياسية أهمها : التيار اليساري والتيار القومي والتيار الاسلامي .

تزامن قدوم أوزال ودوره القيادي نحو مزيد من الانفتاح في الثمانينات مع عدد من الظواهر الدولية والمحلية : تم إنجاز جانب مهم من مشروع ( غات ) في جنوب الأناضول وبداية ظهور نهضة اقتصادية شاملة في المنطقة في القطاعين الزراعي والصناعي وإنتاج الطاقة الكهربائية ، وظهرت الحاجة الملحة لتأمين اسواق جديدة لاستيعاب مُخرجات الاقتصاد التركي كما ظهرت طبقة راسماليي الأناضول المحافظين ، وكانت تلك الفترة ذاتها هي فترة بداية تفكك المعسكر الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوڤيتي . نجم عن هذين العاملين تراجع اليسار التركي بشكل كبير وتقدم التيارات القومية والإسلامية ، وفرضت متطلبات ادامة النمو الاقتصادي الجديد رسم مشاريع علاقات دولية واقليمية جديدة وانعكس ذلك مباشرة على الواقع السياسي الحزبي حيث بدأ ظهور تيار العثمانيين الجدد الذي زاوج بين التيار القومي والتيار الاسلامي . بدات شبكة العلاقات التركية تشهد تنوعاً مضطرداً تراوحت بين مطالبة اوروپا بقبول تركيا عضواً اصيلاً في الاتحاد ، وهي فكرة جعلها أوزال القومي المعتدل ذو الجذور الاسلامية محور سياسته ، فيما تبنى نجم الدين اربكان وحزبه الاسلامي الذي ظهر تحت عدة اسماء ( الرفاه ، السعادة ، السلامة الوطنية ) تأسيس سوق إسلامية مشتركة تارة مع مجموعة الدول الرئيسية في المنطقة مثل مصر وايران والسعودية والعراق وتارة اخرى مع كتلة العالم الاسلامي . شهدت نهاية التسعينات عملية تفكك الاتجاهين لتتحد الشظايا الرئيسية فيهما ليظهر تيار العثمانيون الجدد في شكله النهائي متمثلاً في حزب العدالة والتنمية .

اطلق الحزب الجديد اقتصاد تركيا من عقاله ووفر له حلاً لعدد من اهم مشكلاته وهو القاعدة العمالية والفنية المؤهلة فضلاً عن التمويل الائتماني المُيسر للاغراض الاستثمارية ؛ تم الاستثمار المكثف في التعليم والرعاية الصحية و الاجتماعية ، واعتمد مجموعة جديدة من التشريعات التي امنت الدعم والتيسير المالي للقطاع الخاص وفي ذات الوقت وضعه امام تحدي المنافسة مع المنتجات الأجنبية عبر إلغاء التدابير الحمائية عنه ، وانتهى الامر بالتراكم التنموي الذي بدأ بخطوات وئيدة منذ عهد أوزال الى تنمية انفجارية ليضع تركيا واحدة من الاقتصاديات العشرين الأكبر في العالم ، وهذا امتياز من جانب ومسؤولية على ادارةٍ البلاد من جانب اخر ، ولعل الالتزام الاول سيكون ضمان امكانية استمرار النمو وتلبية تطلعات الناخب التركي في المزيد من مكاسب الحياة اليومية التي اصبحت تقارب المعدلات المعروفة فيما يتم تصنيفه عادة على انه ” دولة رفاه ” . هذه التطورات رتبت بعض النتائج العرضية ولعل من أهمها هو انحسار دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية وفرض بعض التوجهات الجديدة على المستويين الداخلي والخارجي . تم رفع الڤيتو عن التوجهات الاسلامية للدولة لان تمازج التيارين الديني والقومي في إطار ” العثمانية الجديدة ” منح هذه التوجهات شرعية واسعة على نطاق الشارع وتم من خلاله تأمين لغة مشتركة مقبولة مع المحيط العربي والإسلامي ، وانعكست نتائج ذلك في تفاصيل العلاقات مع المحيط العربي – الاسلامي كما فصلنا في القسم الاول .

حمل الربيع العربي رياح تغيير عاتية ضربت الركود السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي خيم على العالم العربي . هذا الركود ترجمته بالارقام تقارير التنمية البشرية التي بدأت مؤشراتها السيئة بالبروز في تقرير عام ٢٠٠٢ الذي كلن ينذر بكارثة ستحل بالمنطقة . كانت مؤشرات مفزعة لم يتنبه لها احد في حينه ولايعرف المحللون على وجه اليقين لم تأخرت ظهور نتائجها على الارض حتى عام ٢٠١١ .

تراجعت الافكار اللبرالية واليسارية والقومية ومعها الحركات السياسية التي تمثلها وفقدت قدراتها على التواصل مع قطاع الجماهير الواسع الذي شكل وقود الهبات العربية لاسباب لامجال لتناولها هنا ، ولم يتبقى في الساحة السياسة من هو قادر على املاء الفراغ الذي تولد عن سقوط الأنظمة الخاوية القديمة غير الإسلاميين والجيوش لانها القوى الوحيدة التي كانت تمتلك قدرات تنظيمية تمكنها من الاستثمار هذا الفراغ . في ذات الوقت كانت الديمقراطية قد اصبحت موضة العصر بفعل الموجة التي قادتها الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً منذ الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١ باعتبارها الرد الستراتيجي بعيد المدى على أنظمة التخلف الثقافي والفكري في العالم الاسلامي الذي أنتج ثقافة الاٍرهاب والعنف وفقاً لتقديراتهم ، وقد تمكنت العديد من حركات الاسلام السياسي التي تبنت برامج العمل السياسي السلمي من استيعاب الدرس منذ وقت ليس بالقصير وشاركت في لعبة الديمقراطية المفبركة على شاكلة نظام الرئيس حسني مبارك الذي افسح المجال للإخوان المسلمين والحركات السلفية السلمية لتاخذ نصيباً مقرراً من كعكة اللعبة السياسية التي كان يتولى الامن القومي ادارتها ويكرسها الاعلام الذي تدير الدولة قطاعه الاوسع .

في هذه المرحلة ظهرت اذن قضيتان أساسيتان امام القيادة التركية : ان العالم العربي والإسلامي يتجه نحو الأسلمة وهذا يشكل قاعدة لعلاقات لاحدود لإمكانياتها واحتمالاتها ، فضلاً عن انها تقدم ضمانات لأكثر الهواجس الأمنية الحاحاً مثل الاٍرهاب الذي يقوم به الاكراد المتطرفون ومعالجة موضوع الأقليات وخاصة الاكراد بلغة تفاهم مشتركة بين أنظمة متجانسة الهوية او تتكلم ذات اللغة السياسية .

جاء الانغماس التركي في تداعيات الوضع السوري سريعاً ونشطاً خاصة وان الأوضاع في مصر كانت تحمل بشارات وصول قوة إسلامية الى السلطة او ان تكون في الاقل ذات ثقل سياسي في اي ترتيب مستقبلي وذلك سيجعل من المنطقة العربية كتلة ذات توجه إسلامي متجانس وستجد هذه الكتلة السنية الضخمة وسائلها للتفاهم مع ايران التي تشترك مع تركيا في شبكة واسعة من العلاقات . هذا الحلم المندفع الذي راود القيادة التركية دفعها الى ارتكاب الكثير من الأخطاء وخاصة على الساحة السورية ، بعد محاولات دبلوماسية أولية لدفع بشار الأسد نحو تبني إصلاحات من شأنها انهاء حالة التمرد الشعبي السلمي واسع النطاق ، فقامت بتبني الجيش السوري الحر رغم انها فوجئت بالضغط الامريكي لضبط وتقييد هذا التبني الامر الذي ادى الى عدم القدرة على حسم الموقف وتحول الثورة الى نوع من الحرب الأهلية بدلاً من ذلك ؛ غضت النظر عن تسرب ألوان من المقاتلين الأجانب عبر حدودها الى داخل سوريا رداً على تدفق مقاتلين لبنانيين وإيرانيين واجانب اخرين ، في مراحل لاحقة ، للقتال الى جانب النظام ، ولم تدرك الا مؤخراً ان تفكك الدولة السورية سيفتح الباب واسعاً امام النزعات الانفصالية وخاصة الكردية كما ان الإفراط في الثقة بالناتو فوّت على الأتراك ادراك طبيعة مخاوف القوى الكبرى واجنداتها وخاصة بالنسبة لقيام أنظمة منتخبة تمثل شعوبها تمثيلاً حقيقياً رغم ماترفعه هذه القوى من شعارات . هذه قضية تفزع اي صانع قرار غربي او اسرائيلي على وجه التحديد لمعرفتهم بطبيعة المزاج الشعبي السائد بين شعوب المنطقة ، واذا كان التوجه سيقود نحو أنظمة متجانسة الهوية فان الخوف سيكون اكبر . كانت تجربة سوريا بالنسبة لتركيا نوع من الفشل في تقدير الموقف وفشل في قراءة النوايا الحقيقية للحلفاء الدوليين وشكلت في تقديري المتواضع لحظة افتراق مع الولايات المتحدة .

طرأت متغيرات جديدة زادت الموقف الاقليمي تعقيداً ؛ جاء التدخل الروسي مباشرة لانهاء الموقف في سوريا ومنع سقوط نظام بشار الأسد ، وفي مصر تولى الجيش ازاحة جماعة الاخوان المسلمين بعد فوزها بعدة جولات انتخابية رئاسية وتشريعية ، ولكنها لم تقرأ الموقفين الدولي والمحلي بشكل جيد وظلت اسيرة رؤية تقليدية جعلتها تدور في مكانها حتى اصابها الدوار فسقطت دون التقدم خطوة واحدة في اي اتجاه . في ليبيا تم استدعاء الثورة المضادة ووقعت البلاد في حرب أهلية لايعرف مداها المستقبلي ، وبدات بوادر ذات القصة تتكرر في اليمن . وفي المجمل فقد اكتشفت تركيا التي كانت قبل اشهر صديقة للجميع في المنطقة والعالم انها على عداء مع الجميع بما في ذلك الدول الكبرى . تأزمت علاقاتها مع روسيا الى حد كبير بعد اسقاط المقاتلة الروسية فوق الحدود واتضح ان الامريكيون يسعون لدعم تحالف كردي في سوريا لمقاتلة تنظيم الدولة وأنهم انصرفوا عن القضية السورية ولم تعد قضية تغيير النظام من أولوياتهم ، انعكس موقف تركيا المؤيد لأقلية الأيغور المسلمة في الصين بشكل سيّء على العلاقات التركية الصينية وربما كانت السبب وراء اعاقة صفقة عسكرية كبيرة لبناء شبكة دفاع جوي متقدم تتولى الصين انشائها ، ودخلت تركيا في عداء مع نظام الجيش الذي اطاح بمرسي في مصر ، كما شهدت العلاقات مع السعودية والإمارات والبحرين حالة من البرود ، ومع العراق تم التعامل مع وجود تركي محدود في ناحية منزوية من شمالي العراق على انه احتلال ، كما بدأ الحديث في ايران عن مغامرات السلطان اردوغان والاحلام العثمانية . ولكن التطور الاكثر أهمية ماكان يجري على حدودها الجنوبية مباشرة حيث بدأ مشروع اقامة دولة كردية يشق طريقه نحو التحقق وقد تكون له امتدادات خطرة على الامن القومي التركي ذاته ، والاسوأ في الامر هو مابدا انه تأييد امريكي روسي اسرائيلي لهذا المشروع .

ثالثاً :-

لعب فشل الانقلاب منتصف عام ٢٠١٦ دوره في تعزيز تعديل اتجاهات السياسة الخارجية التركية . تم فك الارتباط مع حركة فتح الله گولن التي مثلت جزءاً رئيسياً من الثقل الديني في كتلة التحالف الحاكم بزعامة حزب العدالة والتنمية وتمكن الأخير من كسب كتلة انتخابية مهمة كانت تحسب لصالح گولن الى جانبه ، فضلاً عن تحرك كتلة قومية مهمة باتجاهه مما أكسبه قوة انتخابية مضافة يبدو انها ستؤهله لمرحلة اخرى في قيادة البلاد رغم إيماني ان دورة الحياة السياسية في اي مكان لاتقف عند حد وما يبدو مقبولاً على مدى عقد قد لايبدو كذلك على مدى جيل .

كانت زيارة رئيس الأركان الايراني الى انقرة اواسط شهر اب المنصرم ، وهي الاولى من نوعها منذ قيام الجمهورية الايرانية ، مؤشراً على وجود انعطافة كبرى في السياسة الخارجية التركية المتصلة بالإقليم ، تم الاعلان في انقرة كذلك عن زيارات لمسؤولين عسكريين كبار من روسيا على رأسهم رئيس الأركان ثم اعلان إتمام اتفاق بشأن شراء تركيا منظومة دفاع جوي من طراز اس ٤٠٠ روسية الصنع ، والتي تعتبر من اكثر المنظومات المماثلة تقدماً على المستوى العالمي ، مؤشرات في ذات الاتجاه رغم ان الناتو عارض الصفقة . ينبغي هنا ملاحظة ان كلاً من ايران وروسيا هما البلدان الاكثر خصومة مع الولايات المتحدة في الإقليم . كانت تركيا قد اعتبرت فوز ترامپ بشرى لموقف امريكي جديد اكثر حزماً تجاه التطلعات الايرانية في المنطقة وخاصة على الساحة السورية ، لكن هذه التوقعات ذهبت ادراج الرياح وبات واضحاً ان مواقف ترامپ تجاه ايران لن تتجاوز قضية البرنامج الصاروخي وما عدا ذلك فهو من باب الضغوط لتأمين تحقيق هذا الهدف ، ويبدو ان مواقف عديدة ستفرض نفسها في إطار اعادة النظر واعادة ترتيب الاولويات بشأن التهديدات التي يتعرض لها الامن القومي التركي .

لقد راود الأمل تركيا في ان تقوم الادارة الامريكية الجديدة بتقليص دعمها للمليشيات الكردية YPG في شمالي سوريا والتي تعتبرها تركيا تهديداً امنياً مباشراً لسلامتها ووحدة أراضيها باعتبارها امتداداً لحزب العمال التركي PKK الإرهابي ، لكن هذه الامال التركية قد تلاشت ايضاً رغم وعود قطعها ترامپ لأردوغان بشأن ذلك ، فقد قررت ادارةٍ ترامپ ، وعلى عكس الامال التركية ، مضاعفة الدعم الذي تقدمه لهذه المليشيات تحت ذريعة اعتبارها ، من قبل الجانب الامريكي ، القوة العسكرية الوحيدة المؤهلة لمقاتلة تنظيم الدولة الاسلامية في شمال شرقي سوريا رغم ان الجانب التركي عرض مشاركة عسكرية فعّالة بالتنسيق مع جزء من وحدات المعارضة السورية وخاصة الجيش الحر وهو عرض لم يوافق عليه الجانب الامريكي ، بل ان ترامپ امر بايقاف برنامج خاص كانت اعدته المخابرات المركزية لدعم بعض فصائل المعارضة العربية السورية لتحسين قدراتها القتالية في مواجهة تنظيم الدولة . هذه القضية شكلت عامل افتراق مضاف بين الموقفين التركي والأمريكي على الساحة الاقليمية .

ان مجالات التعاون الروسي التركي الايراني كما يبدو قد امتدت نحو آفاق أوسع . لقد قررت الاطراف الثلاثة توسيع التعاون العسكري في العراق وسوريا رغم ان جهدهم المنفرد كان يَصْب في اتجاهات مختلفة واتخذا مواقف متضادة خلال الحقبة الماضية . هذا التعاون الثلاثي يشمل الان قضايا اخرى مثل الرعاية المشتركة لمحادثات آستانة لاحلال السلام في سوريا بدءاً بتوسيع مناطق تخفيف التوتر ، كما يقومون بأعمال تنقيب مشتركة عن موارد الطاقة في بحر قزوين والتزموا جانب قطر في نزاعها الأخير مع الرباعية بقيادة السعودية والإمارات .

من الواضح ان المحرك الرئيسي لتركيا في هذه المرحلة هو الموضوع الكردي وخاصة التقدم الذي تحرزه وحدات حماية الشعب YPG بدعم امريكي على الساحة السورية . هذا الهاجس يمثل قلقاً ايرانياً – تركياً مشتركاً له اولوية عالية في الوقت الراهن مع اقتراب الاكراد العراقيين من استفتاء حول تقرير المصير بالتزامن مع التقدم الكردي في المنطقة المجاورة في سوريا . ويبدو ان انقرة تسعى بشكل جاد لبلورة ستراتيجية مشتركة ضد التحركات الكردية في العراق وسوريا ، ويلاحظ ان ان طهران صعدت اخيراً من لهجتها ضد وحدات حماية الشعب اكثر من اي وقت مضى رغم انها كانت تعتبر في وقت من الأوقات قوة على قدر من العلاقة مع النظام في سوريا ، كما اعتبر الطرفان ان الاستفتاء الكردي في العراق يشكل عامل عدم استقرار يمتد على طول منطقة الشرق الاوسط . في هذا الاطار تثير السياسات الامريكية في سوريا قلقاً تركياً وايرانياً متزايداً .

لقد دعمت الولايات المتحدة خلال الفترة الاخيرة تقدم وحدات حماية الشعب للسيطرة على المناطق التي أخليت او تم انتزاعها من تنظيم الدولة او احد فروع القاعدة في شرقي سوريا وفي أدلب القريبة من الحدود التركية . في هذا الاطار تجد تركيا في الصدامات التي حصلت في الفترة الاخيرة بين قوات كردية ووحدات من الجيش الحكومي السوري فرصة لفتح صفحة جديدة من العلاقة مع النظام الذي يبدو ان تركيا قد تخلت بشكل نهائي ومعلن عن قضية الإطاحة برئيسه . هنالك أنباء تؤكد ان تركيا تجري اتصالات مع النظام في دمشق لاحتواء التقدم الذي أحرزته الوحدات الكردية وهذا مايفسر الى حد كبير مساعي انقرة لتدشين صفحات جديدة من العلاقات مع كل من روسيا وايران وهما الدولتان الاكثر نفوذاً في دمشق .

على الارض تسعى تركيا للحيلولة دون اقامة صلة بين المناطق السورية التي يسيطر عليها الاكراد شرقي البلاد ومنطقة افرين الساحلية مما يشكل لو تحقق حزاماً كردياً متصلاً يمتد على معظم الحدود التركية السورية ويربط كردستان العراق بالبحر الأبيض . ان ضمانة تركيا بعدم وقوع افرين بيد الاكراد هو عدم امكانية مهاجمتها من قبل القوات الكردية لانها تستضيف قوات روسية ، كما تشير بعض الأنباء الى ان تركيا تسعى لإجراء مبادلة اراض مع ايران وروسيا من خلال الضغط على وحدات المعارضة السورية لاخلاء بعض المناطق مقابل حلول قواتها في افرين . هذه التحركات تشوبها مشكلة عدم الثقة التي تأصلت على مدى سنوات القتال في سوريا بشكل خاص ، كما ان هنالك احتمالات قوية بان تؤثر هذه التحركات التركية على علاقاتها مع الولايات المتحدة ، وهذه افتراضات لها مبرراتها ولكن عندما يتصل الانر بقضية الامن القومي فان كل الاعتبارات الاخرى تصبح ثانوية .

لقد اتاحت الأزمة الخليجية فرصة امام تركيا لمزيد من النفوذ في منطقة الخليج حيث قامت بإرسال قوات تركية الى قطر في إشارة واضحة الى معارضة اي عمل يتجاوز اجراءات الحصار التي يفرضها التحالف الرباعي بقيادة السعودية والإمارات ضد قطر . في ذات الوقت فانه زاد من فرص الدخول الاقتصادي التركي في الخليج اذ اصبحت مجهزاً رئيسياً في السوق القطرية بديلاً للسعودية والإمارات ويجري الحديث حالياً عن زيادة الاستيراد التركي من الغاز القطري .

هذه الظروف هي ذات طبيعة مؤقتة ترتبط بالأزمات التي تمر بها المنطقة بشكل عام ولكنها مرحلة ستترك تداعيات بعيدة الامد ومن الواضح ان القلق التركي الأساسي حالياً هو التطورات على الساحة الكردية . قد تشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية تراجعاً هنا او تقدماً هناك الا انها لم تعد الاولوية بالنسبة لتركيا خاصة وان حجم هذه العلاقات مع دول المنطقة مايزال في حدود صغيرة نسبياً مقارنة بحجم العلاقات التركية مع الاتحاد الاوروپي وروسيا والبلقان . هذه المناطق الثلاث تمثل الرئات الرئيسية التي يتنفس من خلالها الاقتصاد التركي ، كما اتجهت تركيا لتطوير علاقات ذات آفاق جغرافية ابعد من الشرق الاوسط . هنالك علاقات متنامية مع افريقيا وخاصة افريقيا المسلمة التي تنشط فيها الى جانب الشركات عدد من المنظمات الخيرية التركية وتحمل معها نفوذاً ناعماً لايستهان به في المستقبل . هذا درس تعلمته تركيا من ايران . تسعى تركيا ايضاً لتطوير علاقات مماثلة مع امريكا اللاتينية .

ماهو وضع تركيا المنتظر في مستقبل المنطقة : تركيا دولة تجاوزت حدود الحجم المتوسط ولكنها لم تصبح بعد دولة كبرى على المستوى الدولي رغم انها تمتلك قاعدة علمية وتقنية متقدمة على العديد من الدول الاوروپية ولكنها مازالت في مرحلة اعادة ترتيب الاولويات والتحالفات . لقد تجاوز اقتصادها عنق الزجاجة التي دخلها في الأعوام ٢٠١٤-٢٠١٦ ، وقد بدأ الاقتصاد يحقق نتائج جيدة خلال النصف الاول من هذا العام كما يبدو ان ترتيب البيت الداخلي والاتجاه الى النظام الرئاسي سيمنح السياسة الخارجية دينامية اكبر . تمتلك تركيا پيروقراطيا عريقة ذات خبرة متراكمة عمرها من عمر الامبراطورية العثمانية وهي قد مرت بعمليات إصلاح عديدة ابتداءاً من إصلاحات السلطان سليم في ثلاثينات القرن التاسع عشر وحتى اليوم . كان الانقلاب فرصة لاعادة تنظيف هذه الپيروقراطيا من العناصر المؤدلجة التي انتظمت في إطار حركة گولن ومازال الكثير بانتظارها .

مع وجود الخطر الكردي الذي تدعمه الولايات المتحدة فان القوات المسلحة تبدو اكثر توجهاً نحو الوطنية العثمانية الجديدة بعد ان فقدت ثقتها في الحليف الامريكي ؛ مامن قضية تؤرق الطبقة السياسية والعسكرية قدر الموضوع الكردي . تتركز معظم موارد الثروة في تركيا في مناطق جنوب الأناضول التي يشكل الاكراد أغلبية في معظمها . العثمانية الجديدة واظهار الهوية الاسلامية قد تشكل كابحاً امام النزعات الانفصالية التي مازالت اقل وضوحاً مما هي عليه في العراق وذلك امر طبيعي ، واذا ما تم وضع الاكراد بين خيار استمرار تعزيز الرفاه او الدخول في قضية لا احد يعرف مالاتها فان الخيار واضح . لقد فشلت تجربة الحكم الذاتي في العراق قبل الاحتلال الامريكي للعراق بسبب تركيزها على الجانب الهيكلي القانوني فيما تم إهمال الجوانب الاقتصادية والسياسية ، بعد انطلاقة ابتدائية جيدة ، بسبب دخول العراق في حروب متصلة كانت على حساب التنمية الاقتصادية والسياسية . لاتوجد نزعة قومية في العالم مفرغة من المضمون الاجتماعي – الاقتصادي وهو درس تعلمته تركيا منذ بعض الوقت وكانت مناطق الاكراد هي بؤر التنمية الاقتصادية ، ويشكل الاكراد نسبة مهمة من ابناء الطبقة السياسية الحاكمة ومنهم على سبيل المثال بن علي يلدريم رئيس الوزراء ، كما يضم حزب العدالة والتنمية قاعدة كردية مهمة تؤهله لها طبيعة أيديولوجيته خلافاً للأحزاب القومية وحيدة الاتجاه التي لم يعد خطابها العلماني – الأتاتوركي يجد الكثير من الاذان .

تركيا لاعب مهم في السياسة الاقليمية وقد اعتبرها الكثير من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين والاوروپيين الجسر الطبيعي نحو اواسط اسيا التي تماهيها في العقيدة والمذهب والعرق ولذلك تتخذ منها الكثير من الشركات الغربية مركزاً لقيادة عملياتها في تلك الأقاليم خاصة تلك العاملة في مجال الطاقة والنقل اذ تشكل تركياً ممراً حتمياً لاية انابيب نقل للطاقة او طرقاً للتبادل التجاري ، وتعتمد الكثير من دول المنطقة على طرق النقل البري التركية لتأمين احتياجاتها من المنتجات الاوروپية او لتسويق منتجاتها في اوروپا وخاصة ايران وأقطار الخليج العربي ودوّل اسيا الوسطى .

من المؤكد ان تركيا ستحتل في مشاريع النقل التجاري العملاقة التي تخطط الصين إنشائها لربط شرق اسيا باوروپا ، ومن الناحية الستراتيجية تحتل تركيا موقعها المسيطر على احد اهم الممرات المائية الدولية ، كما سيزيد من أهمية ذلك انتهاء مدة نفاذ اتفاقيات الصلح التي عقدت بعد الحرب العالمية الاولى عام ٢٠٢٣ وهو ماسيرتب سيطرة تركية كاملة على هذا الممر وهنالك مشروع تركي لفتح قناة موازية لربط البحر الاسود بالبحر الأبيض المتوسط مع مايعنيه ذلك من موارد ، اضافية الى ان المنطقة التي تتوسطها تركيا هي جزء أساسي من أوراسيا الكبرى وهذه المنطقة فضلاً عن أهميتها الستراتيجية والتاريخية ستكون احد مكامن الطاقة الرئيسية الجديدة كما انها مناطق بكر لم تشهد عمليات تنمية توازي قدراتها الكامنة ومواردها التي لم تستكشف بعد .

ماتحتاجه تركيا في الوقت الحاضر هو ترميم العلاقات التي خربها اندفاعها باتجاهات لم تكن مدروسة خلال موجة الربيع العربي رغم انها كانت تمثل فرصاً واعدة ومغرية ولكن للعالم حسابات مختلف . تركيا كما يبدو قادرة على استيعاب الدرس رغم وعورة الإقليم وتطوراته المفاجئة . هنالك انقسام واضح في الإقليم بدات بشائره بالظهور وهو انقسام تكون اسرائيل وفقاً له في طرف وتركيا وايران في طرف اخر . من المبكر الحديث فيه ولكنه كما يبدو سيشكل مع القضية الكردية محاور السياسة الاقليمية القادمة .

شارك
المقال السابقدولة الاستفتاء
المقال التالىصناعة تكاملية

فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست … تخصص في الشؤون الإيرانية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد