عبد القادر قمر يتلألأ


 

البيت واسع فخم ، تحيطُ به حديقة غنّاء ، تكتظّ أرجاؤها بشتّى أنواع النّباتات .. وعديد الأشجار الفاتنة .. كلّ البيت دافئ ، نظيف .. على جدار غرفة الاستقبال شاشة رقمية كبيرة جدًّا .. وفوق طاولة بلّوريّة مصحف كبير الحجم على محمل خشبيّ .. زرابي مبثوثة ونمارق مصفوفة ، ساعة ضخمة رابضة في الرّكن ، مكتبة من خشب الأبنوس حَوَتْ الكتب والمجلّدات والقصص والمجلاّت ، ومكتب نمنمتهُ يد بارعة .. عليه حاسوب وأقلام ومحفظة ، فانوس ، وأوراق ، زجاجة عطر..أرضيّة الغرفة منمّقة وسقفها محلّى بزخارف عربيّة .. وفوانيس .. كساء من القماش الأخضر يتدلّى أمام شبابيك الغرفة الأربعة .. أجتهد في تبديل ديكور البيت كلّما سمحت الظّروف .. البيت بهجة الرّوح .. وسكنُ العقل .. روضة الحياة .. الذّوق يُصقلُ في المهجر.. وتقدّ الأفكار بنسيم الهدوء .. كلّ شيء جميل ، متحرّك جديد ، وإنسانيّ ، كلّ شيء يُبحرُ في الحريّة ، ويرتكز على الحوار، وينبعُ من العقل ، هنا السّؤال حكمة ، السّؤال يجمعُ .. يلمّ الشمل .. السّؤال يكونّ ويرتقي بالمرء .. كلّما سألني أحدهم هنا .. زادت حركة العقل أكثر.. هنا تنمية شاملة .. هنا تُكبّل الشّياطين ، ويبدأ العمل ، يبدأ البناء ، تُعزف موسيقى الجدّ والحقيقة . متى يُحترمُ القول في وطني ؟ ويقدّر السّؤال حقّ قدره ؟

هاهي كندا تصغي إلى دخيلة نفس كل إنسان .. يكشف الإنسان عن المخفيّ ، عن أيّ فكرة بنّاءة أو هدّامة ، عملاقة أو ضئيلة ، الكشف حقّ من الحقوق ، البوح موهبة يشجّع عليها القانون الإنسانيّ في كندا ، هنا تتحققّ الآمال والأحلام والمنشود بلا قيود .. النّظم بسيطة مفعمة بالأخلاق .. غير شائكة .. اللّوائح والعادات تحفّها اللّطائف ، تتحرّك الأجهزة بلا شطط ، هنا الإنسان قبل كلّ شيء .. وهناك في وطني الإنسان بعد كلّ شيء في كندا الأرض ممتدّة شاسعة ، والصّدور رحبة ، والقلوب مرتوية بالرّحمة الملائكيّة .. هنا لا هرج ولا مرج ولا صدام، هنا الإنسان يتمتّع بإنسانيته ، بحضوضه.. ويمارس حريّته بلا قيد ولا شرط .. بلا توتّر ولا قلق ولا عناء .. يرتّب ما شاء كيف شاء، حياته بيته ، حديث الرّوح ، يمارس حديثه مع نفسه ، مع زوجته ، يفضي إليها وتفضي إليه بلا شُرط ولا عسس ولا رقيب ولأجل ذلك قلتُ لزوجتي فاطمة :

نشأت في المدينة العتيقة.. حفظتُ القرآن الكريم في مسجد الحيّ .. وكتبت الآيات بالدّواة والمداد على لوحة كنت وضعتها أمامي .. نشأت بالقرآن الكريم والصّلاة وحبّ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وآل بيته وأصحابه والتابعين الأتقياء .. كنّا نقيمُ الاحتفالات في ذكرى المولد النّبويّ الشّريف .. نطبخ العصيدة ونفترش الفُرش و الحُصر.. نجلبُ الحطب ونوقد النّار في الفرن والمواقد ، نطبخُ الشّاي ونرمّم أحلامنا ، آملين في غد مشرق ، غير آبهين بالجروح والآهات ، إنّه عيد المولد ، وننسى .. نعدّ الموائد للزّوار والوافدين .. ولا ندّخر جهدًا في إكرام الضّيوف .. كان والدي أحرص النّاس على إحياء ليالي الجمعة بالذّكر وتلاوة القرآن والصّلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وآله وصحبه والتّابعين أجمعين .. كلّ أماكن وأركان البيت وزواياه دوما مضاءة .. الدّهاليز نظيفة يعمّها الدّفء وضوء أصفر يخترقُ أركانا مظلمة طول اللّيالي .. وكان يزورنا عمّ أبي كلّ خميس بعد صلاة العصر، فيبيتُ عندنا .. نتحلّق حول طاولة نضع عليها المصاحف وكُتب دلائل الخيرات ، ونشرع في القراءة .. ثمّ نختتم ذلك بالدّعاء ونتعشّى.. البخور يملأ البيت ويغمر النّتوءات ، كان عمّ والدي يجلب لي الحلوى .. يضمّني إليه كأنّه أدرك شوقي إلى جدّي .. تضيء آلاء السّماء.. يثور الجأش الخبيء .. فأحسبه جدّي بادئ الأمر.. ولمّا هاجت وماجت الأيّام اكتشفت أنّه العمّ الوحيدُ لوالدي .. أبي يا دوحة الرّوح ،، يا أبي يا دافع اليأس الأجّاج .. قصص مودّة وحنان تخطو، أمجاد في القلب . وفي صباح كلّ جمعة يذهبُ عمّ أبي {عليّ بن صالح } إلى الحمّام باكرًا ثمّ يتوجّه إلى مسجد سيدي أبي زمعة البلوي رضي الله عنه .. يؤدّي صلاة الجمعة ثمّ يزور مقبرة قريش ليترحّم على والده وأخيه .. ثمّ يعود إلى القرية ..كم كنتُ أحزن حينما يتركنا عمّ والدي ويعود إلى القرية بعد إتمام صلاته .. زرت قرية والدي عديد المرّات.. واستضافني أبناء عمومته.. وكم رعيت الغنم صبيًّا وتشرّدت في الأرياف مع أبناء العمومة و الأغراب و الأصهار.. وعرفت الصحراء بريحها الصّرصر وأيّام الشهيلي .. فسقيّة الأغالبة .. السّباسب الممتدّة .. وفي سبتمبر من سنة خمس وسبعين وتسعمائة وألف دخلتُ مدرسة نصر الله .. الكبّارة أين تعلّمت.. صاحبت أختي في رحلة زواجها ..رحلة الغريب والعجيب .. وتركتُ القيروان مبكّرًا .. شاءت الأقدار .. كان الرّيف خضرًا .. غابات الزّيتون والمشمش والتّفاح واللّوز والتّين .. سهول ممتدّة تسحر العين .. أكواخ كثيرة .. و مرتع للبهائم و الأحمرة والبغال و البقر .. سهول و سباسب ،، يأتي الشّتاء فيغمر الماء كلّ شيء .. الوجوه محمّرة عليها بارقة الأنوار .. عليها نعومة الفجر و حدمة الظّهر.. و رغم انتشار الفقر آنذاك إلاّ أنّ القلوب كانت ذهبيّة فضيّة .. كانت مواسم جني الزّيتون والحصاد أعراسا بدويّة تجمع كلّ القروييّن.. يتعاونون ويجمعون محصول بعضهم البعض بالتّداول وكذلك يفعلون في جلب الماء بالصّهاريج وعلى ظهور البهائم والبغال والعربات .. الخجل يخيّم على الحياة البدويّة والقَرويّة .. الحياء يجمع الكبير بالصّغير .. الذكر بالأنثى .. وكان الفهم سريعًا .. الحياء والإيثار والسّخاء والشّهامة و الصّبر.. سكنّا الطّابق العلويّ بالمدرسة .. كان زوج أختي معلّما .. و كلّما غادر التّلاميذ المدرسة في المساء .. أجلسُ في ركن بذاك الطابق أتأمّل الغسق بعفوية .. وأذهب في عمق تأمّلات طويلاً .. وأستلقي أحيانًا على ظهري محدّقًا في أنوار السّماء .. كنتُ أهزأ بغربتي التي لم أفكّ لغزها آنذاك .. عمّني نور لم أفهمه بل لم أقدر على النظر فيه .. خفتُ و ارتعدتُ ثمّ هدأت .. عرفته إنّه نور ربّانيّ وسعه صدري .. عشقت شروق الشّمس وعظمة الغروب .. وعشقتُ سكون اللّيل وتراحم الكواكب في السّماء .. ورقّت روحي وتواصلت مع السّماء بخيط نوراني مشتعل .. مجرّات لا تحصى بكواكبها وشهبها الوقّادة .. صنع الله .. حفيف أوراق الشّجر وتمايل أغصان الزّيتون .. تملّكتني شجاعة .. وملأت الدموع المحجرين .. دموع الشوق إلى والدي .. وصرخت أختي بأعلى صوتها :

ــ عبد القادر أُدْخلْ هيَّا .

فدخلتُ .. وفي أوقات أخرى كنتُ أطعمُ الدّجاجات وأجلبُ الوقود لفرن الطّابونة .. أعواد وأوراق يابسة وأغصان العرعر.. ثمّ أشعلُ النّار وأمكث بجانب أختي أرقبها تضعُ أقراص العجين ..وأستمتعُ برائحة الحطب المحترق .. وفي فصل الصّيف أنطلقُ مع أصهارنا الحصّادين إلى حقول القمح الممتدّة .. وأجمعُ السّنابل وألتقطُ الحبَّ المتناثر ..الأكياس كثيرة وحبوب القمح والشعير أكثر .. محصول وافر في كلّ سنة .. وأمطار غزيرة لا تتخلّف عن الموعد .أمّا المدرسة الابتدائيّة فقد بُنيت في عهد الاستعمار الفرنسي .. تعرّفت على أبناء القرية .. ولعبت معهم على الحصير وتحت أشجار الزّيتون المجاورة .. وأشجار اللّوز والتّفاح والخوخ والمشمش.. وكنتُ آوي إلى دار صهرنا المؤدّب كلّ يوم سبت .. المؤدّب والد زوج أختي .. وألعب رفقة ابنيه حسن وحسين وبقية أبناء العشيرة بتؤدة ورفق ومحبّة فائقة .. كنّا نرعى الأغنام في الجبل ونطارد الأرانب .. ونتحدّث عن الذئب والثّعلب والخنزير .. وكنّا نجمعُ التّين واللّوز ونأكل ونمرح ونلعبُ .. مناظر رائعة تسحر وتجعل المشاهد مندهشًا في ملكوت الله تعالى ..انسجمت مع أطفال الدّوار ، وتعلّمنا سويًا ..العمّة صبيحة أمّ حسن وحسين عوّضتني فقد أمّي .. أشفقت عليَّ و عدلت بيني وبين ابنيها في كلّ شيء .. أقضّي معهما عطلة نهاية الأسبوع .. ثمّ نعود معًا باكرًا إلى المدرسة صباح كلّ اثنين .. نقطعُ مسافة طويلة فتعترضنا الكلاب .. كلاب كلّ عشيرة .. تنبحُ ويتلاحق النُّباحُ .. ونحتقرها فنسلمُ من شرّها .. وفي شتاء تلك الأيّام يهاجمنا البردُ تكاد الأصابع تسقط .. وتتلوّن وجوهنا بين الأحمر والبنفسجي والأزرق كلّما واجهتنا موجة برد قويّة .. وتؤلمنا الطّريق الصّخريّة المرصّعة بالحجارة المسنونة .. فنقفزُ ونتمهّل ونجري .. ولكنّنا كنّا نشقّ المسالك بفرحة لا توصف .. بدفء يغمر القلوب الصّغيرة .. كلّ الطّرائق والمسالك مشتاقة للتّمهيد والتّعبيد .. ونصرّ على المشي غير مكترثين بالألم ..وقد سمت بنا الرّغبة في الوصول .. فنأكل التمر ونتقاسم الأرغفة ونحن نهرولُ .. ثمّ نلتقي برفاقنا تلاميذ آخرين من عشائر أخرى.. يموجون كالنّمل .. فيكبرُ العدد ونواصلُ السّير بين الحديث والأخبار.. وكان كلّ منّا يرددّ درس قراءة ، ويعدّ نفسه لإلقائه أمام معلّمه .. فيتعثّر هذا أو ذاك وتثور عاصفة من الضّحك بيننا .. ويستمرُّ التّنافس في الهرولة .. وما إن نلمحُ المدرسة حتّى تغمرنا فرحة النّصر بالوصول ..التّلاميذ يدركون أننّي غريب ، إلاّ أنّ طهارة الطفولة غلبت

لا تعليقات

اترك رد