التشكيلي عبدالحميد فياض و بؤرة تشكيل عوالم تجريبية


 
الصدى - عبدالحميد فياض

أذهلني جداً التشكيلي عبدالحميد فياض في أعماله الأخيرة المزدحمة بأصوات و عذابات الإستبصار العميق للوجود فهو يخترق الزمن المفعم بدوائر أسطورية بوصفه قادرعلى خلق مشهد بصري يتراءى فيه أطياف لصيحات تبحث عن إسترداد اللامألوف ، أذهلني فياض بألوانه المجبولة بالضوء و المقترنة بحركية نتاج عملية طويلة الأمد والكاشفة ببراعة منهجية دقيقة و محكمة ، فأحمره مشع صادم للروح فيه يُختزل كل نقائص ونقائض الفصول الأولى المرتبطة بأفق التحولات للحظة ذات دلالات لها قوة الإستناد على تشييد بناءاتها البصرية بطاقاتها التخييلية القادرة على الوصول إلى فن بصري جديد يشكل التأمل فيها من أهم مفردات القرائية ، فيه من العجائبية ما يدهش الذات ، ففي ريشة فياض نزاهة واضحة ،نزاهة لم تأت صدفة بل نتيجة تراكم حالات من الغرق الجميل الممتد لعقود ، فهو يتوجه بعفوية الظل عند الشروق بالقياس إلى إستبدال التعصب بالتسامح إلى درجة توسيع الأفق والقبول بكل الشظايا المتطايرة منه ، بمقولة أخرى المسألة عنده تمتد في الحاضن الجماليّ القائم على كفاءة المتمرس في العشق و الإصرار على الإتيان بجديد ، و الحق أن الجهد الممتع الذي نهض عليه فياض جهد جدلي به يعيد كشف تلك التحولات التي تتصارع في دواخله و لا مفر أن تحضر في مسامات عمله وعلى فسحات تكويناته أيضاً ، فهذا الجهد يقترن بالعراك الذي عصف بالإنسان الأشبه بعصفه لأكثر المدارس الفنية المعروفة ، فهو يتجاوز بنزوعاته الفردية و برؤيته الذاتية تلك الأصوات التي صادرت الزمن كما صادرت لزمن عميق إنتاج كل ما هو مغاير كوظيفة قيمية أولاً و كوظيفة جمالية ثانياً ، فهو يدرك تماماً أن التزامن في الحركة و التوازي بين هيمنة اللون المشع و بين تحريك اللحظة و بدوافع متقاربة بتجلياته في مستوياتها المتعددة ستدخله إلى قمقم اللوحة للقبض على اللحظة الهاربة ، مع الإشارة البدئية لإفتراض الربط بين الواقع الحكائي و الواقع المتخيّل لعدم الإنزلاق في المجاهيل ، رغم مغامرة فياض في رفد التراكم الجمالي بمقادير موازية من التوتر و التهيّب ، فهو يندفع لسياقات غير متاحة لكنه بغزارة معرفته و التأني في تلك المقاربة يمنحه بحثاً يتمتع بشمول في جانبه الأفقي و برصانة تثري التفاصيل في جانبه الشاقولي .
لوحة للفنان عبد الحميد فياضفكما أشرنا ففياض فضلاً عن كونه رصين في معالجاته التكوينية بما فيها تلك التي تمتد في الأسطورة و في الميتافيزيقيات فهو يتحكم بثقة عالية بكل ما هو متاح من أبواب ، فجميعها سالكة بشيفرة الترابط بين الأزمنة منطلقاً من مفهوم الإبتعاد عن المركزية المطلقة أي من بؤرة الإنفجار فهذه البؤرة تجده عند فياض في كل مفاصل عمله ، و هذا ما يجعل الصيرورة أحد أهم مكوناته دون العودة إلى حيثيات مقولاته ، بل بإعادته في تحديد كل الإشكاليات و الإلتباسات التي قد تعترضه وجعلها هامشاً مستتراً ، و ذلك تعبيراً عن أسلوبه غير المقيد بحبال الآخرين ، فكل الأبواب طيّعة بين أنامله و لهذا يلجأ فياض إلى زحزحة قضايا جسورة و مشكلات حيوية ما زالت تؤرق الإنسان في جلّ خطواته ، حتى الخلقية منها ، و أقصد الإبداعية منها ،

الصدى لوحة للفنان عبد الحميد فياض

و ما يجدر الإنتباه عنده هو سعيه في تلاوة لوحاته بمحاكاة موسيقية هي أقرب لإستلهامات بودلير و هو عدم الوقوف عند نقطة معينة بل ترك الأفق عائماً و ملائماً في الآن ذاته ، لخصوبة إبداعه الذي يستثمره فياض في خلق كل ما هو جديد ليتجاوز في كل عمل العمل الذي سبقه فهو في صعود دائم و قد يفهم البعض ذلك كنوع من التفخيم ، و ليكن ذلك فريشته متاحة لها الحرث في كل الحقول بل و في الحقل ذاته عشرات المرات والإنتاج في كل مرة ستكون ثمرة مختلفة حتماً في كل شيء ، و هذا يتطلب الإنخراط التام في عملية الخلق و بإجتهاد مثابر ، و هذا ما يجعل مشاهده غير قابلة للنقل بل قابلة لإلتقاطات في كل عملية مشاهدة ، ففيها من المقاربات من سردياته الداخلية أكثر من تلك توحي بقشور جمالية خارجية ، فيها من الحساسيات و الرهافات الجمالية ما يعزز رؤيته البصرية إلى حد قدرتها على ولادة قيم جمالية و تعبيرية توصلنا إلى منتج ذي نكهة خاصة جداً ، منتج معجون بإيقاعات نينوى الموسيقية .

لا تعليقات

اترك رد