نصب الحرية ومضامينه السياسية والأجتماعية للفنان جواد سليم.


 

نصب الحرية ألذي يتكون من 14 جزء، والذي يمثل 14 تموز بتغيير النظام من ملكي إلى جمهوري.. فإن هنالك وجهات نظر متعددة حول إيجابيات التغيير نحو الحرية والديمقراطية في الحكم وإختيار الشعب إلى من يمثلهم في أدرة السلطة. .كما يحصل في بلدان العالم الديمقراطية. . والتحرر من تعاقب موروثات الحكم لأبنائهم. . فإن هنالك وجهات نظر أخرى تعاكس ذلك الرأي، سيما بعد المصائب والكوارث والأنقلابات والحروب ألتي توالت بعد 14 تموز، وأعتبر البعض هي فاتحة طريق إلى الدمار والصراعات ألذي أنختم بالأحتلال عام 2003 وما أعقبها من صراعات طائفية وفوارق طبقية بين طبقات أصحاب النفوذ وبين عامة الناس، ولي الحق هنا أن أنوه بوجهة نظري السياسية لما حصل في المنطقة العربية جميعا. . وكذلك العالمية. . هنالك أمم معروفة أسست وسعت نحو تطبيقات الأنظمة الديمقراطية ولازالت هي ملكية مثل بريطانيا. .وطبعاً المقصود بالتطبيق الديمقراطي هو لصالح مجتمعهم بصورة أكثر، يبقى إسمه ملكي ولكن المتغيرات تحصل للحكومة التنفيذية ( مجلس الوزراء ) عن طريق الإنتخابات ولا يتكرر فوز المنتخب إلا بمرحلتين فقط سواء في النظام الملكي أو الجمهوري مثل أمريكا وفرنسا وألمانيا وكندا وغيرهما، كما أن عدد الأحزاب لا يتجاوز الإثنان أو الثلاث والفارق بينهما في وجهات نظر محددة لاتتنافى مع المحصلة النهائية ألتي تخدم البلد وتطبق نفس القوانين الدستورية عبر سنوات من العقود مضت ثم توالت بذات المنهج الثابت. وإذا كان هنالك تعامل مع الدول الأخرى ومنها الشرقية بضرر وإحتلال كما حصل لأفغانستان والعراق من قبل أمريكا، فإن كل تصرفاتهم وإجراءات هي إجراءات ( إبراغماتية ) تحقق مصالحهم الخاصة. . وهذا مالم يحصل عند الحكومات ألتي توالت على المناصب. .بغض النظر عن أنواعهم الآيدلوجية. أما بالنسبة إلى الدول العربية فكل دولة حصل فيها تغيير من الملكي إلى الجمهوري لم يحصل فيها إستقرار إلا (مصر) نسبيا وليس كليا. .

أما الأردن والسعودية ودول الخليج وعمان ( مسقط ) والمغرب فإنهما لازالتا دول مستقرة. والأسباب لاتعني السبب في التغيير ألذي حصل فقط وإنما عدم ملائمته مع المجتمعات العربية ألتي تتصارع على السلطة والتباينات الفكرية المتعصبة ألتي يصل بها المستوى إلى نفي الآخر قتلا ومحاربة. .حيث يرى كل منهما هو الصح.. والآخر ينبغي تصفيته تلك الإختلافات والصراعات تفسح المجال أمامهم بعد الإنقلابات العسكرية وليس الجماهيرية. . وحتى الجماهيرية متصارعة بذات الأنماط.. وحتى ألفئة ذاتها المختلفة مع الأخريات عندما تصل إلى زمام الحكم تبدأ الأنقسامات والتصفيات بينهما إلى مرحلة السقوط، وتبدأ عملية الأنتقام والثأر من الذي يسبقهم وقمعهم.. وهكذا تتوالى التصفيات والأنتقامات يكون ضحيتها المجتمع العام الذي لادخل له في الأستفادة من مصالحهم الخاصة.. مثلما قيل عن فرنسا في الثورة بعد لويس السادس عشر الذي تم أعدامه, وحكم الضابط الشاب صغير الرتبة نابليون بونابرت بل ( الثورة تأكل رجالها ) بسب التصفيات التي حصلت في مابينهم, وهذا لايعني أن الحكومات الملكية هي صاحبة عدالة سواء في الغرب أم في الدول العربية وأنما المقصود هو فقدان الأستقرار وفسح المجال أمام أصحاب المصالح بديلا عن الأصلاح, كما حصل في عهد النظام الملكي الفرنسي الذي تحكمه الطبقة الأرستقراطية ورجال الدين,

ولكن بعد التغيير أصبح بيد الدكتاتورية والبرجوازية وذوي النفود والأحتلال للبلدان الأخرى والاضظرابات, والآن نتائج الأنقسامات الديموغرافية بدأت ملامحها واضحة التلويح والإشارات والتطبيق في أعقاب 2003. نصب الحرية ألذي يتكون من ثلاثة مراحل: قبل التغيير وأثناء التغيير المتمثل بالجندي ألذي يقحم ويزيل القضبان بقوة وعنف، ثم تليها المرحلة الثالثة ألتي تنوي إلى الإستقرار والإستثمار. . تلك المراحل ألتي جسدها ألفنان الكبير- جواد سليم – ذو ألوطنية المخلصة والمشاعر التواقة إلى البناء والتحسين تكمن في وجدانه وفكره وثقافته المتنوعة بين النحت والرسم ألذي بدأ مشواره فيه مع الموسيقى وعزفه على آلات متعدد منها العود والكيتار، عندما تصدر تلك الإنجازات من لدن شخص مثل ألفنان – جواد سليم – لايتحمل وزر ماحصل من متغيرات البطش بآماله المجسدة في الجزء الثالث من النصب. . ولو كان هنالك تطبيق لمضامين التغيير كما هو في البلدان المتطورة والإتجاه نحو التنمية والإستقرار لتطابق الأمر مع مضمون النصب ألذي يماثل جمهورية أفلاطون المثالية بسبب بعد المسافة بين المضمون والواقع الحالي ألذي مزق البلد بمراحل ضحايا الحروب والإعدامات للسياسيين المعارضين ولجنود قد يصل عدد هروبهم أيام لا أكثر وهم في بداية شبابهم. . ثم يليها الحصار المقرف والهجرة لبلدان أخرى أكثر أمنا ونظاما منظما سابقاً ولاحقا ..

والفنان- جواد سليم – كانت بدايته الرسم والتعلق به كثيرا.. قبل الأنتقال الى النحت بمهارة وتعبير مجسد بأبعاده المدورة والثلاثية أو البارز والناتيء ومن أبرز أنجازاته المخلدة عالميا هي نصب الحرية. تتضمن أعماله في الرسم أشكال وهيئات تكوينية تعبيرية بعيدة عن المدارس الأخرى كالواقعية أو السوريالية أو الأنطباعية أو التجريدية الصرفة.. أنها أعمال تتوافق بين الفن التعبيري الحديث وبمضامين ومصادر فلكلورية لوادي الرافدين وبتفاصيل مبسطة لملامج الوجه أو الطبيعة, أنها لاتحتاج ألى خيال ووقفة للمتأمل تستدعي التوقف طويلا بسبب الغموض .. وأنما هي أعمال مستمدة مضامينها من الطبيعة والتراث والحياة العامة التي يتعايش بها يوميا وتتعلق بالأثارة والأنجذاب لقربها من حياته العامة والمشتركة أجتماعيا.

يتكون النصب من 14وحده برونزيه المطابقة ل14 تموز و يضم 25 شخص بالإضافه للحصان والثور بهيئه روايه متسلسله الأحداث تبدأ بمظاهر الغليان والغضب الجمايري وتنتهي بتحقيق التغيير, تبدأ الوحدات البرونزيه من اليمين إلى اليسار كما في الكتابه العربيه وبعد 14 تموز كلف مجلس أمانة العاصمه الأستاذ رفعت الجادرجي بوضع تصميم هذا النصب التذكاري لتخليد حدث التغيير, كان موقع نصب 14 تموز قد عينه مجلس أمانة العاصمه في صباح ذلك اليوم بالذات الذي وقع فيه التكليف,والموقع هو حديقه غازي(الأمة لاحقا) في الباب الشرقي,فتقرر أن تكون اللافته بطول عرض الحديقه أي خمسين مترا وإرتفاع اللافته عشر أمتار ويكون إرتفاعها عن مستوى الأرض سته أمتار وتملاء هذه اللافته بأشكال برونزيه تمثل يوم 14 تموز وقد تم ترتيب الرموز البرونزيه على النحو التالي(الحصان,رواد الثورات,الطفل,الباكيه,الشهيد,أم وطفلها,المفكر السجين,الجندي,الحريه,السلام,دجله والفرات,الزراعه,الثور,الصناعه)

يتجسد في بدايه النصب الحصان الجامح على يمين الجدارية ذو الرأس المستدير على شكل دائري يمسكون به الرجال بقوة لكي يسحبوه الى اليسار. الحصان يرمز الى الأصالة والقوة. لا يوجد فارس على الحصان لأن الشعب أسقط الفارس المتمثل بالعهد الملكي .والمقصود به تمثال الجنرال مود الذي كان امام السفارة البريطانية .

وتمثال الملك فيصل ممتطياً جواده قرب الأذاعة. هكذا دمج الفنان الحصانين بواحد بدون فرسان لأنهم أسقطوا . يبدو الحصان هنا مفعم بالحيويه يرقد على قائمته الخلفيتين بعد أن ألقي براكبه,وحول الحصان يوجد ثمه رجال يبدو عليهما التوتر الشديد ربما كان يرمز إلى الجماهير الكادحه..وبعد أن كانت الحركه مضطربه تتجه نحو اليسار وتنتظم نابضه بالعزيمه و الاصرار بصوره انسان يتقدم بصوره واسعه الى الأمام وبعدها ترتفع اللافتات والرايات الجديده في السماء(رواد الثورات) ثم أمرأه مشحونه بالأنفعال والغضب والحزن(الباكيه) منظر الشهيد وهو محمول من قبل الجماهير وبعد ذلك يظهر لنا منظر الأم التي تحتضن أبنها الشهيد وتبكي عليه(الأم وطفلها) بعد ذلك يصل الى الجزء الاوسط وهو الجزء الأهم في النصب حيث يشير الى نقطه التحول ويتألف من ثلاثه تماثيل على اليمين يطالعنا تمثال السجين السياسي(المفكر السجين)حيث تبدو الزنزانه في هذا المشهد على وشك الأنهيار تحت تأثير رجل مزقت ظهره السياط ولكن القضبان لاتنفصل في النهايه الا بإصرار وقوه وجهد(الجندي)الذي يظهر في الوسط.. إنه يمثل عامة الناس البسطاء ولايمثل قائد برتبة عسكرية. بعد ذلك تنقلب صفحة المعاناة والماسي لتحل صفحة السلام والأزدهار والحريه حيث تمثلها أمرأة تمسك مشعلا وهو رمز الحريه الإغريقي وتندفع نحو محررها(الحريه) بعد الأنفعال والتوتر والصراعات يأتي الهدوء فيتوقف الغضب والمواجع وتحل الراحه والسكينه في القلوب وتتحول القضبان الحديديه الى أغصان(السلام)

نهرا(دجله والفرات)اللذان يعدان العمود الرئيس لوادي الرافدين لم يغيبا عن النصب أيضا,حيث يفسر البعض أن (دجله الذي يعني في اللغه العربيه أشجار النخيل والفرات بمعنى الخصب)تمثلهما إمرأتان إحداهما تحمل سعف النخيل و الأخرى حبلى، ثمه فلاحان يرمزان إلى العرب والأكراد أحدهما في زي سومري والثاني برداء آشوري وهما يتطلعان نحو ما يمثلهما دجله والفرات ويحملان مسحاة واحدة تمثل البلد الذي يعيشان في كفنه وكذلك هنالك رمز عراقي آخر وهو الثور الذي يعد رمز سومر بينما يظهر الجانب الصناعي في أقصى اليسار على هيئه عامل مفعم بالثقه في إشارة إلى(الزراعه والثور والصناعه لقد كان للفنان والمثقف بمستوى أدراكه وأخلاصه الوطني جواد سليم دورا مهما لايقتصر على التدريس والأنجازات الفنية وأنما بمحاظراته الدائمة التي تشكل التحفيز للوعي والتذوق الراقي والنطق بالفن المعاصر وربطه بأسس التراث لعكس هوية البلد ليكون مشحصا أمام المجتمعات العالمية .. ومن أقواله : من أقواله :
(الفن قطعة لموزارت قصيدة من المعري صفحة من موليير والفنان الجيد يخدم الأنسان )

وكذلك من أقواله (ليس الفن بالشيء الذي يحتاج الى فنان فقط.. الفن هو العيش في بقعة ما أنه شيء يحدث بين أنسان وما بين الأرض التي يعيش عليها وهو بحاجة الى فهم ومن يفهم شعباً جديداً وأرضاً جديدة كلاهما الآخر يستغرق زمناً زمناً طويلاً.)
.ولد الفنان جواد سليم عام1921 في انقرة لابوين عراقيين ,وأشتهرت عائلتة بالرسم فقد كان والدة الحاج سليم وأخوانة سعاد ونزار ونزيهة كلهم فنانين تشكيليين..نال وهو بعمر 11عاما الجائزة الفضية في النحت في أول معرض للفنون في بغداد سنة 1931,وعرف عنة شغفة بالأدب والموسيقى, أرسل في بعثة الى باريس عام 1938, وبعد أندلاع الحرب العالمية الأولى ذهب الى روما حتى عاد الى بغداد وعمل مدرسا للنحت في معهد الفنون الجميلة كما عمل مرمما للتحف الاشورية والسومرية, وفي شتاء 1942 يلتقي بمجموعة من الفنانين البولونيين الاجئين الى العراق باحثا معهم أساليب الفن الحديث وينجر عام 1945 منحوتتة (البناء) وأصل دراستة الفنية في أنكلترا على يد هنري مور وفي أواخر 1949 يعود الى العراق بصحبة زوجتة الفنانة لورنا سليم, يعود للتدريس في معهد الفنون الجميلة ويؤسس قسم النحت .. عام 1951 (يؤسس جماعة بغداد للفن الحديث) مع نخبة من الرسامين والنحاتين والمعماريين والكتاب والمنظرين, نصبة ( السجين السياسي المجهول) يفوز بالجائزة الثانية في مسابقة نحت عالمية وكان المشرك الوحيد من الشرق الأوسط وتحتفظ الأمم المتحدة لمصغر من البرونز لهذا النصب, عام 1954 يلبي دعوة جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية ويعرض أعمالة في الرسم والنحت في واشنطن ونيويورك وشيكاغو ومدن أخرى, في جولة تضمنت اللقاءات الصحفية والتلفزيونية ونال تقييم عال من نقاد الفن, 1959 يشارك مع المعماري رفعة الجادرجي في (نصب الحرية ) ولجسامة المهمة, ومشقة تنفيذ هذا العمل الهائل ففد تعرض الى نوبة قلبية شديدة أودت بحياتة في 23 كانون الثاني -يناير عام 1961. لقد كان لوجوده الدور الرئيس في مسيرة الحركة التشكيلية العراقية المعاصرة.. بعد ركود مستمر عبر عقود من الزمن.. لذا فأن رحيله كان خسارة كبيرة للمسيرة الفنية التي أنتعشت توا.. وخسره طلبته ونتاجه الفني المزدهر بالحيوية والتعبيرالمنفعل والذي ترك أثرا عالميا مهمة في التراث الثقافي والفني للعراق والوطن العربي.

لا تعليقات

اترك رد