ابادة شعب الروهينجي عار دولي ما بعده عار !


 

ما يحدث في ميانمار تقشعر من فظاعته الأبدان , حيث يتعرض المسلمون , منذ عقود طويلة , لأبشع مآسي الٍاضطهاد والتشريد ولحملة ٍابادة وتطهير طائفي وعرقي على يد حكومة البلاد وقوات أمنها , الذين شنوا حرب ٍابادة ضدهم , من قتل جماعي واغتصاب وتعذيب وتهجير قسري وحرق للمنازل , في انتهاك صارخ لكل معايير القانون الدولي وحقوق الانسان . فمن هم مسلمو الروهينجا ولماذا يتم قتلهم وطردهم ؟ ولماذا هذا السكوت الشائن عن قضيتهم في عالم لم يشأ أن يبصرها ؟
لاشك أن من أهم القضايا العادلة في العالم , هي قضية شعب روهينجا ميانمار , فغالبا ما يوصف بأنهم أكثر الأقليات اضطهادا في العالم . فهم جماعة عرقية مسلمة عاشوا لقرون في ميانمار (بورما) ذات الغالبية البوذية . ويوجد حاليا نحو 1,1 مليون مسلم روهينجي يعيشون في هذه الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا . ويعتبر هؤلاء أنفسهم مواطنين أصليين مثل البوذيين , لكن حكام ميانمار والمتعصبين من البوذيين , حرموهم من الحصول على المواطنة منذ عام 1982 , الأمر الذي جعلهم عديمي الجنسية , ويعيش معظمهم في ولاية “راخين” الواقعة على الساحل الغربي للبلاد , ولايسمح لهم بالمغادرة دون ٍاذن من الحكومة , وظلوا يعيشون حياة بدائية في مخيمات وبيوت بسيطة , محرومون من حق المواطنة بحجة أنهم مهاجرون بنغاليون غير شرعيين . حينئذ باتوا بين خيارين أحلاهما مرا , فٍاما القبول بهذا التوصيف أو مواجهة بطش الدولة والبوذيين معا .
ولقد تعرضوا ٍالى شتى أنواع العنف والٍاضطهاد على مر العقود الماضية , والذي بلغ ذروته خلال الأيام الأخيرة , حيث يشهد العالم موجة جديدة من المجازر والجرائم الوحشية والمرعبة , التي تنفطر لها القلوب ويندى لها جبين الٍانسانية . فكل تلك المناظر المروعة للمذابح المقترفة في حق هذا الشعب الروهينجي المسكين , من جثث محروقة ومفحمة وأجساد مسلوخة ومشلوخة , ومن تقتيل لأطفال وذبح جماعي , ومن مطاردة لمئات الألوف عبر القرى المشردة , وعشرات الألوف يواصلون النزوح كل يوم نحو بنغلاديش في ظروف مأساوية كارثية .
وكل ذلك على مرآى ومسمع من الجميع ويظل العالم حيالها صامتا ! , فهذه الجرائم تمثل من أسوأ الصور الٍارهابية الوحشية ودموية , وانها لا تقل عن ٍارهاب داعش والقاعدة . فالعالم الذي يدين الٍارهاب عندما يمارسه الجاهلون بدين الٍاسلام , هو نفسه نجده يتغاضى اليوم عن ٍارهاب الدولة التي تمارسه حكومة ميانمار في حق أقلية مسلمة عزلاء لاحول لها ولا قوة . فكيف يسكت هذا العالم المتحضر , الذي يجفف منابع الٍارهاب في العراق وسوريا وليبيا , عن مجازر الدواعش البوذيين الذين ترعاهم هذه المرة دولة عضو في الأمم المتحدة ؟؟؟ كيف يحدث هذا في عالم تنادي فيه القوى العالمية بنشر ثقافة الٍانسان والديمقراطية , واحترام الآخر , أم أن هؤلاء المساكين المحرومين من حق المواطنة هم خارج هذه القيم الٍانسانية الحضارية ؟؟؟
ولعله من المؤسف والمحزن , بل المستغرب والمستهجن أن رغم هذه الجرائم الوحشية , وفي وقت تحذر المنظمات الٍانسانية من خطر كبير على حياة عشرات الآلاف من مسلمي الروهينجا , تواصل حكومة ميانمار سياساتها القمعية , ويصرح رئيسها بأن على شعب الروهينجا أن يرحل لأنه ليس من ٍاثنيتهم ! فكيف يقف العالم الحر مكتوف الأيدي أمام هذه التصريحات العنصرية والتحريضية على ممارسة العنف ؟ كيف يسكت دعاة الحقوقيين في العالم على دولة قسمت مواطنيها لدرجات , فمنعت المسلمين منهم من الٍانتخاب ومن الجنسية وكأنهم العبيد الجدد للقرن الواحد والعشرين ؟؟؟.
وان لنعجب أشد العجب من اختلال المعايير واضطراب القيم الكونية , من خلال سياسة بارزة في ميانمار , وهي ” أون سان سوتش” التي صفق لها العالم بعد أن حبسها المجلس العسكري في بلادها , فتقلدت جائزة نوبل للسلام , وحازت أوسمة التقدير بٍاسم الحقوق والحريات والسلام والديمقراطية , و ٍاذ بها بعد أن تحررت من السجن وتمكنت من المناصب , تصر على تجاهل الدماء المسفوكة من حولها , بل لم تنكر شيئا من ذلك وتعتبرهم ارهابيون , بما يجعل تواطؤها وانتهازيتها شراكة في الجرم وضلوعا في المأساة الٍانسانية , مما يفرض على عالمنا الحر نزع الألقاب ممن أنتهك مبادئها واستحقاقاتها ! .
ولا شك أن ما يحدث من فضائع التي نشهدها اليوم , وربما ستستمر عقودا متواصلة , لولا السكوت الشائن والصمت الرهيب عنها في عالم لم يشأ أن يبصرها ! فلو قام هذا العالم المتحضر بالوفاء لٍالتزاماته ومواثيقه وشعاراته , أو هب من واجبه الأخلاقي في التحذير منه واتخاذ الٍاجراءات الرادعة لوقفه , لما حدثت هذه الٍانتهاكات وهذه المظالم بحق هؤلاء المساكين ! ألا يعلم هذا العالم الحر المتحضر أن كل ٍارهاب يمكن ٍافراز وقيام تيار آخر معاكس .و الثابت أن من أهم الجذور التي ينمو فيها الٍارهاب ويترعرع , القهروالٍاضطهاد والظلم والاستبداد والقمع الذي يمارسه على شعب ما , وكل هذا يولد الغضب والكراهية والعنف , وٍان مثل هذا الٍاضطهاد المسلط على شعب الروهينجي من شأنه أن يخلق حركات متشددة ومتطرفة ٍارهابية , وبالتالي هذا السكوت الدولي والٍاسلامي تجاه مظالمهم , سيساهم على المدى المتوسط والبعيد في ٍافراز متطرفين يخلطون في ما بعد الأخضر باليابس ويجني منهم سواء في تلك المناطق أو في العالم ٍالا مزيدا من الويلات والآلام ! , وسيكون من السهل استغلالهم والتغرير بهم في عمليات ٍارهابية لصالح أجندة الٍارهاب الٍاجرامية في العالم .
ومن هنا , على الجميع القيام بمسؤولياته وٍالتزاماته نحو هذه القضية التي تجسد الٍارهاب في أفظع صوره والتطرف في أشنع أحواله , وعدم الٍاكتفاء فقط بالٍادانة والمناشدة بتقديم المساعدات , بل على المجتمع الدولي التحرك وٍاتخاذ قرار فاعل وحازم لمواجهة هذه المجازر الٍارهابية تجاه أقلية عزل , على غرار موقفه الحازم والفاعل ضد ٍارهاب داعش والقاعدة . فلا يمكن لضمير حي أن يتوانى لحظة واحدة في التحرك ضد هذه الوحشية البربرية , فعار ما بعده على عالم حر ومتحضر يتفرج على كارثة ٍانسانية ولا يتدخل !

لا تعليقات

اترك رد