زهرة والنظام

 
(لوحة للفنانة هناء بكتاش)

حثيث الخطى .. حاملا حقيبته وعلبة سكائر فاغرا فمه ، شعره الاسود يتخلله الشيب كخيوط فجر صادق ونظرات عيون خضرتخترق صوت المدافع والرشاشات.. معتمرا قبعته السوداء التي باتت صفة متممة لشخصيته ..وبجيبه رقدت على جمر بضعة دنانير

… حين اراد العبور الى الجانب الغربي من المدينة التي لا يسكنها الا الاشباح.. باحثا عن حبيبته داعيا متضرعا الرب ان يجدها هنا او هناك او عند تلك الشجرة التي كانت تحتضنهما لحظة حب ووداد…. او حتى بين ذاك الركام الذي خلفته الحرب وذاك السفاح… او ذاك النفق الذي قررت فيه الزواج منه ذات يوم حين ارتدت نظراته ثوب عرس لها لم يكن الشاهد على زواجهما غير الرب وتلك الروح.. وجدران نفق كتب عليها اجمل ما قيل عن الحب… وعبارات الغزل وذكريات بعض العاشقين الذين مروا من هنا ، حتى مقاطع من الاغاني الرومانسية كان لعبد الحليم النصيب الاكبر وموعود ، ونزار وما بين حب وحب احبك انت ، ورسومات كاريكاتورية ساخرة .. وشعارات تندد بالنظام والظلم والفساد الذي طال حتى الصغير والكبير وحرب ضروس كان وقودها… الحب والجسد بغياب الحبر … والورق …!!وما فائدة الحبر والورق… اذا كان الرب خير شاهد… تذكر حين التقيا عند حانة في أحد اطراف المدينة كانت تحتسي الخمر كأسا تلو الاخر مبتسمة تضفي ابتسامتها بعض الحلاوة للخمر تجعلها تثمل .. بسرعة ناسية تلك الالام والاوجاع التي سببها لها ذاك اللعين مدير شركتها.. مستغلا فقرها وعوزها وصدقها حين ابلغته انها المسؤولة عن عائلة … وكيف السبيل ليس امامها الا ذاك الخيار ان تسلم نفسها له .. محض جثة هامدة مقابل بعض الدولارات تتقاضاها شهريا لسد رمق العيش لعائلة لا تملك قوت يومها .. كانت تهذي حين جلس بجانبها نادبة حظها.. لاعنة تلك الايام التي جعلتها لقمة سائغة.. تذكرت يوم تطلعت الى المرآة لتجد زهرة جميلة طويلة القامة ذات القوام الممشوق وشعرها الاسود الداكن كانه شال حرير وشفاه مكتنزة وردية.. كانت محط انظار الجميع .. لا تبالي لاحد. تبتسم للجميع تلك الابتسامة الباهتة لم تكن تعلم ماذا تخبيء لها الايام ما أسمك قال لها..؟ ردت عليه ساخرة وما الفرق بين زهرة.. وشوكة..؟؟؟؟ ههه ابتسم يبدو هذا تأثير الخمر عليك ايتها…..ال…. وصمت..

ضحكت انا زهرة .. أسمي زهرة.. وإنت ..؟اجابها أنا الهارب من الاشباح ..

أنا عالم الفيزياء .. طارق مرحبا بك ايها الطارق التائه ما الذي جاء بك….؟ رد

– ويداه ترتعشان من البرد محاولا ان يرتشف قليلا من الخمر … أنه النظام..!!

امتلأ البار بقهقهتها الساخرة صارخة أهو نظام المرور .. أم نظام ذاك الصرصور … اهتز المكان وسقطت بقايا صور النظام وسكت الجميع محدقين …

انا هارب من أحد المعتقلات ساعدني على الهروب أحد طلابي عين ضابطا حينها. باحثأ عن مأوى لا اريد ان أُقاتل أو أقتل .. .. يهرول متذكرا كل ما دار بينهما من حوار… تذكر ميلادها حيث كانت منتظرة اياه حاملا باقة من ورودها المفضلة.. وقبلة .. وحب.. لم يعد يقوى على السير ابتلع البحر الشمس غاضبا..

حل المساء وما زالت زهرة مختفية لم يجدها ..!!جلس متكأً تلك الشجرة محتضنا حقيبته ، اسند رأسه على جذعها أنهكهة التعب والخوف.. دقائق واغمض عينيه فاغرا فمه…. وغفى على قبلة طبعتها زهرة على جبينه مودعة إياه… استيقظ مبتسما لم يهنأ بتلك القبلة.. ويداه مقيدتان .. لم يسمع الا صوت احدهم يقول له انهض انت رهن الاعتقال ..

بكى طارق للمرة الاولى حين توفيت امه أثر شظية اخترقت ذاك القلب الحنون.. واخرى حين فقدت زهرة ابتسامتها.. ورحلت عن الدنيا مرتمية بين الركام… وبقي طارق والقضبان.. وتلك القيود..ليومنا هذا منتظرا ماذا يخبيء له الغد…!؟ مناشدا روح زهرة :

حبيبتي زهرة انتظريني انا قادم … اليك

لا تعليقات

اترك رد