رسالة ربّما تصل “البرد”

 
(اللوحة للفنانة جاناريتا العرموطي)

ما عاد للزّيتون فيء ولا عبق للياسمين، لا تدعي البرد يتسلّل للدّاخل، فيطرد الدّفء من العيون. إنّ ما أفيض به ليس إلاّ محاولة للنّسيان، نسيان الألم الذي يعتصر الرّوح، فغيابكِ يزيد الألم. ومعرفتي لسبب الغياب تزيده أكثر، فأشعر أنّ هناك أنشوطة من حبّ تلتفّ حول عنقي، زجاج ينكسر في الغابة.. يقهقه عجوز أحمق، فتطير حمامة عن النّافذة، تجفّ شجرة الياسمين، أرويها بدمي، لعلّها تخضوضر مع شمسكِ من جديد.
لا قهوة في ذلك الصّباح، فجذوة النّار تبكي، أمسك لفافة تبغي، تتحوّل إلى أفعى عجوز، لا تذهبي.. أنا أريد البقاء، أخشى أن تسقُطي الأمير عن عرش الإمارة، فتتناوشه سيوف الدّاخل.
بقع دموية زرقاء تجتاح الثلج الدّافئ، ينـزف قلبي دمًا.. تعتزل العصافير النّافذة، تتوقّف الحمائم عن الهديل، فأصرخ من ألم الرّماح وهي تنغرس في جسدكِ، فينـزف الألم من روحي، لم يعد النّـزيف ليلي فقط، بل أصبح بعضًا من يوميّات حياتي.
الثّالثة عصرًا، تهبط الطّائرة في مدرّجها. فيرتفع الألم مع صرير عجلاتها، يجتاح منّي الرّوح، تكتئب لواعج النّفس، فلا أجد إلاّ دمعات حارّة تترقرق على الوجنتين، وأنفاسي حارّة كأنّها زفير الجحيم، تنهيدات الألم.. أرى في الحقيبة القادمة خفافيش العتمة تجتاح الزّمان، زماني وزمانكِ.
تنسكب زجاجات العطر، تتطاير أقلام أحمر الشّفاه، فأتنسّم أنفاسكِ يا مهرتي البرّيّة، أتنسّم عبق روحكِ متناثراً على حروف خمسة، فأنفاسكِ لي أنا، وأنتِ لي أنا، كما كنت أنا لكِ عبر عصور الغياب والفرقة.
لا تسألي عن حقائب الحبّ، كي لا يبدأ الحبّ بالرّحيل. فإنْ عدت دعي حقائبكِ على الشّاطئ، فهنا في قلبي لا تحتاجين إلى حقائب..
يا حبيبتي، لو كنت مثلك ما تعبت.. لو كنت مثلي ما تعبنا، لكان الحبّ قد استوعبنا بين الضّلوع، أنت وحبكِ القطرة التي أصبحت شلالاً ينسكب تحت أقدامك، يحملكِ عالياً، في بحر من عبق الياسمين.. يهمس الشّذى في أذنيكِ:لا تلومي أحاسيسي فهي نبع متدفّق، وأنت ملهمة الرّوح والقلم، وجنوني ينبع من بين رموشكِ.. لا تنسي السّابعة مساءً، لا تنسي فنجان قهوتنا ولفافة تبغي، وحلمًا إرتوى من شفتيكِ، في ظلال قنطرة قد ألتقيك تحتها مجدّدًا.
* من كتاب أطياف متمردة للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات/ الأردن

المقال السابقمقامة – زنابق ذابلة
المقال التالىزهرة والنظام
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد