العراق وطن ٌمضيَّع


 

لم يشهد التاريخ ان بلداً أضاعه أبناؤه سوى العراق ، بلد يمتلك كل مقومات النهوض ليصبح بلدا ً مهما ً وفاعلا ،لكنه فاشل ،بلد يمتك الكوادر والكفاءات والمياه والنفط وثروات اخرى بالاضافة الى الموقع الجغرافي المهم بيد أنه فقير ومنهمك .
ماهو السبب ؟ وَمَنْ وراء هذا الفشل ؟ ولماذا لم يستقر منذ نشوئه كدولة حديثة؟
اسئلة لابد من الإجابة عليها وتشخيص مكامن الخلل . فهل يكمن الخلل بالأنظمة التي حكمته أم بـ التركيبة السكانية الغير متجانسة أم في غياب المشتركات الوطنية أو في العبثية وعدم النضوج السياسي .
هنا لابد ان يبادرنا السؤال التالي : الى متى يبقى هذا الوطن مريض ، وماهي طرق علاجه .
بالتأكيد ان المقاطع التاريخية المتلاحقة من تاريخ العراق توضح لنا ان هناك مشاكل كبيرة وتحديات اكبر تواجه العراق كدولة ، لم يسع الحكام الذين تعاقبوا على حكمه الى حلها أو إيجاد صيغ معقولة للتعايش بين مكوناته .
أولى أسباب ضعف الدولة العراقية هي عدم وجود مشتركات وطنية تقنع الجميع بالحد الأدنى للوطنية ، فـ العراقيون مختلفون في كل شئ واقصد بالعراقيين هنا المكونات القومية والمذهبية.
بدأ بالعلم العراقي مرورا بالجيش والسياسة الخارجية ومناهج التعليم والخطاب الاعلامي الى المشاركة بالسلطة والقرار السياسي. رب قائل يقول ان العراق كان دولة قوية مهابة ولها مكانتها الدولية . وان مكوناته كانت تؤمن بمشتركاته الوطنية ، ربما هذا القول صحيح من جهة ولكنه خطأ من جهة اخرى . فالعراق كان متماسكا وشعبه يؤمن بـ المشتركات بفعل القوة والقمع وليس بفعل الإقناع وكان مهابا ً بفعل الدكتاتورية والدعاية الاعلامية وليس بفعل مشاركته الانسانية في المجتمع العالمي .
ففي فترة البعث دخل العراق ثلاث حروب عبثية لم تكن ضرورية ، الاولى داخلية مع الاكراد والأخريين خارجيتين مع ايران والكويت ، وبغض النظر عن أسباب الحروب وملابساتها لكن كان يمكن تجنبها و التوجه لبناء الانسان والوطن .
فقد استنزف الوطن وثرواته في الاولى ولن يبقى سوى طلقة واحدة في مخازن الجيش كما قال الدكتاتور نفسه وبالتالي عقد اتفاقية سلام سلم بموجبها نصف شط العرب لإيران، اما الحرب الثانية فقد استمرت ثمان سنوات وبالتالي قال عنها صدام انه دُفع لها من قبل أعداء العراق ، لقد خسر العراق في حربه ضد ايران اكثر من مليون انسان وملايين اخرى معوقه إنسانيا وجسديا بالاضافة الى مليارات الدولارات من ثروته الوطنية وعلى حساب مستقبل اجياله ، وذلك بفعل تهور وطيش الحاكم ، وكانت القشة التي قصمت ظهر العراق حرب الكويت التي أفقدت الوطن والمواطن كرامته وقوته وما تبقى من ثروته في آن واحد .
ما الذي استفاده العراق من هذه الحروب ماذا لو كان العقل سيد الموقف ؟
هل كان هناك تقييم لمرحلة الحرب ونتائجها وآثارها السلبية ؟ بالتأكيد لا
وهل هناك مراجعة حقيقة للسياسات التي ولدت الحروب بغض النظر عن الحاكم التي قام بها ؟ بالتأكيد لا
هل قيمنا العلاقة مع ايران وشخصنا الخلل فيها؟ بالتأكيد لا

المشكلة الثانية هي مشكلة الوحدة القسرية بين المكونات التي جلبت مزيداً من الدمار والخراب ولازلنا متمسكين بها . المشكلة الاخيرة التي تفجرت ووضعت وحدة الوطن على صفيح ساخن هي المشكلة الكوردية التي عصفت بالبلاد .
فـ الاكراد قومية مختلفة بثقافتهم ولغتهم ونمط وأساليب عيشهم، ومن حقهم ان يبحثوا عن وطن قومي لهم ، لكننا لم نعي هي المشكلة لحد الان ونصر على الوحدة وتقديم التنازلات من اجل بقاء الكورد ضمن العراق الواحد .
ورغم ما قدم العراق كدولة لكردستان إلا ان الإشكالية الكوردية باقية ، وهي عدم قناعتهم بالعيش المشترك . وعدم إيمانهم بالعراق كدولة تضم الجميع ، والسؤال هنا ما الضير من استقلال كوردستان وانفصالها عن العراق ، أليس هذا حل عقلاني لمشكلة مزمنة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ، أليس من الأفضل ان يرتاح العراق من هذه المشكلة ويدفع حكامه باتجاه الاستقلال ودعمه ، لماذا يصر السياسيون على بقاء الاكراد والأكراد انفسهم يرفضون البقاء ، ألم يتحمل العراق أعباء مالية وأمنية وسياسية من اجل الوحدة القسرية .
لماذا يعتبر البعض ان انفصال كوردستان واستقلالها خيانة؟ وليس العكس أي حل لمعظلة تؤرق العراقيين وتشعرهم بالغبن في توزيع الثروة والدفاع عنه ، وحتى في قوة العملية السياسية ، ماذا لو خرج المسؤولون الاكراد من بغداد وخرج معهم اكثر من عشرة الالاف عسكري كردي متواجدين في بغداد الان وهم الفوج الرئاسي .
هل يعلم العراقيون كم يكلف فوج الحميات من اموال ترهق كاهل المواطن العراقي على حساب بقاء الكورد ضمن العراق الواحد . لذا علينا ان نكون أكثرية حكمة وعقلانية في النظر الى الواقع العراقي، وان لا نساعد على ضياع الوطن كما أضعناه سابقا.
وسأعود لتكرار الاسئلة السابقة
هل قيمنا العلاقة مع الاقليم ؟
هل شخصنا السلبيات والايجابيات والفوائد والخسائر في العلاقة مع الاقليم ؟
هل هناك دراسات عن جدوى الوحدة والانفصال معا ً؟
ولماذا التنازل لشريك لا يقبل الشراكة بل ويرفضها؟.
المشكلة الثالثة هي ضعف الوعي الوطني الذي يتناقص بفعل العبثية السياسية واللا عقلانية المسيطرة على العقل السياسي العراقي.
فقد فشل العراق في تأسيس معادلة وطنية تتبنى التوزيع العادل للثروة وخلق فرص حياة كريمة على اساس الكفاءة والقدرة وليس المحسوبيات والعوائل المتنفذة ، ولو سعى العراق الى استغلال طاقته الذاتية واعتمد مبدأ التنافس لا التغالب ومبدأ الحياة للأجدر وليس للأقوى لتحول الوطن الى دولة محترمة ومهابة .
فدول العالم اليوم تتسابق من اجل استقطاب الكفاءات والكوادر المتعلمة وان كانت من جنسيات مختلفة لتبنى وتعمر ، نرى العكس تماماً يحدث في العراق .
فللأسف ان الكوادر والطاقات العراقية التي يدفع الوطن من ثروته من اجل نشؤها ورقيها تراها تهرب اليوم وتترك العراق بفعل التغالب وتقديم الأقوى وليس الأجدر، وبالتالي يضيع الوطن ويختلف بفعل الغوغائية السياسية . وهذا الحال ينطبق على كل المجالات في دولتنا العراقية فهناك الكثير من المتفوقين العراقيين في بلدان العالم المختلفة ويتمنون خدمة بلدهم لكن ما حاصل من ضياع يجعلهم يبتعدون .
لذا قلت ان العراق وطن مضيع وليس ضائع .

لا تعليقات

اترك رد