متشائمٌ إلى حد التفاؤل


 

غالباً ما يكون إنسان الشمس الساخنة ذو النشأة الصحراوية، مغرماً ومتيماً بنبش القبور، والنبش في كراكيب التاريخ عن مبررات وأعذار تواري سواء تهلعله يغطي بها عورة حاضره، وحين لا يجد في تلك القبور ما يخفي سوءةسلوكه، يلجأ إلى اختلاق معارضة وشجار مع طرف آخر؛ كوسيلة دفاع بهيميةهي الأخرى تضاف إلى رصيد سوءاته.
ما بين الأعذار الواهية والتبريرات والمعارضة، فقدت جميع قضايانا العربية قيمتها، وكان أولها القضية الفلسطينية وهي بمثابة الخطيئة الأولى التي توالت من بعدها الخسارات الكبرى والنكسات وانتكاسات الضمير وانزلاق فقراتعمود الوجدان العربي؛ لكن أجمل وأروع صفة يتحلى بها الكائن الصحراويهي أنه سريع التأقلم مع الخيبة واندماجه المدهش والمبهر مع نكسته وكأنها جزء لا يتجزأ عن كينونته ووجوده.
ولو أردنا أن نستعيد شريط الذاكرة العربية سوف نكتشف القواسم المشتركة التالية:
• في القضية الفلسطينية نزاع داخلي ما بين: حركة فتح – وحركة حماس.
• في العراقي صراع طائفي ما بين: الشيعة – والسنة.
• في سورية صراعات أيدولوجية ما بين: مؤيد ومعارض.
• في اليمن نزاع إقليمي طائفي ما بين: الحوثيين بدعم إيراني ما بين السنة بدعم سعودي.
<< إن وجود أطراف متخاصمة لقضية واحدة؛ من شأنه أن يشتت القضية ويحرف مسارها الأصلي ويخلق صراعات تفسد غاياتها ومبادئها، وتكثر فيها النزاعات الداخلية مما يخدم أهداف المستفيدين من تلك النزاعات والانشقاقات التي تحدث داخل الصفوف >>
إن الخلاف الطويل ما بين حركتي فتح وحماس كان وما زال سبباً قوياً وقاطعاً،في إضاعة بوصلة القضية الفلسطينية؛ فكيف تُحل قضية أصحابها متناحرين فيما بيهم، ولكل منهما سياسة وايدولوجية مختلفة على الرغم من أن قضيتهم واحدة.
حماس تبحث عن مبررات للإطاحة بفتح، وفتح تفعل الشيء ذاته وكلاهما قدنسيا عدوهما الحقيقي إسرائيل وانشغلا في الخطابات والمناوشات اللفظية وتبادل الاتهامات ونشر غسيل الفضائح على حبال مهترئة، فانقسم الشعب الفلسطيني إلى حركتين: فتح وحماس.
وفي العراق نفس الأسطوانة المشروخة، ونفس الإخراج. صراع طائفي ما بين السنة والشيعة ما بين مؤيد شيعي لدرجة التعصب، وما بين سني غاضب وحاقد على النعرة الطائفية والتي تدفعه ضمنياً إلى الكراهية والتمني بأن يزول كل شيعي على وجه الخليقة؛ كما هي امنيات الشيعي المتعصب.
ودائماً وراء كل صراع عربي، ثمة شبح خفي يعمل على التحريض والوسوسة ما بين المتناحرين ليزداد الشجار، يكون هو الداعم والممول للسلاح وطرف آخر يعمل من تحت الطاولة. وغالباً ما يكون الغباء العربي وجاهلية الصحراءحاضرة ومستعدة للانقياد وراء من يوسوس لها.
الشعوب العربية هم خيطان اللعبة، وزعماء المذاهب، والقائمين على الحكم هم الدمى التي تنفذ وتحقق المصالح للدول الاستعمارية الكبرى مثل: أمريكا –إسرائيل – إيران – روسيا – تركيا.
ففي الخلاف ما بين حركتي فتح وحماس منحة مجانية لإسرائيل منتحهاالوقت الكافي لبناء المستوطنات وبناء ترسانة عسكرية من الأموال التي قد وفرتها من الحرب المزعومة والتي لم ولن تحدث ما بيها وما بين العرب.
وفي الخلاف الطائفي الواقع في العراق عطايا لوجه الله وفرصة للتوغل الإيراني في النسيج العراقي وقد استطاعت من خلال هذا النزاع أن تجعل من العراق برمته محافظة إيرانية تابعة لإدارتها المركزية، وكل القائمين على حكم العراق في الوقت الراهن يعملون بأجندة إيرانية.
وفي سوريا استغلت روسيا الصراع الدموي والنزاع ما بين مؤيد ومعارض واحتلت سوريا عسكرياً واقتصادياً وعقدت صفقات وتقاسم مصالح ما بينها وما بين إيران؛ مقابل حماية النظام السوري وإدامة وجوده. طالما أن هذا الوجود يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
وكذلك أمريكا زجت المملكة السعودية في حرب مجهولة المصير مع الحوثيين بحجة الدفاع عن نفسها من المد الفارسي؛ وهكذا استطاعت أن تضعف اقتصاد المملكة السعودية وتزعزع اقتصادها مما دفع السعودية لوضع خطة تقشف صارمة، حرمت مواطنيها من العلاوات والمستحقات الوظيفية الأخرى، لكنها سرعان ما انتبهت إلى خطورة هذا التقشف على نفسية المواطن السعودي الذي اعتاد على الرخاء فسارعت إلى إعادة العلاوات والمستحقات لكنها بالوقت نفسه لم تتوانى في استنزاف الوافدين من خلال فرض الرسوم عليهم؛ مما دفع العديد من الوافدين بلغ عددهم مليوني وافد إلى مغادرة المملكة ودفع العديد من الشركات إن تغلق وتنقل أموالها إلى خارج المملكة وهذا سوف ينعكس على الاقتصاد السعودي في المستقبل القريب وهو ما تسعى إليه الولايات الأمريكية.
<< متشائمٌ إلى حد التفاؤل بأنه من المحال أن تتغير الأحوالقريباً في الأمة العربية، ولكن هذا التشاؤم هو الوجه الآخر للتفائلالحقيقي، لأن الاعتراف بوجود وباء وطاعون، وبأننا أمة مصابة بداء العمى وفقدان البصيرة ونعاني من فالج الغباء سيكون هو بداية الحل أو الخيط الرفيع، وألا نعزف على قيثارة الشعارات الوطنية الرنانة الكاذبة أو نرقص على الحبال الطائفية نلوح بعصا العنصرية >>
علينا نحن الشعوب، أن نواجه حقيقة اليأس والبؤس والغباء العربي، وبأن الحكومات وزعماء الطوائف والمذاهب ليسوا إلا دمى تحركها قوى خارجية.. وما كشفته الأحداث الأخيرة من اتفاقيات وتناقضات في المواقف والمبادئ من قبل بعض الزعامات المعول عليها النصر، هو أقوى دليل وبرهان على أن الزعماءوالحكام لا يهمهم سوى إرضاء مطامعهم، وإرضاء اسيادهم الذين يملون عليهم الأوامر، ولا أمل يرتجى منهم. وأن المعول عليهم نحن جموع الشعب المنهوب والمقهور. وعلينا أن ننتهي من هوس العشق المحرم للزعماء والرموز؛ وأن نلتفت إلى واقع الحال والذي تعيش بؤسه كل الطوائف والمذاهب، وإن لم ننته منالنزاعات الطائفية، والعنصرية والانقسام إلى فريقين أو حزبين أو طائفتين أقسم لكم بما تدينون وبما لا تدينون، أننا نحن الشعوب العربية سوف ننتهي وينتهي بنا المطاف إلى جثث يحرق رفاتنا من حسبنا أنهم زعماء وأبطال ومن اختلفنا واقتتلنا مع بعضنا لنرضيهم وهم لا يفكرون بنا ولا ينشغلون بنا.

شارك
المقال السابقالعراق وطن ٌمضيَّع
المقال التالىعشتار الخلاص

الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح.
الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد