مطر الأشواق


 

صباح ممطر..رنة هاتف وصوت يقول… اليوم مساءا سوف اعود…
في لحظة ارتسمت أمامي كل الايام التي مضت فزاد شوقي لصباحاتنا الهادئة عندما كنت أرتوي فيها من ملامحه الشرقية الجذابة التي أغنتني عن كل الرجال و تذكرت رائحة البن حين كانت تصل اليه من المطبخ و يناديني: اسرعي بها اليا فاني اشتهيها كما اشتهيك…ثم تضحك عيناه من غيرتي…
فهو يعرف أني أغار عليه حتى من حبه المجنون لقهوة الصباح و من فنجانها اذا لامس شفتيه…
آه كيف كنا نرسم أحلامنا المطلة على شرفات المستقبل ،نلونها و نزيح غبار النسيان من عليها…
احببته كثيرا و لازلت احبه بحجم الكون.
جاء المساء ..لا ادري كيف لكنني وجدت نفسي بالمحطة .. القطار قارب على الوصول ..ليبدأ المخاض العسير بداخلي وبداخله كلانا يحمل نفس الإنسان بقلبه.
كان المطر شديدا،و من حين لحين كان البرق يقدح كأن السماء تشتعل،ثم تليه رعود كأنها طلقات ناريه من فوهة السماء ..وانا اقف بالمحطة أرتعش كعصفور مبلل أرقب الغيمات الرمادية..واحدثها في همس…
تلبدي ايتها الغيمات فما عاد يحزنني لونك،ولا عاد يبكيني إختفاء الشمس خلفك ، حتى لو اصبحت كل السنوات شتاء،فحال ما يصل اول قطار ستشرق شمسي من داخله.
اعود لمراقبة ساعتي اعد الدقائق وكاني بها طويلة جدا حتى أحسست اني أقف هنا منذ العام الماضي حين كنت انا و هو بنفس المكان…ودعته…ثم راح طيفه و القطار يبتعدان عن نظري…
الزمن يعيد لي نفس اللحظات وها انذا بنفس المكان انتظر عودته كما تنتظر الزهور حلول الربيع..
صفير القطار يعلن عن الوصول..وماهي الا دقائق حتى توقف، عيناي في إتجاه مستقيم تراقبان نزول الركاب الواحد تلوى الاخر..و كأني اعدهم فردا فردا..
كانوا يمرون امام عيني..ولكنه لم يكن بينهم .
رحت أتساءل ايعقل أني لم أنتبه جيدا .. ام اني أخطأت في الموعد!!!!
ثم اعود لاقناع نفسي ،كلماته راسخة بذهني منذ الصباح ،وإن حدث ومر من أمامي فكيف لم استنشق عطره المميز، كيف يمر من أمامي دون ان يدق قلبي او ترتعش أوصالي احساسا به…
شعور البرد دب في جسدي أكثر فأكثر ، لم أعد أقدر على الوقوف أصابني الوهن والعجز ،أتكأت برأسي على جدار خلفي، و الافكار تختلط ببعضها..
اغمضت عيناي لحظة لاهدأ ،او ربما لأ ستوعب ما يحدث……
لحظات تمر لم اطيل التفكير فيها حتى سمعت صوت ينادي باسمي…
فتحت عيناي لارى باتجاه الصوت..و
كان آخر الركاب هو حبيبي..نعم انه هو…
نظرت إليه ،تأملت المسافة بيني وبينه ،لم أحسبها بالأمتار..بل بحنين سنه مضت عليا دون وجوده قربي ،شوق في داخلي يكبر يتغذى من ساعات انتظاري و ليالي الأرق التي كانت تغزو وحدتي.
في لحظة تأففت من الذكريات و نظرت اليه كان يبتسم لي ،
راحت عيناي تفيض بنهر الدموع و كل شيء فيه يجذبني إليه كالمغناطيس…
كل شيء تسلل هاربا مني دون إنتظار
دموع الشوق سبقتني تشتكي اليه،
و نبض قلبي المتسارع سبقني اليه،
أحضاني وحناني ،خطواتي الملهوفة سبقتني اليه..
وقع اقدامي المسرعة نحوه… راح يعزف سمفونية اللقاء،تماما مثلما كان يعزف لي بأنامله على البيانو معزوفة “مطر الأشواق” ،لم يبقى شيء ملكي هنا و معي كلي اصبح لديه الآن.
والمطر الغزير راح يزهر بساتين الياسمين و البنفسج ، فينتشى العطر بكل مكان ، الشوارع لم تعد حزينه
تزينت بألوان قوس قزح وتبسمت السماء.
انتهت المسافة التي بيننا…و وجدت نفسي على مسرح أحضانه أرتمي وعطره يمتزج بي، وقبل ان يسدل ستار البوح بثواني قليلة ،تراءت لي من بعيد أيام الحزن تمزق نفسها غيضا و غيرة.

1 تعليقك

  1. سيدتي مساء الخير،

    إنه لجميل ما تكتبين أو ما جادت به أناملك السحرية، وما يكتنزه عصارة فكرك، من عوالم قصصية وشعرية، هنا جاء فيها التعبير واضح ومبين، وهذا بلسان عربي مبين..

    لقد إستمتعت كثيرا وأنا أقرأ القصة، فلقد جاء سردها بكيفية سهلة وجميلة، نزلت على العقل كوجبة لذيذة الطعم والمذاق

    شكرا جزيلا

    محمد بونيل
    فنان وكاتب

اترك رد