الغربال ومحنة الانتقاء


 

قبل ما يقرب من أربعة أعوام كُلف مجموعة من العراقيين، كان عددهم حينها (328) عراقيا، بمهمة جليلة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، تلك هي مهمة رئاسة وعضوية أهم مجلس من مجالس الدولة العراقية، ذاك هو مجلس النواب. وما اكتسابه هذه الأهمية إلا لكونه ممثلا عن أكثر من ثلاثين مليون فرد، وكل فرد له حقوق في بلده، ولم يكن قد مضى من الزمن سوى بضع سنوات على خروج البلد من حقبة مظلمة، دامت أربعة عقود عجاف، رزح الشعب خلالها تحت ثقل الدكتاتورية، وتنوعت تحت نيرها أشكال الظلم والغبن والغمط والقمع التي مورست ضده.

وقد يكون المكلف بالأمر حرا في تصرفه، حين تعود مردودات تخطيطاته عليه وحده دون الإضرار بالآخرين، أما حين يشمل الأمر مجموعة من أناس هو موكل بهم وهم مرؤوسون من قبله، فالأمر هنا يأخذ منحى آخر، يدخل في باب المسؤولية ومايترتب عليها من حقوق وواجبات، وسيكون محتما عليه مراعاة جوانب عدة قد يظنها تمر عليه مرور الكرام، إلا أنه سيُسأل عنها عاجلا وآجلا وفي كل حين. وبطبيعة الحال فقد ولّدت سنون الدكتاتورية قهرا في نفوس العراقيين، وخلّفت شعورا بالإحباط واليأس من العيش الآمن في بلدهم، فتضعضعت خريطة الوطن بأعينهم، وتشابكت خطوط طوله مع خطوط عرضه، وتقاطع الإثنان حتى زهق الوطن وانمحقت قدسيته، واندرست المواطنة وقيمها تحت أقدام السلطان، فالأخير اضحى الأول في كل شيء، والوطن ومفرداته بات الأخير في كل شيء.

ومن هنا بدأت محنة المواطن، حيث ازدوجت المعطيات أمامه، فالوطن يناديه للقيم العليا والانتماء اليه والولاء له، فيما تجبره ظروف معيشته الى البحث عن ملاذ في أصقاع الأرض يتخذه وطنا، فصار حاله كحال عروة بن حزام، ذاك الشاعر الذي ألقى به ظرفه بين نارين، إذ كلما حث ناقته على السير للأمام حيث حبيبته عفراء، تاقت ناقته الى بعير تهواه بقي خلفها، فتعود بشاعرنا الى الخلف، وبين السير الى الأمام والنكوص الى الخلف، قضى عروة نحبه حبا وشوقا وولها بعفراء، وقد قال في هذا:

هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى

وإني وإياها لمختلفان

وبذا فقد توخى المواطن في شخوص سلاطينه الجدد، بعد زوال سلطان الدكتاتور انفراجا لشدته، ونهاية لعيشته الضنكا، فسلم أمر ماضيه وحاضره ومستقبله بيد هؤلاء الـ (328) عراقيا، متوسما فيهم استبدال تلك العقود المظلمة، بما يعوضه عن الحرمان والفاقة التي صهرت في بوتقتها أجيالا، إذ من غير المجدي ان يكون التغيير محافظا على السلبيات المتبعة ذاتها في النظام السابق، فحينها يكون الأمر كما قال البحتري:

اذا ماالجرح رُم على فساد
تبين فيه تفريط الطبيب

اليوم وقد أوشكت السنون الأربع على الانتهاء، كما انتهت الأربع التي سبقتها، هناك سؤال يطرح نفسه مستقتلا على صفحات التأريخ؛ ماالجدوى التي حققها هؤلاء الـ (328) عراقيا؟ أظن الجواب سيكون مسجلا بحروف عريضة على الصفحات نفسها، وتحت كل اسم من اسمائهم، لعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. وفي حال كانت الإجابة لصالحهم، وسجل لهم التاريخ أنهم حققوا جدوى في الواجبات التي كلفوا بها، وأدوها كما ينبغي شرعا وقانونا وخلقا ومهنيا ووطنيا، فقطعا هم الرابحون، وسيدعو لهم رعيتهم بالثواب وحسن العاقبة. أما لو كانت الإجابة غير ذلك -وهي فعلا غير ذلك- فمن المؤكد انهم سيقابلون بارئهم بما يخزيهم من الأفعال، علاوة على الخزي الذي يسجلونه في دنياهم.

الذي يهم العراقيين اليوم هو القادم من الأيام والآتي من الأشخاص، فالعد التنازلي لموعد اصطفاء الأصلح والأجدى منهم بدأ منذ أشهر، وعملية الغربلة هي أولى الخطوات الواجب اتباعها للحصول على نتائج سليمة، والخوف كل الخوف أن تكون النتائج كما قال شاعرا القريض والأبوذية:

لو أنني غربلت أصحابي معا
لم يبق لي منهم سوى الغربال
أظلل عالصديج وعلي ماظل
او وينه العن طريجه اليوم ماضل
أغربل بالربع تميت ماظل
سوى الغربيل ثابت بين اديه

لا تعليقات

اترك رد