الوظيفة


 
الصدى-الموظف
لوحة للفنان فراس البصري

جلستَ في غرفة الانتظار ، بعد أنْ استلمتَ الرسالةَ التي كانت نفسُكَ تتوقُ الى استلامها ، الحياةُ نضالٌ شاق ومسيرة كفاح ، ينجح فيها المجدون الواثقون بأنفسهم ، والمتصفون بالعزيمة والإصرار القوي ولا يعترفون بالهزيمة ، مهما أصابتهم سهام الفشل ،مضت سنوات كثيرة وأنت َ تبني شخصيتك ،التي تحب أنْ تكونها ، لم تجدْ عملا مناسبا ، يتلاءم مع طموحاتك الكثيرة ، وأحلامك الكبيرة ، بعد التخرج من الجامعة ، فاكتفيتَ بعمل بسيط مؤقتا ، ليعينك على الإيفاء بحاجات الحياة المتزايدة باستمرار ، وقررتَ أنْ تتعلّمَ فنونا جديدة ، من شأنها أن تساعدك في الحصول على مهنة ،تجد نفسك فيها ،وتحقق بها ذاتك ،المتعطشة الى الأعمال الفائقة الجمال ، لم يعرف المستحيل طريقا للوصول إليك ، فالعجزُ أبعد الصفات وجودا في عقل الإنسان المكافح ومشاعره ..
بابُ مكتب المدير مغلقٌ ، لا بأس ، سوف تنتظرُ بعضَ الوقت ، كافحتَ طويلا وبذلتَ الجهدَ، كي تصلَ إلى المنزلة التي تستحقُها ،باجتهادك الطويل ،ومعاناتك الفائقة وسهرك في الليالي الطوال ـ وأنتَ تقرأ الكتبَ الكثيرة ،وتراجعُ البحوثَ المستفيضة وتتعلمُ كيفية بناء الإنسان، وعدم الوقوف في مكان واحد، لأن الحياةَ تسيرُ إلى الأمام باستمرار ، ولا تعترفُ بمن يسيطر اليأسُ والقنوط على نفسه، من أول إخفاق، يصادفُه في المعترك، فالأيامُ كرٌّ وفر، وإقبالٌ وإدبار ، ولا يحسنُ اجتيازَها إلا اللبيبُ الفطنُ…
المجلاتُ متكدسةٌ على الطاولة ،باللغة العربية ولغات أخرى،وأنتَ وحدكَ في قاعة الانتظار ، تتناولُ إحداها وتشرعُ في تصفحها ، يروقكَ موضوعٌ عن أهمية الثقة بالنفس ، فتقرر أن تقوم بالقراءة ، علك تجدُ فائدة جديدة، تضيفها إلى الفوائد الجليلة التي وهبتها لك الحياة في مشوارك الطويل..

المقالُ يحثُّ القارئَ على عدم الاكتفاء، بما تعلّمه بالجامعة ،بل يواصلُ الاجتهاد لتعلم مهارات أخرى جديدة ، وأنتَ مؤمنٌ يما يقولُه الكاتبُ ، فقد تخصصتَ في اللغة العربية وآدابها، من أعرق الجامعات العربية ، ودرستَ اللغة الفرنسة في الجامعة البريطانية ،ونجحتَ في الحصول على بعثة إلى فرنسا، لدراسة اللغة الفرنسية ، وكنت مواظبا على حضور دروس اللغة الألمانية، في المركز الثقافي الألماني في بلدك ، ولم تكتف بتعلم اللغات العالمية ،بل وجهتَ اهتمامَك إلى علوم الحاسوب والمهارة في التنظيم . واكتساب التقنيات الحديثة.

تنتهي من قراءة المقال ، تنتبه إلى أن باب غرفة المدير ما زال مغلقا :
– لطفا ، من فضلك ، عندي موعدٌ في الساعة العاشرة .
– عفوا ، اتصل المديرُ وهو يعتذرُ انه سيأتي بعد نصف ساعة من الموعد بسبب ازدحام الطرق..
– لا مشكلة..

لماذا تتسرع ؟ وقد حان وقت قطوف الثمار ، وآن لنضالك الدائم أن ينتهي ، ولتعبك المتواصل أن يزول ، فقد كانت الرسالة ُالتي بعثها لكَ المديرُ واضحة الدلالة ، تنبئكَ أنَّ أملكَ الذي ناضلتَ من أجله طويلا قد دنا منك ، واقتربت ساعة تحقيق هدفك ، ونيل سؤلك ، فقد شقيتَ بما فيه الكفاية ، وكسبتَ علوما كثيرة، وتعلمتَ فنونا متعددة، وأدركتَ مهارات مختلفة ، وها إن أوقات الحبور تقتربُ منك ، لتولي عنك سنينُ الحزن وضياع الفرص ، تنظر إلى الساعة ، دقائقُ خمس تفصلك عن الفرحة الدائمة ، تنظر إلى نفسك في المرآة الكبيرة الموضوعة في غرفة الانتظار ، سيرضى عنك المديرُ حتما ، شكلٌ وسيم وأناقة ظاهرة ،وملابس مختارة بعناية ،والنظارةُ الموضوعة على عينيك تكسبُك وجاهة محببة ، لقد صممتَ على أن تكون بأحسن مظهر كي يفرح المدير بك ، وتنتقل فرحته الى نفسك الظمأى.

– السلام عليكم
– السلام عليكم ورحمة الله
– آسف ، لقد تأخرتُ عن الموعد
يعجبك اعتذارُ المدير ، كم هو جميل ومتحضر، أن يُقدمَ المديرُ على الاعتذار من مرؤوسيه ، سيكون وضعُك ممتازا ، وستحظى بالمنزلة التي تاقت نفسك إليها ، سيضحى المدير صديقا لك ، وستنعم أيامك ـويزول ضنكها
يشير إليك المدير مرحبا باشّا ، يحدثكَ عن الوظيفة الكبيرة التي تنتظرُكَ ، ويثني عليك فأنت َ تستحق اكبر الوظائف بسبب كفاءتك العالية وقدراتك الغنيه..
– نريدُ وسامةَ الشكل وجمالَ المضمون في وظيفتنا هذه ، ولقد تقدمَ لشغلها عشراتُ الأشخاص ، لكنكَ بسبب كفاءتك النادرة تستحقُها عن جدارة..

تشتعل قناديلُ الفرح في قلبك ،ويهيمن على نفسك المتوثبة شعور بالظفر، بعد طول معاناة ،ينطلق صوت المدير متسائلا :
– لماذا تضعُ النظارةَ سوداء ؟ أليست البيضاءُ تجعلك أكثرَ وسامة ؟
– نعم ، أستاذي ، لأنني أعمى..
– ماذا ؟ آه … كيف غابت هذه عني ؟لكننا لا نستعين بالعميان في وظيفتنا هذه

لا تعليقات

اترك رد