تقسيم المقسم


 

شكلت القضية الكردية على مدى قرن من الزمن هامشا عريضا للتدخلات السياسية الدولية والاقليمية التي كانت تهدف الى زعزعة امن واستقرار العراق وتنامت تعقيداتها مع سيطرة القوى القومية على شؤون البلاد وشروعها بخطوات جادة للتنمية والتقدم مع ترويجها لافكارها الوحدوية، الامر الذي بدا واضحا انها تشكل تهديدا جديا لاسرائيل وللغرب الطامع بالسيطرة على المنطقة وثرواتها، لقد استغلت الصهيونية والغرب من جهة وايران من جهة اخرى وضع اكراد العراق واحلامهم التي يراها البعض مشروعة وينكرها البعض الاخر في الاستقلال وتاسيس كيانهم الخاص اسوة بالامم والمجتمعات الاخرى، ليس لمساعدة الكرد بل لتحطيم وتدمير العراق واشغال شعبه بصراعات ذات طابع عرقي يعرف الجميع انها قابلة للتمدد والاتساع والمطاولة، ومع ان ايران وتركيا وسوريا تحوي ضمن بنائها المجتمعي وجودا للاكراد الا ان الغرب لم يتقدم اليهم بمثل ما تقدم لاكراد العراق لاسباب تتعلق بطبيعة هذا البلد والعداء المستحكم بينه وبين الصهيونية والغرب، وقد نجحوا جميعا كل في وقت ومرحلة معينة من اضعاف قوة العراق والتاثير على عجلة التنمية فيه في ذات الوقت الذي بات تعاون القيادات الكردية وخضوعها وعمالتها للاجنبي مكشوفة وصريحة بل ومحط فخرهم واعتزازهم خاصة بعد احتلال العراق حين اصبحت كل القيادات الفاعلة ومن مختلف المكونات فيه مشاركة في العمالة ومتساوية في خضوعها للقوى الاقليمية والدولية..

وطوال الفترة الماضية التي اعقبت الاحتلال تمتع اكراد العراق دون اكراد الدول المحيطة بما لم يحلموا به سابقا وعلى طول تاريخ ليس عصيانهم وتمردهم، بل احلامهم حتى ، فرئيس العراق الذي يتنكرون اليوم لوحدته كرديا اضافة لمناصب سيادية اخرى كما تمتعوا ايضا بممثليات لهم في كل دول العالم اسوة بسفارات الدولة وبكتلة مؤثرة في البرلمان مع تخصيص نسبة اكثر من استحقاقهم من ميزانية الدولة اضافة الى سيطرتهم الكاملة على ثروات منطقتهم وايراداتها وتاسيس جيش غير خاضع لسلطة الدولة كثمن للدور الذي قاموا به من اجل تسهيل عملية تدمير البلاد واحتلاله، وامام كل هذا وامام ما متاح امامهم لتحقيقه مستقبلا في ظل بلد يعيش تدهورا مستمرا في حين يحققون هم تنمية واعمارا متواصلا، تبرز الدعوة المتنامية للانفصال مما يضع امامنا اسئلة كثيرة حول الاسباب الدافعة والتصورات عن النتائج المترتبة على عملية قيصرية لانشاء كيان يعرف الداعون اليه انه سيكون ساحة جديدة للصراعات الاقليمية والمحلية والداخلية معا، فتاريخ الاكراد القريب يعطينا صورة واضحة عن مدى المنافسة القائمة بين عائلة البرزاني وحزبه وبين الاخرين الرافضين لدكتاتوريته وفساده، ناهيك عن ان الاكراد يعرفون ان ولاءاتهم موزعة بين ثلاث قوى فاعلة ومتخاصمة وهي ايران وتركيا واسرائيل، وان الخصام واضح وممتد الى داخل البيت الكردي فليس هناك من مقبولية تامة لسيطرة اربيل على السليمانية دون ان نضيف ان قضية كركوك التي تعتبرها بعض القيادات الكردية ( قدس الاكراد) ستكون قدسا ثلاثية اذا ما عرفنا ان ليس من السهولة على العرب والتركمان تركها لقمة سائغة بيد البرزاني..

يتوهم البرزاني ان اسرائيل التي وقفت الى جانبه على طول الخط ستدعمه الى ما لانهاية، ولعل هذه النقطة من اكثر الفخاخ امامه، اذ ان اسرائيل دعمته يوم كان العراق قويا وشكل في فترة زمنية تهديدا لامنها، ولان الحال تغير والعراق لم يعد عراق الامس ولن يكون في المستقبل المنظور قويا ومؤثرا الى الحد الذي يدفعها لمؤازرة كيان سيكون عبئا عليها وعلى كل داعميه بعدما يتحول الى منطقة صراع وتجاذبات طرفيها المباشرين ايران وتركيا، حيث لن تسمح اي منهما للاخرى بمد تاثيرها اكثر مما هو قائم حاليا، فالسليمانية تدين لايران ( قاسم سليماني زارالسليمانية اليوم الاربعاء للضغط على اتباعه) واربيل تدين لتركيا ولا مجال لتغيير هذه الولاءات لانها الحواضن والضوامن الاكيدة لقوة كل منهما، وازاء هذا الوضع فان البرزاني يعتقد ان انشاء الكيان الكردي بصيغة اقاليم ذات حكم ذاتي سيضمن له عدة اهداف منها انهاء حالة التصارع المحتملة بين اربيل والسليمانية على النفوذ، ومنها ايضا ضمان بقائه واسرته في السلطة بعد ان علت الاصوات المطالبة بتنحيه وتذكيره بانه لم يعد رئيسا شرعيا لانتهاء رئاسته التي استمرت ثماني سنوات عام 2013 وان التمديد الذي اعطي له لغاية عام 2015 كان لمرة واحدة فقط، الا انه كاي دكتاتور لايمكن

ان يتصور نفسه خارج الحكم مع كل الفساد ونهب الاموال، فعطل برلمان كردستان منذ اواخر عام 2015 على خلفية رفض رئيسه تمديد الولاية مرة اخرى، ورغم ان حديثا قد جرى مؤخرا بين البرزاني وبين زعامات السليمانية بان يكون الدكتور برهم صالح خليفة له لرئاسة الاقليم مقابل تاييدهم لمشروع الاستفتاء، الا ان اهم الزعامات تعتقد انه لن يفي بوعده وانه يهيء ابنه مسرور خلفا له، كما تعتقد تلك الزعامات غير المندفعة كثيرا نحو الاستفتاء ومن ثم الاستقلال ان حقيقة ما يقوم به البرزاني هو لتعزيز شعبيته والتغطية على نهبه واسرته للمال العام خاصة بعدما سيطر على نفط كركوك منذ عام 2014 دون حساب لسلطة الدولة وللدستور الذي طالما تشدق بالاحتكام اليه في صراعه مع بغداد..

لقد احرج البرزاني كل الساسة الذين تشاركوا معه في خدمة اسيادهم ومن كل المكونات، اولئك الذين وضعوا معه اسس العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية وتشاركوا في نهب ثروات البلد وتسامحوا كثيرا مع التمادي الكردي وايضا تقديم التنازلات مرة تلو المرة للبرزاني لضمان صوته الى جانبهم على مدى العقد الماضي وايضا اولئك الذين لجئوا اليه طلبا لحمايته بعد صراعات وتجاذبات واتهامات بالفساد والارهاب خاصة من القيادات السنية، ووضعهم جميعا امام امر واقع بغيض يعرفون انهم مشاركين فيه بشكل مباشر او غير مباشر، فكلهم اهتموا بنهب المال والثروات وتركوا البلاد سائبة يتمادى فيها كل من يمتلك القوة والسلاح، ومنهم البرزاني الذي مدد سطوته وسلطته الى مناطق واسعة مستغلا ضعف السلطة المركزية وانشغالها بمحاربة الارهاب وبالصراعات الطائفية والحزبية، ولعل خطوته الاخيرة قبل يومين باحتلال كركوك والتصريحات المتلاحقة بالدفاع عنها وبرسم حدود كردستان بالدم توحي بانه قد اتخذ من سياسة حافة الهاوية مسارا جديا له في تعامله مع وحدة البلاد، مما لا يعطي مجالا واسعا للحوار والوصول الى نقطة يمكنه فيها العودة والاحتكام الى الدستور الذي ضمن اساسا امتيازات وحقوق للاكراد اكثر من غيرهم..

هذه الخطوات وضعت الحكومة والاحزاب المشاركة في موقف صعب، فالسكوت امام هذا التمادي يعني الضعف والقبول بالامر الواقع، اما التصدي اعلاميا وميدانيا يعني ايصال البلاد الى طريق الحرب، خاصة بعد فشل محاولات الجامعة العربية باقناع البرزاني بالعدول عن موقفه والتحاور مع بغداد لحل المشاكل العالقة التي لاتبتعد بكل خيوطها عن جوانب الفساد ونهب المال العام وطلب السلطة..

يعترض بعض العرب على مسالة الانفصال بان الوقت غير مناسب، وفي الحقيقة لايوجد وقت مناسب للانفصال، ولكن اي وقت هو مناسب ايضا، كان مناسبا للعراق ككل ان ينفصل الكرد في الستينيات وكذلك في السبعينيات ايام عقد اتفاق اذار للحكم الذاتي كما ان من المناسب الان ان ينفصل الكرد ايضا، فعلى مدى تاريخ العلاقة بينهم وبينهم العرب لم تكن قياداتهم السياسية سوى ادوات ايذاء وتدمير، ولكن ان يكون الانفصال ضمن تفاهمات وترتيبات تضمن حقوق الجميع وبقناعات وواقعية وموضوعية تستند الى الوثائق والتاريخ، وتضع اسس لقيام علاقات مستقبلية قائمة على حسن الجوار والتعاون المثمر، اما ان يفرض بصيغة التحكم والشروط المسبقة وبطريقة السطو المسلح على المدن والمناطق لتوسيع الرقعة الجغرافية مستغلا ضع السلطة المركزية، ولضمان مركز قوي اذا ما حصلت تفاهمات واتفاقات تبيح له المياومة على ما سيطر عليه وليس على الثوابت والحقائق التاريخية، فان ذلك سيفرض واقعا جديدا من الاختلال ويفتح ابواب الشر والحقد والحروب المستقبلية وهذا هو المطلوب اساسا من البرزاني كمنفذ لسياسة اسرائيل التدميرية..

ومع ذلك اظن ان البارزاني يعلم جيدا ان لا فرصة الان لاقامة كيان كردي مستقل واذا ما حصل ذلك فانه مجرد خطوة لخلق منطقة صراعات جديدة بين قوى لم تجد اسبابا كافية سابقا وساحة مشتركة للصراع، واعتقد ان ما يفعله البرزاني هو اعادة تسويق نفسه وفرض شروط تحقق مصالح شخصية له ولعائلته مثلما اشيع قبل يومين عن طريق وكالة سومر نيوز (لست واثقا من الخبر) ان البرزاني طلب ان يكون رئيسا للعراق لثماني سنوات مقبلة مقابل تخليه عن فكرة الاستفتاء والاستقلال..

لا تعليقات

اترك رد