المرأة العربية .. القانون والواقع – ج2


 

يقول ابن رشد : إن حالتنا الاجتماعية تتطلب ألا نطيح بكل ما يعود علينا بمنافع المرأة. فها هي في الظاهر صالحة للحمل والحضانة فقط، وما ذلك إلا لأن حالة العبودية التي أنشأنا عليها نساءنا أتلفت مواهبهن العظيمة وقضت على مواهبهن العقلية. فحياة النساء تنقضي كما تنقضي حياة البنات، فهن عالة على أزواجهن وهذا كان سببا في شقاء العالم.

لا ريب في أن كتابات الرواد الأوائل نبهت الرجال إلى أن المرأة هي دون سواها سبب التقدم والارتقاء، أو علة التقهقر والانحطاط حسب مفاهيمهم وقناعاتهم الفكرية والإيديولوجية لكنها في الأساس أفكارا أحدثت أثراً في المجتمع على الرغم من الهجوم الذي شنه المحافظون والرافضون لرياح التغيير الاجتماعي أو دعوة البعض لها بالانسلاخ والتأثر بالمظاهر الغربية.

إلا أن موقف هؤلاء الرواد، على أهميته، ظل موقفا تقليديا لاقتصارهم في دعوتهم على حث المجتمع على تعليم المرأة وتحريرها من الأمية والجهل، ورفضهم في الوقت ذاته منحها حق العمل، مع إقرارهم بحقيقة المساواة الإنسانية بينها وبين الرجل، وكانوا يرون أن عملها هو الإشراف على بيتها وتربية أولادها. فتجاهلوا أنه ما من أمة قادرة على النهوض وأحد شقيها مائل، والنهوض لا يكون إلا بتعاون الرجل والمرأة وتكامل دوريهما.

ففكر هؤلاء الرواد بشأن قضايا المرأة لم يكن فكرا واحدا، بل كان متعددا ومختلفا ومتناقضا. لأنهم لم يستطيعوا أن يتحرروا من النظرة التراثية القديمة التي ترى أن المرأة لم تخلق إلا لمتعة الرجل.

ظهرت بوادر تحرر المرأة في المجتمع العربي في بداية القرن العشرين، ولا سيما عند الطبقة العليا بسبب تعليمهن وانفتاحهن على الحياة الغربية.

لقد أثر التحسن الثقافي الذي طرأ على المجتمع العربي في النصف الثاني من القرن الماضي على عدد من الركائز الاجتماعية وأوجد ظروفا ملائمة لخروج المرأة إلى الحياة العامة. فمنذ ظهور الدولة العربية الحديثة وأوضاع المرأة العربية تتطور بعيدا عن الموروث الثقافي نتيجة الانقلاب عليه والتخلي عنه كقاعدة مرجعية ودستورية.

أليس غريبا أن تظل قضية المرأة العربية مطروحة للبحث ومثار جدل ونقاش، بعد مرور ما يقارب نصف قرن من الزمن على تحررها من الأمية ومساهمتها في عملية التطور الاجتماعي. ولكن قد نجد بعض العزاء حين نجد أن قضية المرأة لم تحل في معظم المجتمعات التي تدعي الحداثة وترفع شعار التحرر، وما تزال قضيتها من القضايا التي تشغل العالم بأسره.

ليست المجتمعات العربية مجموعات متجانسة، بل إن لكل مجتمع منها خصوصية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية. فالعقلية العربية ليست شيئا واحدا، وهناك تيارات مختلفة تؤثر في تكوين شخصية الإنسان العربي. إنما هناك عوامل مشتركة في المجتمع العربي، مثل اللغة والتراث والدين ودورها في تكوين هذه العقلية. فالمجتمع العربي عموما هو درة لا تنفصل جزئيات مكوناتها بعضها عن بعضها الآخر، بل تدور بفعل التأثر والتأثير وبفعل المناخ المحيط بهذه الدارة.

ووضع المرأة العربية، مرهون بطبيعة كل مجتمع وظروفه التاريخية وثقافته الموروثة. فلا توجد مشكلة للمرأة في كل المجتمعات والثقافات والعصور واحدة نمطية، وبالتالي لا يوجد حل واحد لها يمكن تعميمه من مجتمع إلى آخر.

لا تعليقات

اترك رد