القوة الحيوية والذوات اللاتعاقدية


 

لن يختلف اثنان في كون السلطة هي العملية التي توجه كل سلوكات الاشخاص المجتمعة فيما بينها بغية إحداث تأثير مقصود فيها بالقوة والجبر ، فهي علاقة من نوع آخر ، علاقة جمعية، لأنه لا بد لها من تعدد أطرافها والمشتركة من خلال تفاعلها مع بعضها البعض من اجل انتاج وتوليد هذه الظاهرة .. فهي اذن بحاجة الى موضوع تمارس عليه تأثيرها لضمان الاستمرار والبقاء ومهما تنوعت أشكالها فهي في جوهرها لا تعدو ان تكون إلا علاقة بين طرفين تقوم على الامر والاستجابة .

ولوجودها بصفة شرعية لابد لها من الارتكاز على أرضية قانونية صلبة تحدد مجالها كالدستور مثلا أو القانون المتبع في مكان وجودها، لذلك من واجب السلطة أن تحترم الحقوق الإنسانيّة المكتسبة للأفراد، وتضمن تطبيق كافة الضمانات في كل المجالاتالاقتصادية، والاجتماعية والسياسية …الخ بأسلوب صحيح. ولتحقيق ذلك كان من الضروري لها اتخاذ عدة اوجه متكاملة ومتداخلة فيما بينها، فهي سلطة اتخاذ القرار وهنا تكون اما ديموقراطية او ديكتاتورية ،او سلطة تنفيذ القرار وهنا تكون اما سلطة تشريعية او قضائية او تنفيذية …والسلطة نوعان : السياسية ويرتبط تطبيقها بوجودمجموعة من قنوات الاتصال بين كافة الأفراد المرتبطين بها كالبرلمان، والمجالس الترابية ….وهناك أيضا السُلطة الفلسفية وهي من أقدم أنواع السلطة حيث ترى بأن أي فرد في المجتمع يمتلك سلطةً خاصّةً به في مجال ونطاق محددين،أي أنّه قادرٌ على تطبيق سلطته بناءً على الصلاحيات التي حصل عليها، مثل: رئيس مجلس الإدارة او مدير مدرسة ….

ولممارسة السلطة لابد لها من مكانيزمات تقوم عليها وهي : السيادة ، الانضباط والأمن .والسيادة هنا بمفهومها الواسع أي السيطرة التامة على مجال جغرافي محدد بجميع مكوناته لأنه من خلالها يمكن فرض الانضباط والامتثال والخضوع التام حتى يتحقق الشق الثالث المتمثل في الأمن ، لكن لإدراكه تقوم السلطة بوضع مجموعة من التقنيات سماها ميشيل فوكو القوة الحيوية ، تقنيات تفرض بالقوة لتثبيت الأمن والانضباط لما وضعته … صحيح لولا الردع والقوة لعمت الفوضى والاضطراب ، ومن هنا يتجلى بان الانضباط لا يفرض على الافراد وحدهم بل يتعداه للمجال الذي يعيشون فيه …لكن السؤال المطروح هو هل هذه التقنيات تطبق على جميع مكونات المجتمع ؟ أم ترى هناك استثناءات ؟

الاستثناءات أكيد موجودة وهي ما يطلق عليها باسم الذوات اللا تعاقدية : تلك القوى الخفية السابقة عن السلطة أي هي من أوجدت القوانين والتقنيات وأوجدت التركيبة البشرية التي ستمارس عليها ما انتجته افكارها البناءة ،وهنا يجب التمييز بين المراحل القديمة والمفهوم الجديد للسلطة وألا سيؤدي حتماً إلى خلل كبير في النظر والحكمعلى الأحداث الحالية ..أرسطو عرّف الإنسان بأنه حيوان سياسي ناطق واللغةوالسياسة مترابطات لكن فوكو في كتابه تاريخ الجنوسة فالحاكم السياسي القديمسياسي جبار قادر على التحكم حتى في أرواح الناس عبر الحكم بالإعدام وسلبهم حرياتهم ونهب ممتلكاتهم بشكل انفرادي …أما حديثا وبتطور علم الأحياء خاصة أصبح الإنسان الحديث حيوان قامت السياسة بوضع حياته الحيوية موضع تساؤل واهتمام كبير جدا بحيث أصبح إبقاء الناس على قيد الحياة ومنعهم من الموت أحدالأهداف الرئيسية للسلطة الحديثة،،ومن الأمثلة على ذلك الإضراب عن الطعام بحيث كلما وقعت حالة من ذلك إلا وقامت كل المكونات الفاعلة في محاولة إفشال الإضراب ولو بإرغام المضرب على الأكل من اجل العيش …من هنا يظهر جليا بان الفرد أصبحت له المكانة الأولى للسلطة الانضباطية التي ترتكز في تقنياتها السلوكية على تذويب الكتلة وفردنة السكان، أي تحويلهم إلى أفراد متفرقين، وليست مكونة لجماهير غير متمايزة- كما كانت تعتقد الاتجاهات النقدية مثل مدرسة فرانكفورت…..

السؤال المطروح، هو لماذا هذا التحول ؟ أرأفة بالمواطن الإنسان ؟ أم لغاية لا يعلمها ألا الذوات اللا تعاقدية ؟
ما أتعس هذا المخلوق الذكي البليد ، شخصيا لا أرى في ذلك إلا نوع من تطوير وسائل التعذيب والقوة المفروضة على الإنسان : في القديم يقتل فاقد الأهلية أو الهوية الخارج عن الطاعة يسلب ويجرد من كل شيء ، على الأقل يموت بسرعة ، الآنالإنسان يموت الموت البطيء يبقونه على قيد الحياة ليذوق مرارة العذاب بالحرمان من الحرية المطلقة او التجريد من الهوية الشاملة … يحترمون بنود الحقوق التي انزلوها لتغطية القوة الدافعة للسيطرة والردع… ربما قد يكون المقصود من ذلك إنسان خطير ويشكل تهديدا مباشرا على حياة الآخرين ويذيقونه ما أطعم به أبرياء من قبل كالإرهابيين مثلا من تعدوا حدود الإنسانية يستحقون ذلك أكيد بل أكثر….لكن في بعض الأحيان قد يضحون ببريء وما أكثرهم لإسكات وتهدئة الرأي العام ….وفي مثل هذه الصورة يتضح التذويب والفردنة لتسهل السيطرة وتثبيت الانضباط والأمن ….وبالتالي فإن القوة الحيوية لا تثبت على حال بل تخضعها الذوات اللا تعاقدية للتطور حسب تطور مستوى تفكير المجتمع وحسب مدى استعداده للانسلاخ من الفردنة المفروضة عليه بالقوانين الموضوعة من اجل السيطرة والانضباط .

لا تعليقات

اترك رد