شاعرية السّومريّ أفقٌ مفتوحٌ

 

علي العقابي ( 1 ) شاعراً ، يحاول في مجموعته الشعرية ( 2 ) هذه ان يسبرَ اغوارَالحياةِ بكلِّ تفصيلاتهِ الدقيقةِ ، بلغةٍ شفافة قريبة للمتلقي ، وانسيابية متماوجة وتوثيق لمساقط النظر ، وكأني به : يجد أشجار الأمل في حزنهِ راحة ً، وفي جسده المتعب سعادة ، فهو يثير ويحرّض على رؤية الجمال ومكنوناته في هذا الكون ، التقاطاته كانت موفقة على وفق انسياقاتٍ متفاعلة :

لما يزل عطر أمي
عنبراً
يرش الغروب
من بعيد
يا عطرها تعال
أنا العطشان
تعال
لأقطف من عطرها
سنابل من ضياء ( عيون أمي )

العطر لديه عامل يحرك ما في دواخلنا من حنين ، وشوق لحالة شعورية مهيمنة على كل المعطيات التي فسح لها المجال ان تكون سنابل ضياء ، هذا التحوّل الدلالي اعطى الصورة التكوينية رؤية فاحصة بجمالية ما يسوقه الينا الشاعر ، فالإحساس لديه يتصاعد بمجرد اثارة مفردة العطر امامه ، كونه يمتد الى ( عطر أمي ) الحاضنة المتكاملة التي تعدّ مرتكزاً استند عليه ، في تفعيل العاطفة الجياشة لدى القارئ / المتلقي .
امنحيني حلماً….
وخذي ما تشائين
ولو على عجالة
فأنا ظلك
وأنا الضوء
عند انبلاج الغروب .. ( غبشٌ نديٌّ )

هذه الدعوة ( امنحيني / خذي ) في فتح أفق مع الحبيبة كفيلة ، أن يتحوّل الشاعر من خلالها الى صور تركيبية ( أنا ظلك / أنا الضوء ) فهو يفتح مغاليق العتمة من خلال هذه الانفراجات الدلالية التي قد يكون لها حظّ وافر ان تجاذب الطرفان بنفس واحد لا يختلف عليه آخر .
اللغة الشعرية لدى العقابي ، ذات منحى بسيط ، فلا تعقيد ولا تكلّف بل كلّ ما فيها من صورٍ كانت لحظوية مناسبة لنفسيّةِ الشاعر ، حيث هي انعكاسات باطنية .. انه يحاول ان يندمج كليّا مع الحياة والطبيعة وهذا الكون الضاجّ دون ان يتعارض معه ..
نصوص العقابي ، جاءت نصوصا ً قصيرة ، لأنه رأى في هذا التكثيف والقصر ما يغنيه من الاطالة ، ولكونها محاولات جادّة في ضغط الصورة بما ينسجم ورؤية الشاعر ذاته .
كما لا يفوتنا .. غلبة الروح الرومانسية والوطنية في مجمل قصائده ، فهو يعقد جدلية بين الحبيبة والوطن لأنهما صورة متكاملة عما يجول في خاطره ، ليفكّ شفرة طالما اشار اليها الشعراء في قصائدهم ، وتغنّوا بهما كونهما امتداداً روحيّأ وطبيعياً ، لمكابدات وإرهاصات حياتية ، كما إنّه يبثّ ذكريات طفولته بلمسة جمالية تعيدنا الى الماضي بكل جمالياته :

مَن يعيدني ….
لطفولتي
لعجلتي ” الجرخ “
اذهبُ بها بعيداً
اتنسمُ عيدَ الشجرةِ
اذهبُ نحو حقولِ القمح
ومزارع الباقلاء
تحدو بنا الرياح
تملأ ثيابنا بالعبير
مع اطفال ” الدربونة “ ( أنا وعجلتي ونيروز )

هذه الرغبة الملحّة التي تتقافز في بواطن مخيلاتنا التي حرمت برحى الزمن من تلك الايام الغضّة ، هذا التشبثّ القوي بالماضي وطغيانه بصورة واضحة ، جعله يميل الى استخدام اللهجة العامية ( الجرخ ، الدربونة ) كضرورة لإشباع هوسه وظمئه الذي علا نَبْرُه بين ثنايا قصيدته هذه .

هذه النصوص .. أفقٌ مفتوح أمام القارئ ، لأن الشاعر جعلها هكذا ، ليمنحها براءة من التعقيد والتكلف الذي يكاد يطغى على اسلوب بعض الشعراء ، وذا ليس عيباً فلكلّ شاعر ذوقه وحسّه وميوله ومفرداته وتراكيبه ، التي تدور في فلك خلده ، وبها نستطيع التمييز بينهم ، لكن ( علي كاظم العقابي ) اراد ان يكون على سجيته المنبسطة ومخيلته الجنوبية المطحونة بأعذاق النخيل وظلال الاشجار وغرين دجلة ، لتتكوّر هرمية الانسان السومري فيها .

…………………………………….
الهوامش :
( 1 ) علي كاظم العقابي : كاتب وصحفي وشاعر تولد العراق 1961 / بكالوريوس تربية رياضية / عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء العراقيين / عضو نقابة الصحفيين العراقيين/ عضو نقابة المعلمين /عضو الاتحاد العالمي للآداب /عضو اتحاد كتاب الانترنيت العراقيين /عضو رابطة الكتاب العراقيين /عضو ملتقى المثقف العراقي/عضو رابطة الادباء العراق/ رئيس فرع ميسان /عضو رابطة القصة الومضة العربية /عضو البيت العراقي التونسي / عضو مؤسسة النور الثقافية /عضو هيئة تحرير مجلة معارج الفكر/ عضو هيئة تحرير جريدة ميسان الثقافية / مراسل وكالة الصحافة المستقلة آيبا/عضو الهيئة الادارية لجمعية الصداقة العراقية السويدية
صدر له : مجموعة شعرية شوق النخيل. مطبوع عن دار جان.المانيا2015 / مجموعة قصص ومضات (صحوة ملتهبة).مطبوع عن دار جان المانيا 2015/ المجر الكبير. ذاكرة ثقافية مطبوع. دار ضفاف 2016 / مجموعة قصص ومضات ( شذرات متناثرة ) مطبوع عن دارجان المانيا 2016 / مجموعة شعرية حائط الصمت دار جان المانيا 2016 /_ كتاب موسوعة ميسان الثقافية بثلاثة اجزاء مخطوط / كتاب نقوش في ذاكرة المجر الكبير معد للطبع / المجر الكبير ذاكرة علمية مخطوط / كتاب المجر الكبيرة..ذاكرة رياضية تحت الطبع / حوارات في الشعر والأدب تحت الطبع / مجموعة شعرية (ابحار في الرغيف) مجموعة مشتركة مع شعراء عرب وعراقيين 2015 / مجموعة قصص ومضة عربية مشتركة ( كنوز القصة الومضة ج1 ) صادرة من الرابطة العربية للقصة الومضة-القاهرة / مجموعة قصص ومضة عربية مشتركة ( كنوز القصة الومضة ج1 ) صادرة من الرابطة العربية للقصة الومضة/القاهرة .
نشر مقالاته وكتاباته في المجلات والصحف العراقية والعربية والمواقع الالكترونية ، حاصل على جوائز تقديرية ودروع وشهادات في مجال الادب والثقافة والصحافة والإعلام والرياضة .

( 2 ) حائط الصمت : مجموعة شعرية – علي كاظم العقابي صادرة عن دار جان المانيا 2016 .

شارك
المقال السابقاحراز المركز الاول في الفساد
المقال التالىقربان التكنو العظيم

حامد عبدالحسين حميدي .. شاعر وناقد عراقي من مواليد 1969 العراق – العمارة . حاصل الجامعة المستنصرية – كلية الاداب – قسم اللغة العربية ، تخرج فيها 1992/ 1993. يعمل مدرساً للغة العربية . عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق / المركز العام . عضو اتحاد الادباء والكتاب في ميسان . عضو....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد