8 أيلول .. هل يذكركم بشيئ ؟


 

( كفى .. أعيش منذ ثلاثة أيام حالة رعب فهناك من يتصل ليحذرني من مداهمات واعتقالات للمتظاهرين وهناك من يقول ستفعل الحكومة كذا وكذا وهناك من يدخل متنكرا ليهددني في الفيسبوك .. سأشارك في التظاهرات وأنا من مؤيديها وأنا أعتقد جازما أن العملية السياسية تجسد قمامة من الفشل الوطني والاقتصادي والسياسي وهي تستحق التغيير واننا نستحق حكومة أفضل .. باختصار أنا لا أمثل حزبا ولا أية جهة إنما أمثل الواقع المزري الذي نعيشه .. لقد سئمت مشاهدة أمهاتنا يشحذن في الشوارع ومللت أخبار تخمة ونهب السياسيين لثروات العراق ) ..
و تحقق ما كان يخشاه . قتلوه .
كان يعد لتظاهرة كبرى في اليوم التالي فكتب يقول :
(غداً 9.9 عرس حقيقي للديمقراطية في عراقنا الجديد .. سيخرج أبناء العراق بلا طائفية بلا أحقاد يحملون قلوباً ملؤها العشق والتسامح ليقولوا لا للمحاصصة والفساد والنهب والفشل والعمالة يطالبون بعراق أفضل وحكومة أفضل وأحزاب أفضل وقيادات أفضل) .. بعد أن أنهى آخر سطوره على الفيسبوك إقتحموا شقته في الكرادة وسط بغداد و وضعوا فوهة مسدس كاتم في رأسه بعد أن أغلقوا كاميرات المراقبة في الشارع المقابل لشقته و أتلفوا افلام التسجيل الخاصة بها . و تحول عرس الديمقراطية الذي انتظره إلى جنازة له
و برغم أن أركان جريمة اغتيال الفنان المسرحي و السينمائي و الإذاعي و الكاتب و الناشط المدني و منسق تظاهرات ساحة التحرير هادي المهدي كانت واضحة وضوح الشمس إلا أن السلطات اعتبرتها قضية جنائية و قيدتها ضد مجهول . المهدي سبق اعتقاله مع عدد من زملائه و رفع حينها شكوًى نصت على أنه ( يتقدم بالشكوى ضد القائد العام للقوات المسلحة بشخصه ووظيفته جراء تعرضه للإختطاف والإعتقال من دون مذكرة قضائية ومن دون جرم وتعرضه للإهانة والضرب وإصابته بكدمة خطرة في رأسه وورم في ساقه اليسرى ) و قال (ألفت نظر الرأي العام العراقي أنني وبعد تقديمي ونشري لهذه الشكوى وفي حال تعرضي أو أسرتي لأي خطر فإنني أحمل مسؤولية ذلك على عاتق الجهة نفسها التي اشتكيها وأتظلم منها . ) و مع ذلك قتلوه وقيدوا الجريمة ضد مجهول .

قتل المهدي قبل ست سنوات . آخر استذكار له بحسب محركات البحث المعروفة كان عام 2013 ، في الذكرى الأولى لاغتياله أقاموا حفلا تابينيا له و في الذكرى الثانية أقامت شبكة فكر بالتعاون مع اتحاد الأدباء والكتاب وقصر الثقافة والفنون في محافظة القادسية حيث ولد حفل الإستذكار السنوي الثاني له . بعد ذلك أسدل الستار على قضيته ، و نسيه زملاؤه الذين تظاهروا معه في ساحة التحرير مثلما فعل الملايين الذين تظاهر من أجلهم .
في الذكرى الثانية لاغتياله قالت ناشطة في حفل التأبين أن ( حفل التأبين الاستذكاري سيستمر كل عام ليتأكد أبناء المهدي أن أباهم باق مع الضمير وخالد مع الوجود ليتفاخروا بما ترك لهم من إرث على الرغم من حجم الآلام المصاحب له ) لكن ذلك لم يحدث .
لا أعرف المهدي و لم ألتق به قط ، بل أني قد أختلف معه في بعض الرؤى لكن ذلك لم يعد مهماً بعد أن تفوق علينا جميعاً بحجم العطاء الذي قدمه ، لست هنا لإلقاء خطبة ، لكني أريد التذكير بأن فقدان إنسان واحد يمكن أن يكون سبباً في حدوث المعجزة لو حافظ رفاقه على ذكراه ، لو تضامنوا معه بعد موته مثلما تضامنوا معه في حياته ، و لعل ” بوعزيزي تونس ” مثال قريب سبقه كثيرون حول العالم ، بوعزيزي لم يكن قائداً لكنه كان رمزاً لقضية و هادي المهدي كان قائداً و رمزاً في آن و كان من الممكن أن يكون الثامن من أيلول الذي مر قبل أيام يوم تظاهرة ب6 أضعاف تظاهرة المهدي ، بعدد السنوات التي قضاها تحت التراب بانتظار أن يفيق الملايين الذي مات لأجلهم و هتف بحياتهم قبل موته بدقائق ، لكن ذلك لم يحدث .
خلال التظاهرات التي سبقت اغتياله رصدت كاميراتُ النشطاء كبارَ مسؤولي الداخلية يعتلون البنايات المحيطة بساحة التحرير وهم يرتجفون و كان وقع التظاهرات المطالبة بالتغيير كبيراً و مقلقاً للسلطة .. بعد اغتياله صارت مسألة الإختطاف و القتل تتم بهدوء و دون جلبة من النشطاء سوى بعض الصرخات المنفردة هنا أو هناك ، بعض النشطاء تم شراؤهم و بعضهم تم شواؤهم فيما غيب آخرون و لا يزال مصيرهم مجهولاً . وسيكون لنا كل عام ألف مهدي طالما لم نعرف ماذا تعني كلمة ” تضامن ” !

شارك
المقال السابقليس دفاعا عن الكورد
المقال التالىتصفية الخبرات العراقية ؟!

عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد