عيد الله الكبير… أم عيد مناة؟


 

عيد سعيد، وكل عام وأنتم بخير، كلمات تداولناها بكثرة قبل أيام حين مر علينا عيد الأضحى الذي يطلق عليه البعض (عيد الله الكبير)، كثير من غير التسليميين فكروا إن كان هذا العيد عيد الله فعلا أم لا؟… ولعلهم وصلوا إلى نتائج مختلفة، لكن هذا لم يؤثر شيئا على الطقس الذي واصل تكراره منذ السنة الأولى للهجرة، في كل عاشر من ذي الحجة.. وما نفعله اليوم هو مجرد محاولة للتواصل بطرح الأسئلة، ربما تدفع البعض للتفكير، أو تضيع في هواء الممارسات الطقوسية التي يصر الناس على فعلها حتى لو عرفوا أنها في الواقع ممارسات وثنية لا علاقة لها بالله أو الدين، فقد عرف العرب في الجاهلية عيدا كانو يسمونه الأضحى، وحين أراد الرسول الكريم اختيار يوم يجتمع فيه مع الأوس والخزرج فيما صار يعرف ببيعة العقبة، اختار يوم الأضحى لاجتماعهم لأنه يوم عيد لدى القرشيين لن ينتبهوا إلى مثل هذا الاجتماع في خضم انشغالهم بطقوس عيدهم التي يعد النحر أبرزها..

وكان العرب القدماء ومنهم الأوس والخزرج يعرفون أيام التشريق وتم اختيار منتصف التشريق موعدا للاجتماع ـ البيعة، ومن الطقوس المعروفة في أضحى المشركين في مكة، أن يذبح كل شخص ذبيحة لأصنامه، فصار المسلمون يذبحون أضحياتهم بالطريقة نفسها وفي الفترة نفسها فيما بعد.. كان عيد الأضحى مخصصاً للإلهة مناة، ومارسَ عُبّادها طقوسهم في منطقة منى بمكة، وهم يرددون التلبية المعروفة آنذاك: لبيك اللهم لبيك، لولا أن بكرا دونك، يتركك الناس ويهجرونك، ومازالوا حجا يأتونك…. الخ.. وكانوا أمام صنم مناة بصفتها إحدى بنات الله يصرخون: الله أكبر.. لبيك اللهم لبيك.. والتلبية ذاتها ما زالت تتكرر حتى يومنا هذا بعد أن تعرضت للإضافات والحذف.. إلا إن جوهرها باق، كان زيد بن عمرو بن النفيل يلبي في عرفة: لبيك لا شريك لك.. ويوضح الراحل جواد علي أن العرب في الجاهلية كانت لديهم أعياد معروفة انتقلت إلى الإسلام منها عيد الأضحى.. وثمة فرق جوهري في الطقوس التي كانت تقام في الجاهلية لمناة، ومثيلتها التي ما زالت تقام لله في الإسلام، فالمسلمين يعتقدون بأن النحر مرتبط بقصة النبي إبراهيم الذي أراد أن يذبح ابنه إسماعيل فأبدله الله بذبح سمين، وأنزل له الملاك كبشاً استبدل به ولده، إلا إن الوثنيين في الجاهلية لم يعرفوا هذا الأمر،

ولعلهم لم يعرفوا النبي ابراهيم نفسه، فلم يأت له أي ذكر حتى ظهر زيد بن عمرو بن النفيل الذي ادعى بأنه ليس نصراني ولا يهودي، بل جاء بديانة جديدة هي الحنيفية، وادعى بأن ابراهيم حجّ إلى مكة ووضع أواصر بين ابراهيم والحج والذبائح، إلا إن الحفريات والشواهد التاريخية أكدت بأن مكة تأسست في القرن الرابع الميلادي، أي بعد قرون عديدة عن التاريخ الذي ظهر فيه النبي ابراهيم.. ولا شئ يثبت وصوله إليها، ولنواصل البحث في قصة ذبح النبي ابراهيم لولده التي قدمها بن النفيل للقرشيين في مكة قبل ولادة النبي محمد بسنوات عديدة، سنرى أنها جاءت في التوراة مثل العديد من القصص القرآنية، فقد تحدث سفر التكوين في التوراة عن امتحان الله لإبراهيم حين طلب منه أن يأخذ ابنه ـ وحيده ـ ويصعده إلى جبل ليذبحه فنفذ ابراهيم ما طلب منه وقبل أن يجز رقبة ابنه ناداه ملاك طالباً منه التوقف عن الذبح فقد عرف الله أنه كان مستعداً لتنفيذ أمره،

وجازاه بكبش سمين ذبحه بديلاً عن ابنه.. ونرى أن القصة ذاتها جاءت في سورة الصافات بالقرآن الكريم.. ولعل الفارق بينهما أن التوراة حددت جبل الموريا في فلسطين مكانا لهذا الحدث بينما حدده القرآن بمكة.. وإذا كان الحج قد أخذ إطاره العقائدي من القرآن فإن عيد الأضحى لم يكن كذلك، إذ لم تأت له أية إشارة، بل كان سنة نبوية، لذا لا يعتبر أمرا قرآنيا يرقى إلى مستوى الفروض الواجبة، فالسُنّة لا تُعتبر مُلزِمَة إذ يثاب المرء على عملها، وقد لا يعاقب على عدمه.. ويعرف المؤرخون ودارسوا التاريخ الإسلامي بأنه لم يرد أي ذكر لإسم ابن ابراهيم الذبيح في القرآن أو على لسان النبي محمد،

إلا إن العديد من الصحابة كعبد الله بن عباس ووالده وعلي بن أبي طالب، وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وابي هريرة اتفقوا على أنه كان اسحق، لكنه تحول خلال العصرين الأموي والعباسي من إسحق إلى اسماعيل، وهذا أمر غريب في الواقع، ومرتبط بالدوافع السياسية المستفيدة من كون الذبيح هو إسماعيل، ولم يتطرق النبي محمد إلى استخدام النبي ابراهيم للبراق في الوصول إلى مكة، فقد ارتبط البراق بإسراء النبي محمد ومعراجه حصريا، لكن ابن اسحق ذكر فيما بعد بأن انتقال إبراهيم من أور إلى مكة كان على ظهر البراق، ولنقف قليلاً عند هذه الفكرة، فمن يحاول اليوم أن يبحث في الأساطير الفارسية القديمة سيجد نصوصاً فهلوية أقدم من الإسلام بكثير تتحدث عن النبي الأسطوري خوسيروس الذي حول إله الهواء الزرادشتي إلى جمل مجنح ثم امتطاه ليتنقل في الأماكن الشاسعة من الأرض، وليرتقي به إلى السماء.. لذا ما فعله مَن أضاف البراق إلى قصة النبي إبراهيم أراد أن يتخلص من حرج لا منطقية الانتقال بسبب البعد الشاسع لمكة عن أور..

ما يهمنا معرفته اليوم هو هل عيد الأضحى عيد ديني أم مجرد ممارسات اجتماعية؟.. وما هو الغرض منه ولماذا الذبح؟.. إن كان يخص الحجيج فلماذا يشمل كل المسلمين، وإذا كان النحر مرتبط بشعائر الحج فما الذي يدعو غيرهم إلى النحر؟.. ويفسر بعض رجال الدين ذلك بأن الشاة الذبيحة هي بمثابة تكفير عن ذنوب الإنسان، لكن العقل لا يقبل مثل هذه الفكرة الغريبة، فالذنوب هي أفعال قام بها الإنسان وربما تسبب فيها بالضرر إلى غيره، فهل يلغي ذبح شاة هذا الضرر؟… ربما تقبل عقولنا فكرة أن القرابين التي كانت تقدم للآلهة الوثنية هي رموز يقصدون من خلالها التقرب من هذا الإله عبر إرضائه بما يقدمونه له من أضاحي، لكن الأمر لا يستقيم مع الله الذي لا يريد أكثر من أن يكون الإنسان سويا ليكون قريبا منه.. ولعل الإسلام قد استفاد من الإرث اليهودي في تحديد إطار نظري للفداء الذي جاء في التوراة على أنه يقرب إلى الله، فالدم الذي يرش على الآنية وملابس الكهنة والأرض هو ما يريده الله، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة، وهي فكرة مرتبطة كثيرا بما اعتاد الوثنيون السابقون لليهودية ممارسته، وحددت التوراة شروطا في الكبش الذي يجب ذبحه، إذ يجب أن يكون بلا عيوب، ثم اشترط الفقه الإسلامي فيما بعد أن تكون الذبيحة التي تنحر في عيد الأضحى بدون عيوب..

ربما ما نخلص إليه يتلخص في أمر مركزي واحد هو، لا بد من إعادة النظر في ما تم التسليم بقداسته، ولنتفق أن المقدس المطلق الوحيد هو الله، أما ما جاء به البشر وما تعاملوا به منذ مئات السنين فهو بشري خاضع للتغير بتغير الظروف وهو مرتبط حصريا بظروفه الزمكانية، أخذ الإسلام الكثير من تعاليمه وقصصه وأفكاره من التوراة وبعضها قليلا من الأناجيل، ويبرر رجال الدين ذلك بأن مصدر هذه الأديان واحد وهو الله فلا ضير من تكرار بعض الأفكار فيها، لكننا نعلم اليوم بأن الكثير مما جاء في التوراة وهو أقدم النصوص الدينية في الديانات الإبراهيمية الثلاثة مأخوذ عن مثيلوجيات أقدم من اليهودية بمئات وربما آلاف السنين، وأغلبها مرتبطة بديانات وآلهة وثنية معروفة.. ولننهي موضوعنا الذي قد يسئ إليه مثل هذا الإقتضاب فهو موضوع كبير متشعب، لكن لنعرف أن الإسلام الذي ينادي بأن جميع الأنبياء مسلمين، كرر هذه الفكرة التي سبقته إليها المانوية بمئات السنين، فقد إدعى ماني (مؤسس المانوية) بأن جميع الأنبياء منذ آدم كانوا مانويين، والمانوية كانت معروفة لدى العرب قبل الإسلام.. لست معنيا الآن بالسياق التاريخي والدلالي لهذه الأفكار لكني أريد أن أركز على فكرة واحدة، هي ضرورة التحرر من الأفكار التسليمية والإيمان بمطلق وحيد هو الله ونزع القدسية عن كل ما هو دون ذلك من أجل إعادة التفكير به وتقييمه لنتمكن بالنتيجة من وضع آلية صحيحة للتعامل مع واقع اليوم عبر النصوص غير المتقاطعة مع هذا الواقع.. ربما لو نجحنا في ذلك سنتمكن من إعادة ترميم حطامنا..

لا تعليقات

اترك رد