قربان التكنو العظيم


 

جلس أبو البشرية الحفيد يتابع مرآته المضيئة المصحوبة بأعلى المقاييس البكسلية نشرة الأخبار التي اعتاد على أن تأخذه سنة من النوم حينها ، يصحو بعدها على نواح ديك مكبل عند عجوز بلغت من اللامبالاة حدا جعلها تصفع ذاك الديك كلما سقطت من نصل منقاره حبة القمح من حصتها في بيت مال القرية ، فسرعان ما ترتدي ثوبها القصير الحداثي الرث و تتوجه إلى عمدة القرية مظهرة بعضاً من غرتها البيضاء المسدلة تشكوه تبذير الديك للقمح و سوء تصرفه ، فيرد أمرها على عقبها و لا يكترث لشكواتها المتكررة مع طلوع فجر كل يوم جديد ، و رفض التوقيع على شكوتها بقلمه الإلكتروني الفريد ، فقررت أن تخاصم نفسها عند أبي البشرية الحفيد فقام بالنظر إليها طالباً منها صورتها الشخصية على تطبيق الواتس آب قبل أربعة عقود من الزمان ، ثم تولى إلى عمله في صومعة مقفرة جوار نبع الماء الذي يعد مزاراً يومياً لفتيات القرية و أوانيهن من الفخار الصامد منذ قرون ، و ما إن يحتضر وقت عمله و يصل إلى غرغرته حتى يمم وجهه تجاه بيته ، يستلقي بكل عز و فخار على ساعاته في عمله حيث الصلاة و الخشوع و الابتهال و الدعاء و المناجاة دون سآمة تعتريه أو ملل يحتويه يمارس عادته اليومية في الإنصات لنشرة الأخبار الأخيرة ، و يصادف هذا اليوم الذكرى الأليمة عندما تصادم أولاد العمومة في قبيلة عمه قابيل مع ذويهم من قبيلة العم هابيل ، و كيف أن الله تقبل من أحدهما على طيب زرعه و رد الآخر على رداءة ذوقه ، فأحس بأنها حرب على المقاييس الجمالية في العطاء ، الواجب أن نتبع كل جميل في نفوسنا كي تضيء عطايانا في نفوس من نحب ، فعمه قابيل شديد الحب لله الذي زرعه في نسل آدم و لم يجعله يتناسل من بطن شاة جلحاء لكنه لم يقدم عطيته التي تليق بهذا البهاء العظيم و النور المبين فوقع ضحية الأرذلين الصامتين على بخلهم خوفا من أعباء الحياة .

أخذ يقارن بين عمه في بخله و ديك العجوز في تبذيره بعد الثورة الحمراء ، و خلص إلى نتيجة مفادها أن لكل عائلة ما يميزها عن غيرها و لكل فرد ما تخصه الحياة بأساليبها كي تبقى و تستمر ، فالليمون من عائلة عريقة سميت بالحمضيات ثم أكسبته عائلته ما يختص به عن غيره ثم إذا ترعرع ألبسته الحياة أسلوباً فريداً ليعيش في ثنايا لحظاتها وفق المخطط الذي رسم له في صناعة عصير لذيذ ، لكن مخالطته للنبيذ جعلت منه مواطنا منبوذا من جيرانه ، و التمر الذي ينمو كنطفنا في أعماق مظلمة لا ندرك قرارها ، فيبدأ بالتكون كجسم الجنين في طلعه ثم تهب له الحياة روحا معدة مسبقا ليكمل مشواره في دورية غرائبية ليصبح تمراً قوياً في كهولته يؤدي دوره في الحياة ، و ينبت شجر الغرقد حول بيوتنا في سعيه لإنقاذ ما تبقى من أحلام السامية في العيش على أرزاقنا ، لعله الحنين إلى الاستعمار الرأسمالي الحقير الذي جعلنا نستبدل القمح برؤوس أطفالنا ، رأى خطاً أسوداً يعلو زاوية مرآته التي ينصت لها لسماع الأخبار يعرب عن حداد تلك الذكرى الأليمة ، فاستدرجها لحين الحصول على قنبلة رقمية من صناعة ألفيته الخامسة يستعملها في تفجير تلك المرآة ، فالأخبار لا تزيد الناسك إلا إثماً فهي ضرب من الغيبة و وسيلة إلى النميمة التي تزرع في نفوسنا أحقاد جمل جريح .

ترجل عن أريكته واضعاً عمته في فمه لئلا تتضارب أسنانه من شدة ما أصاب القرية من هواجس الشتاء بعد اكتسائه بحلة الموتى ، و اعتلى جسد صخرة عمياء في ليلة بالكاد أن يشرق ضوء القمر على غيومها المارة مرور البرق عندما يتزاوج السحاب ، لكنه شاهد و للوهلة الأولى بريقاً لامعاً حسبه شهاباً كذلك الذي يخبره بأخبار السماء ، اقترب منه حتى صار على قرب أربعين سنة ضوئية مما أمكنه من مشاهدة الكائنات التي تستقله في سفرها فوجد ملكاً وضاء الهيئة ينصعه البياض من كل أطرافه و بيده عصا الصولجان ، أخبره بأن الجيوش التي يراها في المنام تعد نفسها و تتخالط ميمنتها بميسرتها لتحارب في سبيل الديك ، إنها قوات حفظ الأمان ، و أن على العجوز أن تتمهل عن شكواها ، و ألا تطرق أبواب منظمات الإغاثة التي أصابها النصب بسبب الحروب الطاحنة التي وقعت في الألفية الثالثة ، و أن تقدم الديك هبة لله يوم عيد آدم ، ثم أعطاه شيئاً بيده هو أكسير الموت و أرشده بأن عليها أن تمسح به على عرف ديكها قبل تقديمه .

خطا نحو بيت العجوز و هو يستشيط عضباً على وصول أخبارها لمملكة السماء ، الأمر الذي سيجعلها رهينة بيد الجان السمين حتى تقدم القربان لتحصل على صك الغفران ، فيسلم الديك و تعود إلى شبابها و يرجع أبو البشرية إلى صومعته عاملاً و إلى بيته نائماً ، حاولت العجوز مسح العرف بالأكسير لكنها سمعت أصوات الخنس خلف باب فندقها التي تملكه ، فدخل عليها الجان السمين و كان يحمل هاتفا نقالا يكشف عن صفات صاحبه بقراءة الشيفرة التي يصدرها القلب في ضخ الدم إلى أنحاء الجسد ، و أثبت لها ببعض حيله رداءة قربانها ، و استبدل بالأكسير بذرة ذكية تزرعها في حقلها و تعتني بها إلى أن تصبح شجرة قوية و تنبت نباتا حسنا ، فقامت بتحسس التربة ثم وجدت لبذرته زاوية تضعها فيه على مقربة من باب قبلة مصلاها ، و ما إن انفلق الغداة حتى أطلت على شجرة طلعها كأنه رؤوس الشياطين ، و كلما أرادت التحول تجاه قبلتها تحولت إلى عنكبوت تنسج الخيوط الماكرة على أبواب معبد أبي البشرية الحفيد الذي علم بخطيئتها فدعا عليها دعاء استقبلته السماء على الرحب و السعة ، لتتحول إلى شبكة عنكبوتية يتواصل من خلالها الملايين من أبناء الجنس البشري ، و إذا بالديك ينقلب على صورة مخلص تزين لحيته السوداء جمال بياضه الأخاذ لاعبا دور المنتظر الذي سيخلص البشرية من آثامها ، أدرك أبو البشرية حقيقة إنسانيتها ، ها هي و قد تعرت من صفات الجنس البشري لتموت بفعل ذبذبات هيرتزية بفعل نفاق صورتها المصممة على الفوتوشوب في علو دقته التي اتخذته صورة شخصية لتطبيق الواتس آب ، و اكتشف بأنها هي من صممت الجوائز التقديرية لعمليات البر و الإحسان لشعورها بالذنب من اختراعها القنبلة الرقمية التي هدمت آلاف الدول بعد الأزمة المالية العالمية ، و أنها السر الذي اتخذت القمح وسيلة لهدم النسل البشري عبر فتنة أبناء عمومته ، و أنها قائدة المافيات التي هربت حلقة المريخ لكوكب زحل ، و أنها مؤسسة شركات الدعارة الدينية التي توسعت في تقديم الحور مقابل الجهاد ، و هكذا تحققت نبوءته القديمة وهي العودة إلى بيته في الفضاء و الفسوق من الأعلام الزرقاء الأممية في مخيم اللاجئين المعد لكل أقلية إنسانية لا تسجل في جمعيات مكافحة الانقراض ، فكل قربان مجهول يعد لمحو الخطيئة خطيئة .

لا تعليقات

اترك رد