التشكيلي مصطفى أوسي عليكي و طغيان الحفر على وجوهه بكل إنكساراتها


 

مصطفى أوسي عليكي فنان تشكيلي من مدينة عامودا عاصمة الثقافة و الإبداع على مدار الزمن لا في الجزيرة فحسب بل في سورية برمته و هذا لا يعني تجاهل مدن أخرى هي الأخرى تستحق هاللقب ، فلا يكاد يخلو بيت من شاعر أو فنان أو موسيقي أو روائي … إلخ ، إلى هذا المكان ينتمي أوسي بولادته و بأحاسيسه و بمرآة أعماله ، فهو كغيره من أبناء جيله و الجيل الذي سبقه كان لا بد من واقعية تسجيلية فيها يوثق الفنان عادات و تراث و تقاليد و فولكلور المنطقة و لهذا جاء الكثير من أعماله وإلى وقت متأخر ينتمي إلى تلك المرحلة ، إلا انه في السنوات الأخيرة و القليلة أدرك أوسي أنه بقي متأخراً عن المرحلة ،
 

 

 

 

فالزمن بات يملك سرعات ضوئية ، و السير في ركب التسجيلية لم تعد تجدي بل قد تقتل و أنه إذا بقي في صومعته لا بد أن الدفن فيها سينتظره ، وأن الحائط الذي رسم أمامه سيطول إن لم يقع عليه و لهذا كان لا بد له أن يفتح فيه نافذة منها يلج إلى عالم آخر فيه يترجم عما يختلج في دواخله من أحاسيس و مشاعر فكان لا بد من التعبيرية ليفرغ شحناته ، وكان إختياره لوجوه خير مكان عليها سيرمي كل تعبه و وجعه ،

ولهذا جاءت تلك الوجوه منهكة لحد الصراخ بل لحد البكاء و لو صمتاً ، فتبعاً لمقتضيات الحالة بدلالاتها المسوغة التي تلاحق الحكاية ذاتها ، ووفقاً لقوة السياق بما يملكه من تنويعات تثري سردياته يخوض أوسي في تفاصيل جلها حائرة تستلهم تفاعلاتها التوليفية بل و التوليدية أيضاً من ملامحها التائهة في زحمة الوجع الكبير ، و المستعادة من حاضر له خصوصيته بتداعياتها و آهاتها ، فطغيان الحفر على الوجوه بكل إنكساراتها يستهدف أوسي منها و في سرده الصاعد منح حيوية مؤثرة لوجوهه تلك مع الحفاظ بتأمل تدريجي به يكتشف أوسي إضاءات الإلتقاط ضمن قيم تعبيرية و جمالية .

أوسي لا يترك أي هامش لوجوهه في أعماله الجديدة بما يحقق حضورها بما تقتضي رؤيته الذاتية ، فجميعها تتجاور بأضدادها حيناً و بمتغيرات الممكن ، فالأهم عنده أنه مقتنع بجهوده المبذولة في خلق تفاهم فيما بينها و بالطريقة التي يرغب فيها و على نحو كثير حين يُتيه الملامح في أكثر من إتجاه مع إقتناعه وجود مَن سبقه إلى ذلك لكنه في سعيه إلى الإنفتاح على حداثة تستند على جدلية العلاقة ما بين النزعة الإنسانية بتفاصيلها و ما بين دفعها للنهوض نحو إمتدادات مستقبلية فيها تتنهد الروح الإبداعية لديه لتقييم المعادلة في مقارباتها الأولى فهو يرتكن إلى التجريد بتعبيريته حيناً خوفاً من السقوط في التعميم و لهذا مقولاته مغرقة في ترسانة من رؤيا فيها تتوفر كل مقومات التمايز الذي يستدعي حتماً الإرتقاء بفعل الخلق دون أي تشخيص و التحرك من داخل العمل لا من خارجه ضمن أولياته التي ستحدد له لاحقاً مقاييس التباين ليذهب بثقة نحو بلورة الفضاء بكل رهاناته و إن كان مرغماً للخضوع لمنطق اللعبة الفنية .

أوسي يكشف إدراكاً للوجوه المعقدة بإعادة تحديد إشكالياتها الزمكانية و تقاطعاتها مع مؤشرات تحولات إنكساراته المتتالية ضمن ملامح سياقات منجزه حتى في أقصى تمفصلاتها عبر شبكة علائق خصوصياته بأبعادها التاريخية و الجمالية مع التوكيد على زرع بذور التمرد التي قد تكون ثيمة لأعماله تلك التي ستتزامن على إمتداد ولاداتها القادمة من خلال سيرورة تطويع السرد و تشكيله على نحو ما يتيح لنا سماع أصواته المتعددة .

لا تعليقات

اترك رد