للحياة طعناتها


 

حين وقعت عيناها عليه للمرة الأولى وهما تجوسان في المكان أنكرت عليهما ما رأتا .. إذ من غير الممكن أن يكون هو .. ربما هو شبيه له ..
كانت برفقة زوجها في إجازة خارج البلاد .. حين التقته
شبيه ..!؟
تساءلت متعجبة .. أيمكن لقلبها أن يخطئه وسط كل رجال العالم .. حدثت نفسها قائلة ..
إنه هو بشحمه ولحمه وعدد سنين عمره التي تعرفها ولم تغب عن قلبها يوما ..
ياإلهي لم تغير فيه السنين شيئا .. مازال ذلك الوسيم الذي عرفته قبل سبع وعشرون عاما .. حين ودعته للمرة الأخيرة وغادرت حياتها العامة لتسكن بيت الزوجية ..
كانت مثل كل الفتيات في سنها .. تحلم بالحب .. ذاك الكائن الناعم الجميل الذي يلون الحياة تارة فيجعل منها مزيج من السكرالممزوج بالعطر … أوينهش القلوب بأسنان الفراق والشوق والحنين .. أو ربما يلوكها بقوة ليلفظها بتأثير الغدر و الخيانة تارة أخرى ..
التقته في بيت إحدى صديقاتها … كان قريبا لها .. لاتعلم هي ماالذي شدها إليه ..
لكنها تعلم وعن يقين أنها أحبته منذ اللحظة الأولى .. كان يكبرها بأكثر من عشر سنوات و هي لم تتجاوز الثامنة عشر ..
كانت شابة جميلة دون إفراط بالجمال .. تجيد لفت الأنظار إليها .. وكان وسيما جدا على طريقة نجوم السينما العالميين ..
تكررت اللقاءات بينهما مابين بيت الصديقة والحديقة العامة و الهاتف … أوقات كانت تسرقها من زمان خاضع للعادات والتقاليد يضع الفتاة تحت رقابة شديدة منعا للقيل والقال ..
لكن الأمور لاتكون دوما كما نحب ..
وكانت اللحظة التي غيرت مسار حياتها للأبد .. حين لمحها أحد أخوتها تجري حديثا عابرا معه في أحد الشوارع العامة ..
تناسى الأهل أنها ابنتهم و أنها تملك الحق بالحياة وبالحب و أنها بسن مازال يحتمل الخطأ و الصواب وتذكروا فقط بأنها تجاوزت الأعراف و التقاليد و تخطت كل الحدود ..
كانت من عائلة كبيرة العدد .. تجاوز فيها عدد الأخوة والأخوات الأصابع العشر .. لذا كان العقاب كبيرا .. فكل منهم يريد أن يثبت لها خطأ فعلتها .. الأكبر منها و الأصغر .. تآمر الجميع عليها .. كأنها ارتكبت إثما لايغتفر ..
أوقفوها عن الدراسة .. منعوها من الخروج .. قطعوا سلك الهاتف .. لم تستسلم ولم يفعل هو .. تقدم لخطبتها .. رفضوه و بقوة لاتراجع فيها بحجة عدم التكافؤ بين العائلتين .. ففي عائلته أشخاص خارجين على القانون عليه هو أن يدفع الثمن لهذه الحياة نيابة عنهم ..
وحين أصرت عليه .. أقسم والدها بأن يزوجها لقريب لها سبق أن طلبها .. وقد كان .. وزفت لذلك الزوج بكفن أبيض جميل وبجسد يحمل أثار حزام والدها الجلدي عليه .. وسط تهليل من حولها ..
لتنتهي اليوم بسبع وعشرون عاما .. وابنتان .. وزوج لم تستطع أن تحبه أبدا .. لطالما وقف بينهم شبح ذاك الحبيب .. لاتلوم نفسها على ذلك أبدا …
كل لومها فيما آلت إليه حياتها موجها لأهلها بالدرجة الأولى وللزوج الذي قبل بها وهو يعلم تمام العلم أن قلبها في مكان أخر .. و أماهو فقد غادر البلاد بعد زواجها بشهر .. وكان مقلا جدا بزيارات الوطن ..
كانت تجلس وحيدة بصالة الفندق حين وقعت عيناها عليه .. تنهد قلبها بكل قوته .. هي المرة الأولى التي تراه فيها .. رغم متابعتها الدائمة لأخباره ومعرفتها بزواجه و نجاحه بعمله و الثروة التي كونها في الغربة …
ابتسامتها كانت كافية لتجعله يقبل عليها .. تصافحا بلهفة سبع وعشرون عاما .. وشوق تعدى حدود المكان والزمان ولم يتجاوز تشابك الكفين معا …
قالت : لم تتغير
قال : تغيرت وكثيرا .. فقط الجزء الذي تسكنين مازال كما هو ..
كلمة لطالما حلمت بسماعها .. وكم تتمنى اللحظة لو أن هذه الكلمات لم تطرق سمعها البتة .. أي عمر سيمضي بعد هذا اللقاء .. ؟ وأي حزن ستجتره أيامها بعد اللحظة … ؟
لم يسمح الموقف بأكثر من ذلك ..
غادر على وعد الإتصال بها والتواصل .. واللقاء قريبا على أرض الوطن ..
لكن للقدر دوما تصاريفه ..
أيام قليلة فقط مرت على عودتها من تلك الرحلة .. قبل أن تتلقى اتصالا من إحدى شقيقاته تخبرها بوفاته .. تلك الشقيقة التي وضعها بصورة فرحته بذاك اللقاء اليتيم ..
اليوم في قلبها عتب خفي على القدر .. و جملة لاتتوقف روحها عن تكرارها … و دموع عادت تفتح مجرى ثابت لها على صفحة وجهها …
كان يكفيني أن أموت مرة واحدة ياالله .. لما أحييتني و أعدت قتلي من جديد ..

1 تعليقك

  1. لللاسف حصلت كثير مثل هذا النوع من القصص
    التي كوت فيها قلوب المحبين ،
    قصة رائعة تحياتي للكاتبة 🌺

اترك رد