حلوى راسمالية


 

خلف كل فكر ونظام كمية هائلة من الرمزية والدعاية التي تكون بمثابة صمام انقاذ واستمرارية داعمة، الشيوعية مثلاً، لايكاد يخفى اهتمامها بالشعارات والدعايات التي تلامس معاناة الكادحين، خاصة مع اضافتها النكهة الحماسية الحمراء التي جعلت منها حلول افلاطونية في تفكير السذج.

لكن مع ذلك عندما نتمعن نجد بان الشيوعية ليست الوحيدة التي تمارس هذه الرمزية ان صح التعبير، وان اعتادت رؤيتنا على فردية الشيوعية بهذا الجانب.

انما الراسمالية الاميركية اصبحت تمارس هذه الدعاية والرمزية بشكل يفوق جدارة الماكنة الشيوعية، لدرجة احتلت العالم بانتشارها، حيث لايكاد يمر يوم تتصفح فيه على مواقع التواصل والويب الا وقفزت امامك عناوين ذات معاني ساذجة عند الوهلة الاولى من التفكير.

ك تعرف على قصة ونصائح بيل غيتس لتكون ثريا، واليك عشرة خطوات مضمونة لتصبح ملياردير، وحصري ملخص كتاب كيف تكون اغنى رجل خلال ثلاثة ايام، وشاهد قصة المليادير الاميركي بعدما كان عامل نظافة، وبعيداً عن الجانب الاقتصادي تأخذ اشكال اخرى مثل كيف تكون رئيسا دليلك لتكون ذلك، من اجل ان تكون فنان مشهور والخ.

المضحك في الامر يحاول يشعرك كتاب هذه الكلمات والمحاضرين، بتصنع مبتذل بان هذه القصص واقع يمكن تحقيقه بسهولة، في حين هؤلاء وغيرهم ليسوا سوى منعطفات تاريخية والا هل شاهد احدكم بيل غيتس ثالث او نابليون رابع او زعيم عاشر!

هذا الدفع والدعاية هي ضمن اطار ما يعرف بالتنمية البشرية التي لانقول هي من تأسيس الرأسمالية حرفياً لكنها ضمن سياسة وطرق الرأسمالية لمواجهة اشكاليتها.

التي ابرزها من ضياع الفرص وكثرة البطالة واليأس نتيجة سيطرة الاغنياء واحتلال المادية كل مناحي الحياة، التي جاءت كحلوى تقدم لضحايا العالم الراسمالي الضائعين بين جشع الاغنياء من اجل تحقيق حاجاتهم المادية وبعبارة لطيفة من اجل ان تقدم لهم الدعم النفسي للاستمرار في ذلك الكفاح.

اي ان محاولات ابعاد علاقة التنمية البشرية بالرأسمالية، صعبة للغاية وان كانت بداية هذا الحقل المعرفي تعود بعد الحرب العالمية الثانية عقب التنمية الصناعية كما يقول انصارها.

مع ذلك لسنا بصدد انتقاد التنمية البشرية وان كانت ليست بعلم والكثير من اسسها غير علمية صحيحة، ولا حتى نرغب بالانتقاص، فالتنمية البشرية حقل مهم ومطلوب سواء في العالم المادي الذي تشتد فيه المنافسة وقلة الفرص او العالم المفلس الذي لاتتوفر فيه الفرص اصلاً، لكن الى حد معقول.

حيث من السخف انا كعراقي عندما تكون محفظة نقودي في حالة من الافلاس تتسع اربع طائرات ايرباص إيه 380, يأتي محاضر يحدثني عن قصة اقامة ثروة خلال سنة ونصف، والاسخف يحدثني عن قصة نجاح خيالية وانا عاجز عن توفير ابسط حقوقي في هذا البلد، او يحدثني عن ادارة الوقت والطموح وجنابه تاخر عن المحاضرة بسبب ازدحام في نقطة التفتيش!

هذا المثال يمكن القول بانه الواقع الجاري في الية التنمية البشرية في العراق، فضلاً عن كونها اصبحت متبذلة الى حد يمكنك ان تكون مدرب تنمية بشرية خلال ثلاثة ايام، والى انها تجارة ايضا عن طريق تقديم شهادات مقابل اجور مادية من مراكز مصرية مجهولة التي بقدرة قادر دائما ما تكون حاصلة على اعتراف من الجامعات الدولية!

اي ان واقعها-التنمية البشرية- اليوم في العراق، بدائي بكل ما حملت الكلمة من تاريخ، وهذا امر مؤسف خاصة واليوم الشعب العراقي بحاجة لمثل هكذا حقل معرفي يتناسب مع عقلية وواقعه وتفكيره من اجل النهوض به الى مستويات اعلى من التفكير والنجاح، نتيجة الحروب والصراعات التي عانى ولازل يعاني منها، والا يكون دخول هذا الحقل الى العراق، كدخول الساسة الحاكم عقب الغزو الاميركي حيث لافائدة من الدخول ولافائدة من الندم على هذا الدخول!

لا تعليقات

اترك رد