فيتنام من العداوة للمصالحة الحقيقية


 
الصدى - فيتنام

عد فيتنام واحدة من أهم دول العالم في الكثافة السكانية إذ يتوزع كل 250 شخص او أكثر قليلا على مساحة كيلومتر مربع واحد.

والسبب يعود كون فيتنام بلد مائي ويحدها من الشرق بحر الصين على طول اكثر من (2000 ) الفين كلم . وابتداء من هانوي في الشمال نزولا عند سايغون (تغير اسمها بعد التحرير الى هوشي منه) في الجنوب نمر بعدد كبير من المدن العامرة حيث تشتمل اليوم فيتنام على 62 محافظة. وخارطة فيتنام طولية وضيقة جدا، وانعكس هذا على تصميم الابنية والمنازل ، اذ تلاحظ العديد من تلك البنايات بواجهات اقل من المترين وممكن ان تمتد بعمق يصل الى اكثر من خمسين مترا ورما قلة اليابسة هي التي دفعتهم الى هذا الطراز من البناء.

لقد تم تحديد الخط الفاصل بين الشمال والجنوب عند مدينة دا نانج Da Nang تقريبا الواقعة على خط عرض 17 وبذلك انقسمت فيتنام التي تمتد طوليا على مسافة تزيد عن 2000 ألفين كيلو متر! الى قسمين الشمال والجنوب وكلاهما يضم مجموعة كبيرة من المدن. وجرى ذلك التقسيم خلال منتصف الخمسينيات من القرن الماضي في السنوات الأخيرة لتواجد الاستعمار الفرنسي . تم بعد ذلك تواجد حكومتين، شيوعية في الشمال ( هانوي) وراسمالية في الجنوب ( سايغون – هوشي منه بعد التحرير). ونتيجة للدعاية الأمريكية ضد حكومة هانوي تحت شعار ” مريم في خطر”! انتقلت آلاف العوائل الكاثوليكية من الشمال إلى الجنوب وحدثت هجرة معاكسة ولكن بشكل أقل خوفا من بطش حكومة سايغون العميلة بالشيوعيين والمقاتلين المتخفين. عندما بدأ تحرير فيتنام دخلت قوات الثوار إلى المدن التي سقطت بأيديهم. لقد ذكر لي بعض كبار السن من مدينة سايغون – هوشي منه، الذين يتحدثون الفرنسية، بأن القوات الأمريكية المنسحبة قد أخذت معها العديد من المتعاونين مع حكومة سايغون. وعدد كبير من سكنة الجنوب توجهوا إلى ميناء سايغون للهرب عبر بحر الصين ، وهو ما يفسر وجود جالية فيتنامية كبيرة في فرنسا على سبيل المثال تشكلت ملامحها في منتصف عام 1975. ويضيف المسنون ” تفاجئنا بأشكال الثوار..كانت ملابسهم رثة . معظمهم حفاة متسخين وقد احتلوا عدد من المباني الحكومية وبعض الدور التي هجرها أصحابها! إلا أن الحكومة الجديدة أصدرت تعليمات مشددة في هذا الشأن، تلتها حملة كبرى للمصالحة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد . ووزعت انذاك آلاف البوسترات التي تدعو لهذا الغرض ” وسرعان ما استجاب المواطنين لهذا المسعى.
كانت مشكلة أخرى في سايغون المحررة تواجه ثوار الشمال وهي وجود عدد كبير من ” بائعات الهوى “، إذ ان الإدارة السابقة حولت المدينة إلى ماخور للضيف الأمريكي!

وتم حل هذه المشكلة من خلال دمج هؤلاء النسوة في المجتمع مجددا من خلال إيجاد فرص عمل حقيقية لهن سواء في المزارع ام في المعامل. ما لاحظته في زيارتي الاخيرة لفيتنام هو عدم وجود أي شعار او لافتة تذكر او تندد بالحقبة السابقة، إذ اعتبروها صفحة من الماضي طويت الى الابد. ولم الاحظ وجود اي شحاذ في كل المدن التي زرتها! كما تخلو المدن الفيتنامية من صور الزعماء والقادة باستثناء صورة القائد التأريخي هوشي منه المنتشرة في معظم المدن.

اللغة الفيتنامية والديانة البوذية بشكل عام هما اللذان يشكلان عناصر الوحدة الاساسية بين الشمال والجنوب. هناك اقليات تتحدث اللغة الصينية والكومبودية والخمير.

قلة اليابسة وارتفاع نسبة الكثافة السكانية دفعت الفيتنامي ان يتأقلم بطريقة عملية مع هذا الواقع، فراحت المطاعم الشعبية، على سبيل المثال، والتي تستخدم الارصفة المقابلة لمطاعمها، باستخدام كراسي صغيرة ( تشبه كراسي الاطفال، ولكنها للكبار) تجتمع حول طاولات صغيرة ايضا من اجل الاقتصاد بالمكان. ففي رصيف واحد طوله مائة متر يمكن ان تشاهد الاف الناس من السواح واهل البلد وهم يتناولون وجباتهم على الارصفة المتقابلة . تلك الوجبات تتكون من المشويات على مختلف انواعها، وبالاخص البحريات،ومن المرق والشوربة (السوب). ويعد الرز المرافق الرئيس لمعظم الوجبات، وبالمقابل لا تحبذ تلك المطاعم استخدام الخبز الا ما ندر، ونفس الشيء بالنسبة للشاي الاسود فهو نادر الاستخدام في تلك المطاعم والمقاهي لانهم يحبذون الشاي الاخضر الذي يقدموه قبل وجبة الطعام.

ولقلة الامكنة يمكن لك ان تجد على الارصفة “حلاق” اتخذ من احدى زوايا الشارع مكانا له وهو مرخص من بلدية المدينة وفق اجر معلوم للمكان!

كل يوم يموت اربعون فيتنامي بسبب حولدث الطرق والسبب يعود لكقرة الدراجات النارية، اذ ان ندرة المكان انعكست على قلة استخدام السيارات، فنلاحظ الاستخدام الواسع للدراجات النارية في كل المدن الفيتنامية وبالاخص عاصمة الجنوب الاقتصادية سايغون ـ هوشي منه التي يبلغ عدد نفوسها سبعة ملايين بينما عدد الدراجات النارية في المدينة خمسة ملايين!! واذا ما طرحت من اعدد نفوسها الاطفال والشيوخ فسيكون نصيب كل مواطن دراجة ونصف!

لا تعليقات

اترك رد