تداعيات اضطهاد الروهينغيا في ميانمار .. وجهة نظر امريكية !!


 

Insurgency and Repression in Myanmar ,
From Communal to State Violence
By : Lynn Kuok
Foreign Affairs – Thursday , February 23 , 2017

المقالة التي اقدمها ظهرت في مجلة فورين افيرز الامريكية الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الامريكي احد اهم مراكز التفكير الامريكية في شهر شباط / فبراير الماضي .

لن اكتب مقدمة بشكل مقالة فقد أغنانا الدكتور عبدالحسين شعبان بمقالة وافية عن الموضوع في الثامن من هذا الشهر على موقع الصدى واقترح على من يبغي المزيد العودة اليها لانها تتضمن اساسيات قضية الروهينغيا في معطياتها الواقعية والحقوقية على حد سواء ، لذا سأكتفي بملاحظات موجزة وأُقدِّم المقالة مباشرة .

تكمن أهمية المقال في انه يمثل جرس إنذار يشير الى ظهور بؤرة عنف وعنف مضاد في احدى مناطق العالم البعيدة عن الأنظار وهي بورما ، او ميانمار وفق تسميتها الحديثة ؛ هذا العنف والعنف المضاد قد يتحول ، وهو سيتحول على الأغلب ، الى بؤرة صراع وعنف ديني جديدة بعد ان تحول بعض افراد الروهينغيا الى السلاح للدفاع عن وجودهم الفردي والجماعي ، وستجد منظمات العنف العابرة للحدود قضية جاهزة لتبنيها وتأجيجها فيما يستطيع مجلس الامن الدولي تلافي ذلك من خلال فرض حمايته على أقلية صغيرة من عملية الإبادة المنظمة التي تتعرض لها ، او على الاقل الزام حكومة ميانمار بقرار آمر لوضع حد لهذه المأساة الانسانية .

تتعرض هنالك أقلية عرقية – دينية اسمها الروهينغيا الى حملة اضطهاد منظمة منذ وقت طويل يعود الى أواخر الأربعينات تاريخ نيل ميانمار استقلالها عن بريطانيا . كانت السلطات البريطانية تستهدف هذه الأقلية خلال السنوات التي اعقبت الحرب العالمية الثانية لانها كانت ترفض استمرار الاحتلال البريطاني . لقد منحت بريطانيا الاستقلال الى ميانمار شريطة ان تمنح الاخيرة المكونات العرقية – الدينية ، ويزيد عددها عن ١٣٠ ، حقها في ادارةٍ شؤونها وتقرير مصيرها خلال عشرة سنوات من تاريخ الاستقلال اذا رغبت بذلك ، وهو ما لم تفعله حكومة البلاد بالنسبة لاقليم اراكان موطن الروهينغيا المسلمين وأقلية بوذية صغيرة تدعى ( الماغ ) واستمرت في احتلاله مع رفض الاعتراف بسكانه المسلمين على انهم مواطنون او بأنهم عرقية – دينية ميانمارية .

الروهينغيا أقلية عرقية مسلمة تقطن اقليم اراكان في شرقي البلاد وتعود اصول غالبيتهم الى تجار مسلمين استوطنوا هنالك منذ القرن العاشر الميلادي الا ان حكومة ميانمار تصر على اعتبارهم بنغاليين نزحوا اليها اثناء حرب استقلال بنغلاديش التي كانت تدعى پاكستان الشرقية حتى استقلالها عام ١٩٧١ لتبرير عدم منحهم الجنسية وحرمانهم من جميع الحقوق الطبيعية للمواطن او حتى المقيم بشكل دائم مثل تملك الاراضي ، كما تفرض عليهم قيوداً تتعلق بالتنقل والعمل والزواج وتبديل الديانة ، والاسوأ ان الحكومة الرسمية للبلاد تبنت عمليات الاضطهاد والتطهير التي كانت تمارسها بحقهم القيادات الدينية البوذية ، بينما يشير التاريخ الموثق الى ان اراكان كانت حتى الاحتلال البريطاني خلال الموجة الاستعمارية الكبرى سلطنة إسلامية مستقلة توالى على حكمها اكثر من أربعين سلطاناً ويعود احد اهم أسباب مايعنيه مسلموها الى التحريض البريطاني للبوذيين ضد مسلمي البلد لانهم كانوا اكثر من قاوم الاحتلال البريطاني شراسة .

هنالك مصالح دولية متنوعة ، وخاصة امريكية وبريطانية وصينية وكورية ، في البلاد تحول دون السماح للمجتمع الدولي بأخذ دوره المطلوب في هذه القضية . لقد انشغل العالم لفترة من الوقت بقضية اضطهاد واعتقال شخصية واحدة في هذه البلاد وهي المعارضة المشهورة اونغ سان سو تشي الحائزة على جائزة نوبل للسلام وابنة الزعيم التاريخي الذي قاد بلاده نحو الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية بعد ان قاد المقاومة ضد الاحتلال الياباني الذي طرد البريطانيين من البلاد خلال تلك الحرب . تعرضت هذه السيدة للقمع السياسي على يد الحكم العسكري الذي تسلم الحكم مطلع الستينات الامر الذي اثار موجة احتجاج عالمية نالت على اثرها هذه السيدة جائزة نوبل للسلام . استمرت الضغوط الدولية على الحكم العسكري مما ادى الى تراجع العسكر خطوة الى الوراء وتم السماح بقدر من الديمقراطية وتولت السيدة المذكورة رئاسة الحكومة على اثر انتخابات عامة . هذه السيدة ترفض اليوم القيام بالدور الذي ترتبه عليها الالتزامات الاخلاقية المترتبة عن حملها جائزة نوبل السلام وكجزء من رد الدين الذي في رقبتها نحو الانسانية التي التزمت قضيتها العادلة في يوم من الأيام . لقد قالت مؤخراً بعد صمت طويل ان هنالك ترويج لجبل من الاكاذيب حول الامر ، وبدات بالعزف على اوتار قضية الاٍرهاب . ان كانت هنالك عمليات عنف لجأ اليها بعض افراد الروهينغيا فهي ردود افعال على عمليات القتل الجماعي والتهجير المنظم التي تجري منذ عقود طويلة على يد سلطات بلادهم التي ترفض الأعتراف بوجودهم رغم انهم يعيشون في البلاد منذ الف عام تقريباً .

ان مايحصل في ميانمار بحق الروهينغيا هي عملية تطهير عرقي على خلفية عرقية – دينية باجماع المراقبين من المنظمات الدولية ومراكز الأبحاث والشخصيات الدولية المستقلة . لاينبغي للعالم ان يسكت عن هذه الجريمة المستمرة تحت تأثير مصالح معينة تعيق ذلك . ان تكرار هذه الظواهر في فلسطين وميانمار وأماكن عديدة من العالم يلغي آية قيمة اخلاقية او قانونية للمبادئ التي تم إرسائها خلال العصور الحديثة وخاصة في المرحلة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية وهي مرحلة اصطلح على تسميتها بعصر حقوق الانسان . ان القواعد التي تنظم هذه الحقوق وتعرفها ليست خياراً أخلاقياً بل انها قواعد آمرة في القانون الدولي وهي واجبة المراعاة تحت اي ظرف وبموجبها فان اي عمليات اضطهاد ممنهجة ضد آية مجموعة بشرية على خلفية العرق او المعتقد او اللون او اللغة او الجنس يعتبر جريمة ضد الانسانية تستوجب المتابعة القضائية الدولية والعقاب .

المعلومات التي تستند اليها المقالة التي اقدمها هي التي توفرت حتى شهر شباط / فبراير من هذا العام ، ولكن الحقائق على الارض تفاقمت كثيراً منذ ذلك التاريخ حيث بلغ عدد لاجئي ميانمار من الروهينغيا الذين وصلوا بنغلاديش حوالى نصف مليون لاجئ وهو يعادل ثلث عدد افراد هذه المجموعة البشرية ، وهنالك معلومات موثقة حول عشرات القرى التي تم تدميرها وإحراقها على يد القوات الحكومية فضلاً عن آلاف القتلى من الرجال والنساء والأطفال . تجري عمليات تصفية بشعة وبأساليب وحشية فضلاً عن ممارسات الاغتصاب بحق النساء والفتيات الصغيرات ، ومقابل ذلك تعلن رئيسة الحكومة سوتشي المؤمنة بمبادئ غاندي السلمية ان الأخبار الخاصة بذلك حهي ” جبل من الاكاذيب ” ، وهي بذلك تستهين وتعلن احتقارها للجهات الدولية التي قامت بإعداد التقارير الخاصة بهذه الانتهاكات ، وهي ذات الجهات التي اوصلت السيدة سوتشي الى جائزة نوبل للسلام والى المكانة العالمية التي تتمتع بها كأيقونة للسلام .

لعل الاخطر هو ما اشرت اليه آنفاً وهو ان تجاهل مشكلة الروهينغيا ، عدا كونه يتناقض مع كل قواعد حقوق الانسان ، سيقود الى خلق بؤرة جديدة للعنف وربما الارهاب الذي يجعل من البلاد مكاناً خطراً بالنسبة للجميع .

كاتبة المقال زميلة في معهد بروكنغز الشهير / قسم دراسة السياسات في شرق اسيا وهي ايضاً خبيرة في القانون الدولي ، وقد تم نشر المقال في مجلة فورن افيرز كما اسلفت وهي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية . ان ورود اسمي بروكنغز ومجلس العلاقات الخارجية على خلفية هذه المقالة يمنحها أهمية كبيرة وتعكس الى حد كبير طبيعة تفكير اوساط واسعة من النخبة المعنية بالشؤون الدولية في الولايات المتحدة .

لنتابع ….

منذ تشرين الثاني / أكتوبر ٢٠١٦ بلغ عدد افراد أقلية الروهينغيا المسلمة الذين هربوا من ميانمار ذات الأغلبية البوذية ستة وستون الفاً { ملاحظة : بلغ العدد حالياً مئات الالاف والهرب من القتل والتعذيب مستمر } . ترك هؤلاء ولاية أراكان الواقعة غرب البلاد الى بنغلاديش المجاورة ويقومون بعبور النهر الفاصل بين البلدين بواسطة قوارب واطواف متهالكة . ان الروهينغيا يواجهون عقوداً من الاضطهاد ، وهم اليوم لايغادرون بلادهم هرباً من اضطهاد البوذيين لهم ولكنهم يهربون من اضطهاد حكومتهم .

لقد اعلنت السيدة سوتشي رئيسة حزب العصبة الديمقراطية الوطنية ورئيسة حكومة البلاد عام ٢٠١٥ ، بعد فوز حزبها في الانتخابات ، ان أولوياتها تكمن في احلال عملية سياسية تعالج النزاع المسلح بين العرقيات والحكومة في أطراف البلاد واكدت في اوائل عام ٢٠١٦ انه لايمكن عمل شيء في البلاد قبل احلال السلام فيها .

إعلانات السيدة سوتشي لم تتحقق على ارض الواقع حيث تم التراجع عنها وأعلن احد قياديي حزبها وهو السيد يو ون ان لدى الحزب أولويات اخرى غير مشكلة الروهينغيا ، وهي أقلية تسعى لنيل الاعتراف بها كأقلية مسجلة رسمياً شانها شأن ١٣٥ اقليات عرقية اخرى ، وتصر الحكومة على اعتبار أفرادها مهاجرين غير شرعيين قدموا من بنغلاديش ؛،وكان قد صدر عام ١٩٨٢ قانون يقضي بحرمان افراد هذه العرقية من حقوق الجنسية الميانمارية .

انطلقت في اقليم أراكان عام ٢٠١٢ مظاهرات ادت الى صدامات عنيفة بين الروهينغيا والمنظمات البوذية واعلنت الحكومة حالة الطوارئ . منذ ذلك الحين وعمليات النزوح الجماعي تتوالى حيث يحرم افراد الروهينغيا في قراهم من ابسط متطلبات العيش والتعليم والرعاية الصحية . يحرم افراد الأقلية هذه من حرية التنقل وفرص العمل والتسهيلات الاخرى . ان هذا الوضع المزري مستمر منذ عقود في اراكان اكثر ولايات البلاد فقراً .

في خضم هذا اليأس لجأ بعض افراد الروهينغيا الى العنف . ففي التاسع من تشرين الاول / أكتوبر ٢٠١٦ قامت مجموعات رهينغية مسلحة بمهاجمة عدد من مراكز الشرطة الحدودية شمالي اراكان وقتلت تسعة من افراد الشرطة واستولت على أسلحة واعتدة ، وبعد حوالى شهر قُتِل ضابط من القوات الحكومية في صدام مع مجموعات مسلحة .

تؤشر هذه الحوادث بداية نشوء حركة تمرد مسلح تطلق على نفسها ( حركة اليقين ) وتقودها مجموعة روهينغية لاجئة تقيم في السعودية . تتمتع المجموعة بتدريب من مستوى دولي وهي تمنح نفسها شرعية دينية من خلال فتاوى دينية اصدرتها جهات دينية محلية واجنبية ، لكن المجموعة ، ووفقاً لمجموعة الأزمات الدولية ، تؤكد انها محلية الطابع وان هدفها هو ايقاف الاضطهاد الذي تتعرض له الروهينغيا وضمان حقوق أفرادها في الحكم الذاتي كمواطنين ميانماريين .

اتجه رد فعل السلطات نحو الرد المسلح باستخدام القوة المميتة في عمليات تطهير مسلحة هدفها الرسمي المعلن هو القبض على افرا التنظيم المسلح . لقد تم منع الاعلام والمنظمات غير الحكومية من دخول المنطقة مما استحال معه معرفة الحقائق على الارض ولكن موظفين في الامم المتحدة يشيرون الى مقتل اكثر من الف روهينغي في تلك العمليات . يشير تقرير صدر عن المفوض السامي لحقوق الانسان في الامم المتحدة الى ان هنالك هجمات ممنهجة واسعة النطاق تقوم بها القوات الأمنية الحكومية ضد الروهينغيا وتتضمن قتلاً خارج القانون والاغتصاب والتعذيب واحراق الممتلكات . اشار التقرير الذي أعد استناداً لشهادات ادلى بها الروهينغيا الذين فروا الى بنغلاديش الى مايقترب من جرائم ضد الانسانية ترتكب في ولاية أراكان . تتعرض النساء هنالك للاغتصاب واشكال اخرى من الاعتداءات الجنسية وان مرتكبي ذلك هم افراد القوات المسلحة الحكومية بشكل أساسي اضافة الى الاغتصاب الذي تمارسه الشرطة وبعض افراد القرى . اما منظمة ( هيومن رايتس ووتش ) فقد وجدت ان القوات الحكومية ترتكب اعمال الاغتصاب الجماعي وعمليات التفتيش الجسدي القاسي والاعتداء الجنسي ضد نساء وفتيات الروهينغيا ، وهي معلومات تتوافق مع معلومات منظمات دولية اخرى .

في مواجهة تزايد الأدلة على وجود انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان فقد أصدرت وزارة خارجية ميانمار بياناً في الثامن من شباط / فبراير اشارت فيه الى ان لجنة التحقيق الحكومية الخاصة بأراكان ، التي شكلها مكتب الرئاسة من تسعة أعضاء ، ستنظر في اتهامات الامم المتحدة ووعدت الخارجية بانه سيتم معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات ان وجدوا .

السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بمدى موضوعية اللجنة الحكومية المشار اليها . لايوجد بين أعضاء اللجنة شخصيات اجنبية او دولية ولا مراقبين من هذا النوع ويرأسها نائب الرئيس مينت سو وهو رئيس سابق للاستخبارات العسكرية ايام الحكم العسكري . أعربت اللجنة في تقرير مؤقت تم إطلاقه في شهد كانون الثاني / يناير الماضي انه لاتوجد عمليات تطهير عرقي او اضطهاد ديني في المنطقة رغم ان تحريات اللجنة بشأن الادعاءات الخاصة بتدمير الممتلكات وإحراقها والتعذيب والتغييب القسري كانت ماتزال جارية . كما اشارت اللجنة الى عدم توفر ادلة تكفي لتشكيل ارضية قضائية حول مزاعم الاغتصاب ، وقد بادر مكتب رئيسة الحكومة ، اثر نشر هذا التقرير ، الى إصدار بيان يزعم بان ادعاءات الاغتصاب هي ادعاءات مفبركة ورداً على اتهام القوات الأمنية قامت بمسح بعض القرى عن وجه الارض قامت الحكومة والجيش باتهام الروهينغيا بإحراق منازلهم ولكن ثلاث تقارير تحليلية مستندة الى صور الأقمار الصناعية اتبتت زيف ادعاءات الحكومة . تشير الصور الى وجود عمليات احراق منظمة متناسقة مع تقدم القوات المسلحة على الارض .

لقد شكلت رئيسة الحكومة سوتشي لجنة استشارية في اب / اغسطس ٢٠١٦ من ستة شخصيات محلية وثلاثة خبراء دوليين من بينهم كوفي عنان الأمين العام الاسبق للأمم المتحدة ، لكن ولاية اللجنة محددة وهي ليست مخولة بالتحري حول الانتهاكات التي تقوم بها القوات الأمنية وتم تحديد مهمتها بتقديم مقترحات حول التنمية والمساعدات الانسانية والمصالحة ومنع نشوب النزاع وتعزيز المؤسسات . لذا فان ما ستقدمه اللجنة لن يساعد على تخفيف وطأة البطش الذي تمارسه القوات الأمنية او انهاء الأزمة الانسانية القائمة حتى لو وضعت التوصيات التي ستقدمها اللجنة موضع التنفيذ { ملاحظة : قدمت اللجنة تقريرها بالفعل وكان مخيباً للامال وساطته روح المجاملة } .

هنالك سببان يدعوان للقلق بشأن مايجري في شمال اقليم اراكان اضافة للمعاناة الانسانية :

الاول ، ان التطورات الاخيرة تشير الى تصلب مواقف الطرفين ومن المتوقع ان يتصاعد العنف . ان الجماعات الروهينغية المتشددة كانت موجودة منذ السبعينات الى التسعينات وقد كانوا لايتمتعون الا بقليل من الدعم المحلي ، لكن ماكان متاحاً لحركة اليقين ان تنفذ عملياتها الاخيرة دون وجود بيئة حاضنة محلية . من المؤكد ان العقاب الجماعي الذي تنزله القوات الأمنية بالسكان دون تمييز تؤدي الى زيادة اعداد الروهينغيا الذين يتجهون الى العنف باعتباره الحل الوحيد لمواجهة الاضطهاد .

ان هنالك خطورة قائمة في ان تتوسع عمليات حركة اليقين لتشمل عناصر اجنبية تحت مبررات دينية فضلاً عن قيام علاقات بين هذه الحركة والحركات الجهادية الدولية التي ماتزال محدودة في الوقت الحالي . ان قيام القوات الحكومية باحتلال المساجد واحراق القران واغتصاب النساء والفتيات داخل المساجد من شانها اثارة المشاعر الدينية العنيفة .

الثاني ، ان تصاعد وتائر الصراع من شانها الاساءة الى العلاقات البوذية – الاسلامية المتوترة اصلاً . لقد هجر ٣٠٠٠ بوذي مواطنهم في شمالي اراكان خوفاً من اعمال الرد الانتقامي . في ميانمار يتم النظر الى الروهينغيا وبقية المسلمين على انهم اجانب يهددون الأمة لانهم يتكاثرون بسرعة وأنهم أغنياء ومختلفون . ان المسلمين وفقاً لهذه الرؤية يتوالدون بمعدلات تفوق تكاثر البوذيين وأنهم يستخدمون إمكانياتهم المالية لإغراء النساء البوذيات لتحويلهن الى الاسلام كما انهم مختلفون من حيث المعتقدات واللباس .

ان ردود الفعل الحكومية ضد اعمال التمرد التي تمت من شانها تفتيت عرى الأواصر الاجتماعية . يتعين على الحكومة ف ميانمار ان تتولى زمام الأمور بحزم وتزيل مخاوف الروهينغيا وقلقهم بشأن اوضاعهم ومستقبلهم من خلال الادانة الصريحة لاعمال العنف التي ترتكب بحقهم وبتأكيد القيمة الانسانية للروهينغيا في حياة البلاد . لكن الحكومة تقوم بالعكس حالياً من خلال شرعنة الاضطهاد ، اضافة للبطش الذي تنزله القوات الأمنية مما ادى الى تردي الوضع الإنساني . تبقي الحكومة على المواد المتعلقة بما يسمى ( العرق الوطني وقوانين حماية الدين ) نافذة في إطار المدونات التشريعية . هذه القوانين تمنع الزواجات المختلطة بين الأديان كما تحرم تعدد الزوجات وتمنح الحكومة الحق في تحديد الخصوبة البشرية من خلال تحديد الفترات المسموح بها للحمل عند النساء في المناطق المسلمة . ينظر لهذه القوانين على انها موجهة ضد المسلمين تحديداً وهي تستهدف اعاقة نمو السكان المسلمين .

لقد اعلنت رئيسة الحكومة سوتشي ان حكومتها ملتزمة بوضح حل للنزاع في اراكان ، ولكنها طلبت إمهالها الزمن الكافي لكي تؤتي جهودها أكلها . لكن ينبغي للاجراءات التي تقوم بها القوات الأمنية على خلفية اعمال التمرد ان تميّز بين المدنيين والمتمردين ، كما ينبغي للحكومة توفير ممرات امنة الى المناطق المتضررة وان تسمح للمراقبين الدوليين والإعلام الوصول الى هنالك لتكوين صورة واقعية عما يحدث .

يوجه بعض المراقبين اتهاماتهم لرئيسة الحكومة سوتشي بانها أدارت برأسها عما يجري في اراكان وبذلك فضحت مدى محدودية سلطاتها . ان العسكريين في ميانمار يسيطرون على الوزارات الاساسية وهي تحديداً : شؤون الحدود والدفاع والداخلية ، لكن سوتشي فشلت حتى في عمل بعض الأمور الاساسية والتي لاتتطلب تعاوناً من العسكريين مثل القيام بزيارة المناطق المتضررة او انهاء ظاهرة الإنكار الحكومي لوجود اخطاء . ان الرسالة التي بعث بها موقف سوتشي للعالم هو ان مايجري مقبول من جانبها .

ان التقدم في حل المشكلة ينبغي ان يبدأ بمنح الروهينغيا الجنسية الميانمارية . لقد واصلت سوتشي في البداية الطريق الذي بدأه قبلها الرئيس ثين سين والذي يقضي بالبدء باجراءات التحقق في حالات عدم توفر وثائق شخصية تمهيداً لمنح الجنسية للمسلمين ولكن تم ايقاف البرنامج لانه يقتضي من طالبي الجنسية الإقرار المسبق بأنهم بنغاليون وهو مايرفضه افراد الروهينغيا بسبب عدم توفر الشفافية والثقة بأعمال الحكومة .

كما ينبغي لحكومة ميانمار ان تضع برامج للإنعاش الاقتصادي وبناء وحدة المجتمع . ان تاكيد الهوية الوطنية يبدأ بخلق الفرص امام مختلف الأعراق والأديان بضمنهم المسلمين والبوذيين في اراكان وتنشيط التفاعل بين الطائفتين لتنمية الشعور بالامن الناجم عن الاندماج في الكيان الوطني للبلاد . هذه العملية تقتضي انها كل أشكال التعامل السابقة التي كانت تشجع الميول الجهوية والطائفية من خلال اندماج الجميع بالعيش والتعليم والعمل سوية .

اذا استمرت الحكومة بتجاهل مشكلة الروهينغيا فان العنف سينتشر . ان ذلك من شانه نشر عدم الاستقرار وتدمير الديمقراطية الهشّة في البلاد . ان استمرار المشكلة في أركان من شانه ايضاً ان يهزّ صورة ميانمار على المستويين الاقليمي والدولي . لقد خرجت التظاهرات الاحتجاجية في بلدان إسلامية عديدة مثل اندونيسيا وماليزيا ، ورغم ان زعماء منظمة آسيان ملتزمون بعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأعضاء الا ان رئيس وزراء ماليزيا نجيب رزاق وصف مايجري في اراكان بانه تطهير عرقي ضد الروهينغيا ، كذلك تعتزم منظمة التعاون الاسلامي إرسال بعثة عالية المستوى الى اراكان للقاء افراد من الأقلية المضطهدة .

لقد تم اعتبار رئاسة الحكومة سوتشي قديسة لوقت طويل فان هنالك الان توجه واسع لإدانتها كمرتكبة للخطيئة . حتى اذا ما ارادت ان ينظر اليها كسياسية فان عليها ان تنظر بجدية الى خطورة الوضع في اراكان ووجوب اتخاذ اجراءات قصيرة وبعيدة المدى لمعالجته ، وإلا فان ميانمار ستجد نفسها في عزلة دولية فيما تسودها الاضطرابات في الداخل ويتهدد البلاد عنف شامل .

شارك
المقال السابقالعرب يعانون استعصاء فكري مزمن – ج1
المقال التالىاحراز المركز الاول في الفساد

فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست … تخصص في الشؤون الإيرانية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد