تمخض الجبل … فانجب …


 

وأخيرا اسدل الاربعاء الفارط الستار على مسلسل التحوير الوزاري بإعلان رئيس الحكومة يوسف الشاهد ، من قصر قرطاج، التشكيلة الكاملة للوزراء الجدد.. تشكيلة تبدو من الوهلة الاولى أن أكثرهم جاء على مقياس مونبليزير وقرطاج للبقاء في قصر الحكومة بالقصبة . حكومة او كما سمها الشاهد ” حكومة حرب ” يريد من ورائها كسب التحديات الثلاثة الكبرى المطروحة على البلاد: الفساد والإرهاب وتردي الأوضاع الاقتصادية وخاصة المالية للدولة… و لكن السؤال الأبرز هل التحوير الوزاري هو تحقيق للنجاعة ام خلق للازمة ?

الأكيد أن الاجابة الكاملة عن هذا السؤال ستأتينا بها الأيام القادمة ولكن التحوير الوزاري الذي طال أكثر من اللازم أكّد بما لا يدع مجالا للشك أنّ الأزمة السياسية التي تعيشها تونس مردّها أساسا تعنّت أحزابها وتغليبهم المصلحة الخاصة على المصلحة العامّة، فالحزبان الأغلبيان لا تعنيهما مصلحة البلاد بقدر ما تعنيهما مصالحهما الخاصة؛ وأنهما يعتبران رئيس الحكومة رغم الصلاحيات الواسعة التي منحها له الدستور موظفا إداريا لديهما يأتمر بأوامرهما ويقف عند الحدود التي يسطرانها له . إنها الديمقراطية عندما تكون عرجاءَ في بلد متخلف يغلب على سياستيها التحزب الانتهازي.

صلاحيات الشاهد تصطدم برغبات الأحزاب

حسب الفصل 89 من الدستور التونسي من صلاحيات رئس الحكومة اختيار و تكوين الحكومة من وزراء وكتاب دولة ، ما عدا وزيري الخارجية والدفاع فإن اختيارهما يكون بالتشاور مع رئيس الجمهورية؛ ومن صلاحياته أيضا حسب الفصل 92 أنه يَخْتَصَّ بإحداث الوزارات وكتابات الدولة وتعديلها وحذفها وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها ولكن بعد مداولة مجلس الوزراء. ولكنّ هذه الصلاحيات تصطدم في كل مرة برغبات الأحزاب وخاصة احزاب اغلبية مجلس النواب التي ترى أنها أولى بتولي المناصب الوزارية، و لا تنظر إلى ما تقتضي المصلحة العامة للبلاد . فلا تترك الحرية لرئيس الحكومة ليختار الكفاءات الوطنية التي تستطيع أن تنجح في إنجاز ما تُكَلَّفُ به من المهام. خاصة و ان رئيس الحكومة في حاجة إلى كسب ثقة هذه الأحزاب في مجلس النواب لشخصه ولأعضاء حكومته الذين يختارهم. فلقد أعطى الدستور في ستة فصول منه أعضاء مجلس النواب صلاحيات واسعة في منح الثقة للحكومة ورئيسها وفي سحبها منهما، وبما أن عددا كبيرا من أعضاء المجلس يمثلون أحزابهم قبل تمثيل الشعب الذي انتخبهم، فإنهم غالبا ما يكونون متقيّدين تقيّدا صارما بما يمليه عليهم قادة أحزابهم في التعامل مع الحكومة رئيسا وأعضاء.

و ما يزيد صلاحيات رئيس الحكومة تعقيدا وتقييدا هي هذه الوثيقة التي سميت “وثيقة قرطاج” والتي حددت مهام ما سمي بحكومة ” الوحدة الوطنية ”

ثم إن المدة الافتراضية المعطاة للحكومة لتحقيق هذه المهام هي أربع سنوات تقريبا من سنة 2016 إلى سنة 2019 و من المفروض أن تعمل فيها الحكومة دون املاءات خارجية من “الشركاء” السياسيين و الاجتماعيين الممضين على ” وثيقة قرطاج “، ولكن الإملاءات قد بدأت مع تشكيل الحكومة الأولى وخاصة من الحزبين الأغلبيين في مجلس النواب .

كما تواصلت التدخلات بعد تشكيل حكومة 2016, خاصة بعد ما جاء من موقف حزبي النداء والنهضة من الحرب على الفساد التي كانت من محاور وثيقة قرطاج الأساسية، فالنداء اعتقدت قيادته أن الغاية من هذه الحرب هي إضعاف الحزب، وبدأت تناصب يوسف الشاهد العداء لأن من ملفات الفساد التي فُتِحَتْ ما يتعلق ببعض أعضائه. وأما النهضة اعترضت على فتح أي ملف فساد من ملفات أتباعها منذ فترة الترويكا . ويتضح من موقف الحزبين مما يقوم به رئيس الحكومة في حربه على الفساد أنهما كانا قد أمضيا على وثيقة قرطاج ومن أولويّاتها الحربُ على الفساد وهما يعتقدان أنهما منيعان محَصَّنان غير معنيين بهذه الحرب لأنهما فوق المحاسبة وفوْق القانون. اما اتحاد الشغل، فهو من المنظمات الوطنية الممضية على “الوثيقة” أيضا، لم يبخل على رئيس الحكومة بالتدخل إذ كان تدخله في سير الحكومة سافرا برضوخ قيادته لـ”شطحات” نقابات التعليم وتسبُّبه في إقالة وزير التربية ناجي جلول.

واليوم نفس سيناريو 2016 يعاد تقريبا. فقد تبين لرئيس الحكومة أن الوقت قد حان لإجراء تحوير وزاري في حكومته، سواء لسد الشغور في الوزارات التي خلت من وزرائها، أو لتعويض الوزراء الذين لم يحققوا في وزاراتهم ما يرضي من النتائج، بل إن منهم من كانت نتائج عمله سيئة مثل وزير الصناعة والتجارة زياد العذاري. وعوض أن تُتْرَكَ لرئيس الحكومة الحرية التي يضمنها له الدستور في اختيار أعضاء حكومته من الكفاءات الوطنية، فقد تدخل حزبا النداء والنهضة من جديد لإرباك عمله، وأول سبب للإرباك هو اختلافهما طولا وعرضا على طبيعة التحوير. فإن النداء يريده تحويرا شاملا يستفيد منه أكبر عدد ممكن من أتباعه بدعوى أنه الحزب الأغلبي الأول وأن الحديث عن “حكومة كفاءات وطنية” لا معنى له بل الأجدى أن تسند المناصب الوزارية إلى “سياسيين” أي ” متحزّبين ” حسب “محاصصة” حزبية يتفق عليها بين من تبقى من الممضين على وثيقة قرطاج. وأما حركة النهضة فأرادة أن يُكْتَفَى في التحوير بسد الشغور في الوزارات الثلاث المعنية وأن يُبقى على الوزارات الأخرى، وذلك يضمن لها الإبقاء على أمينها العام في وزارة الصناعة والتجارة وتجنبَ الإتيان بوجوه جديدة قد يكون منها المناوئ لها و الراغب في فتح المغلق من ملفات الفساد المتعلقة ببعض أتباعها .

وفى استقراءً للوضع العام بالبلاد، فمن المرجّح أن حكومة الشاهد الثانية ستكون مكبّلة وعاجزة عن إيجاد الحلول الناجعة لإخراج البلاد من مآزقها الواحد تلو الآخر. العجز بلغ أرقاما غير مسبوقة، الدينار يُستنزف والوضع الأمني غير مطمئن، والتكتلات الحزبية زادت المشهد السياسي قتامة حتى إنّنا أصبحنا نتحدّث عن تأجيل وشيك للانتخابات البلديّة المقبلة بدعوى عدم استكمال التحضيرات اللازمة. و عَلى يوسف الشاهد وحكومته أن يَحذروا من الألغام المزروعة في كلّ مكان . فالبلاد

اليوم لا تتحمّل أي صراع سياسي أو إيديولوجي جديد مثلما تريد ذلك بعض الأطراف على غرار رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي. كما أن الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة لن يكتب لها النجاح مادام “الشاهد” و ” الغنوشي” يقومان بحملاتهم الانتخابية المبكّرة على مصلحة البلاد الغارقة في المديونية والمحسوبية والفساد بأنواعه

نجح نداء تونس فيما فشلت فيه النهضة

يتدخل من جديد حزبا النداء والنهضة لإرباك عمل الشاهد . فبينما انكبّ رئيس الحكومة على إعداد قائمة وزرائه الجدد بما يتناسب مع طبيعة المرحلة ومقياسه في ذلك الكفاءات مثلما صرّح في أكثر من مناسبة، اختار المدير التنفيذي لحركة نداء تونس حافظ قائد السبسي فتح جبهة جديدة للضغط على الشاهد ومهاجمة النهضة . حيث نجح نداء تونس فيما فشلت فيه النهضة، فعيّن رجاله غصبا عن “الشاهد” العاجز عن اتخاذ القرار المناسب بدون دعم السبسي الأب ونجله . في المقابل أحدث التحوير الوزاري رجّة داخل حركة النهضة المنقسمة أساسا إلى نصفين غير متساويين: نصف يمثّل الأغلبية موافق على التصويت للحكومة الجديدة ، ونصف آخر رافض ; ” تغوّل ” النداء ومُرتبك من تعيين لطفي براهم لسيرته المُثيرة للجدل خاصة فيما يتعلّق بتعامله مع ملفّ الإرهاب في تونس .

.والخلاصة أن الحزبين الأغلبيين لا تعنيهما مصلحة البلاد بقدر ما تعنيهما مصالحهما الخاصة؛ ولكن لنعطي هذا الفريق الجديد فرصة في انتظار نتائجه الملموسة في الميدان و بغض النظر عن تقييم الوزراء فالأساس يبقى في طريقة اشتغال هذا الفريق الجديد . هل أننا سنكون فعلا أمام «حكومة حرب» كما يريدها يوسف الشاهد تقدم على الاصلاحات الجريئة متلاحمة متضامنة دون حسابات الربح والخسارة السياسية؟

والواضح على كل حال أن هذه هي فرصة الأمل الأخير لمنظومة الحكم الحالية … فبعد رئيسي حكومة وتغيير وزاري شامل لكل منهما لم يعد بالإمكان فرصة جديدة فإما النجاح أو الرحيل للجميع

لا تعليقات

اترك رد