هل هو عالم يتجه نحو التفكك خصوصا فيما يتعلق بدول الشرق الأوسط؟


 

بعد احتلال العراق الذي أتى كردة فعل على أحداث 11 سبتمبر، توالت الخرائط وكان من أبرز مراكز صناعة الخرائط مركز راند التابع لوزارة الدفاع الأمريكية يتناول بدوره التعامل مع المسلمين بعد دراسة شاملة ومستفيضة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وتعتبر هذه الخرائط التي تصدر عن مركز راند مرجعا أساسيا لراسمي السياسات الأمريكية وواضعي خطط الولايات المتحدة سواء في البيت الأبيض أو البنتاغون أو وزارة الخارجية.

منذ أول تقرير صدر عام 2004 كان يبحث عن محاربة المتطرفين الإسلاميين عن طريق تقديم دعم مباشر إلى العلمانيين تحت بند الإسلام المدني، لكن تطور هذا التقرير في عام 2007 الذي بدأ يبحث عن شبكات مسلمة معتدلة بحيث يضع لها مواصفات خاصة تتماشى مع ثقافتهم وطبيعة شعوبهم، ويرون المسلم المعتدل هو الذي يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتم تقسيم المسلمين إلى ثلاث مجموعات، ويعتبرون المسلم المعتدل الذي لا يعترض على عدم تطبيق الشريعة الإسلامية، فقط يؤدون الصلاة دون أن تكون لهم اهتمامات أخرى، وهم يرون في التيار الصوفي وكما ورد في تقريرهم الذين ليس لديهم مانع أن يؤدون الصلاة في المقابر، وأن يكون هذا التيار على خلاف ويعارض ما يسمى بالتيار الوهابي الذي يعتبر الصلاة في المقابر بدعة تصل أحيانا عند البعض إلى الشرك، أي رفع التقرير شعار ضبط الإسلام ليكون متماشيا مع الواقع المعاصر، وهم يريدون هدم بناء الإسلام كما حدث للشيوعية.

ووجد التقرير ضالته في التشيع في نسخته الصفوية، خصوصا وأن مضامين التشيع أنتج في إيران في القرن الخامس عشر وهو يختلف عن نسخته العربية، وهو مزيج من عقائد صوفية إسلامية وهندوسية ومسيحية ويهودية نشأت في آسيا الوسطى على يد الطرق الصوفية الحروفية، انتقلت لاحقا إلى العراق في منتصف القرن التاسع عشر من قبل جالية فارسية بعد انهيار الدولة العثمانية ودخولها مرحلة الضعف ولم تعد حارسة كما كانت من قبل لمواجهة تمدد التشيع الصفوي إلى الدول العربية خصوصا إلى العراق، والتي اختارت أن تسكن حول المراقد المقدسة وخاصة حول كربلاء، وشاركت في تأسيس حوزة النجف لنشر مذهب التشيع بنسخته الصفوية بين القبائل العربية مستثمرة مظلومية آل البيت بديلا عن النسخة العربية بل اتجهت إلى إضعافها كمذهب ديني وتحويله إلى مذهب شيعي سياسي لاستثارة مظلومية آل البيت وربطها بالثورة على الظلم.

حاول الشيعة العرب تصحيح هذه النسخة الصفوية، لكنهم عجزوا بسبب قوة التشيع الفارسية الصفوية المدعومة بموارد الخمس المقدمة لآيات الله القادمين من إيران إلى العراق.

بل استطاع الخميني تأسيس ولاية الفقيه التي بدأت بالانتشار فعليا قبل الخميني على يد مجتبي مير لوحي الشهير بلقبه الحركي نواب الصفوي يلقبه قادة الثورة بأبي الثورة الإسلامية، لكن الجديد أن استطاع الخميني تأصيل الجهاد من اجل ولاية الفقيه أمر مقدس وجزء من عقيدة الشيعي المؤمن بولاية الفقيه، وربطه بالباطل الذي ثار سيد الشهداء الحسين رضي الله عنه سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشهد من أجل منع إقامة الباطل، فقد ثار ودعا جميع المسلمين إلى الثورة لكي لا يخضعوا لولاية عهد يزيد ولا يعترفوا رسميا بسلطنته، والتي لا تختلف ولاية الفقيه عن الحاكمية عند جماعة الإخوان المسلمين التي تقابل ولاية المرشد عند فكر الإخوان المسلمين.

تتزايد صعوبة ما يجري من تحولات في المنطقة، لكن من يتتبع التقارير والخرائط يدرك أن الواقع في المنطقة هو تطبيق لما في هذه الخرائط، بل أن هذه الخرائط حولت اليقينيات في السياسة إلى سيل من الجزئيات التي أشغلت سياسي المنطقة فيها بعيدا عن المصالح الكبرى والذي ولد تسوناميات لا حصر لها في المنطقة، أربكت الدول والسياسيين، ولا يعرفون ماذا يناقشون، وما هي الأولويات، وهناك تجاذبات واختلافات لا يمكن أن تتوافق على أمور مهمة، وعن ماذا يبحثون، هل عن تحولات اجتماعية أو اقتصادية او ثقافية التي أدت إلى تفكك الدولة الحديثة.

قبل منطقة الشرق الأوسط حدث في شرق أوربا، لكن الدول العربية لم تأخذ العبرة وكأنه شئ لا يعنيها، وأنها ستكون بمنأى عن مثل هذا التفكك، تزامن هذا التفكك مع منظرين جدد في الجغرافيا السياسية يؤمنون بعالم بدون حدود سياسية استنادا إلى أطروحة تفكك الدول لمصلحة بناء اتحادات مناطقية أكثر اندماجا، فبعد أن ساهمت 50 دولة في تأسيس الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أصبح عددها اليوم أكثر من 200 دولة، وهناك توقع بأن تصبح ألف دولة أو يزيد.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينات القرن الماضي شهد العالم موجة تغيير كبيرة في الخرائط، فعلى سبيل المثال كانت كل من استونيا ولاتفيا وليتوانيا ترتبط برابطة سياسية واحدة، لكنها تحولت إلى ثلاث دول مستقلة انحلت عن بعضها البعض في هدوء، وعاشت التشيك وسلوفاكيا ضمن وحدة قرابة نصف قرن انتهت بطلاق

مخملي، وكذلك انحلت يوغسلافيا على خلاف السابقة بعد حرب أهلية دامية انقسمت إلى كيانات متعددة، مثلما انفصلت إريتريا عن إثيوبيا في ماي 1993، وانفصلت تيمور عن اندونيسيا في عام 1999، واستقلت كوسوفا عن صربيا عام 2008، وفي 2011 انفصل جنوب السودان عن السودان، والتي كانت عصية على الفهم وأنها مرحلة بدأت بالعرب، رغم ذلك لم يتنبه العرب لهذا الانفصال وما هو القادم بالنسبة لهم.

سبق أن صرح ونستون تشرشل أن قال بأن الشرق الأوسط حدوده غير عادلة وهي تولد مشكلات أكبر من أن تحل محليا، العرب لم يتنبهوا لمثل تلك التصريحات التي تشجع على التقسيم، لذلك نجد الولايات المتحدة تتذرع بحقوق الأكراد وحق تقرير المصير لدولتهم، لكن كل الدول الإقليمية تعارض هذه الدولة بما فيها إيران وتركيا والعراق وسوريا التي هي الأخرى دولة مفتتة حتى الآن غير قابلة للعودة إلى دولة موحدة، والغريب أن إيران أداة الغرب في تفتيت المنطقة ولكنها ترفض حق تقرير المصير لدولة الأكراد.

علينا أن نستحضر مشروع برناد لويس وتنظيم داعش ومخطط تقسيم العالم العربي والذي يجب أن يظهر عام 2018 بعد مرور مائة عام على تقسيم سايكس بيكو التي قسمت الدول العربية بحدودها الحالية الذي يرمي إلى تقسيم المنطقة العربية وتحويلها إلى دويلات صغيرة وممزقة على أساس طائفي ومذهبي بنحو أكثر من ثلاثين دويلة حتى تظهر فيدرالية تقودها إسرائيل باعتبارها الدولة المركزية التي تتحكم في دول المنطقة سعيا لتحقيق حلم إسرائيل ومشروع برناد كان يسمى بوثيقة برناد التي أقرها الكونغرس الأمريكي سنة 1983 أي قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، يخدمها وجود بيشمركة، وحشد شعبي ومليشيات حزب الله في لبنان لكن إيران فشلت في تأسيس حزب الله في الحجاز وفي البحرين والآن أنصار الله في اليمن يواجه حرب لإنهائه كل هذه مقدمة للانقسام والتجزئة.

كان برناد المنظر للرئيس بوش الابن وحربه المزعومة ضد الإرهاب، وتم تطوير مخطط برناد إلى خريطة الشرق الأوسط الجديد عام 2006 ثم الكبير وهكذا لن تتوقف المشاريع المعدلة، كما يظهر تعامل الإدارة الأمريكية مع ثورات الربيع العربي حيث مخطط برناد يلعب على إشعال النعرات الإثنية والعرقية والدينية المتواجدة في العالم العربي، نشرته مجلة وزارة الدفاع الأمريكية مرفوقا بمجموعة من الخرائط التي توضح تقسيم كل دولة ومجلات أميركية عديدة.

كانت فرضية برناد التي يجزم بأن العالم العربي لن يتمكن من تكوين دولة بالمعنى الحديث بسبب أنهم مؤسسون على مجتمع محكوم بالنظام القبلي الطائفي، وأنهم يدينون بدين الإسلام نتيجة توقف اجتهاد الدين مع متطلبات العصر، وينصح أمريكا أن تلعب وتستثمر هذه المتناقضات، خصوصا وأنها وجدت إيران دولة جاهزة ومستعدة لتنفيذ هذا المخطط رغم أنها هي الأخرى مستهدفة لكن لم يعد يحين وقتها.

لذلك يتفق برناد كثيرا مع المشروع الفارسي الذين يريان في أن العرب هم قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات، وتقوض المجتمعات، وأن الحل معهم إعادة احتلالهم، ومن الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم، أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم، وما بات يعرف بتنظيم داعش هو حجر أساس لبداية تنفيذ هذا المخطط الذي يلعب على الوتر الديني.

عندما وجدت الولايات المتحدة أن إيران تحاول الهيمنة على المنطقة على حساب المصالح الأمريكية خصوصا بعدما استدعت روسيا اللتان يمكنهما إبعاد الولايات المتحدة من المنطقة، ما جعل مسؤولون في وكالة الاستخبارات الأمريكية تكشف أن إيران تدعم الجماعات الإرهابية السنية والشيعية على السواء وأنها تستخدم الإرهاب وتمارسه لتحقيق مصالحها التوسعية في المنطقة كما ذكر البروفيسور دانيال بيمان أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون.

واعتبر دانيال أن الأجهزة الأمنية عن الأنشطة الإرهابية لإيران في تفعيل قواها الناعمة، والتأثير على صنع القرار الأمريكي رغم انف معلومات الاستخبارات، واستطاعت بحرفية، ودراسة وتخطيط وتنفيذ يجب الاعتراف به والوقوف عنده وعدم تجاهله، استطاعت الوصول إلى مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة، والتأثير عليها، سواء عبر جماعات الضغط والمصالح، أو عبر مراكز البحث والتفكير، أو وسائل الإعلام وصناعة الرأي العام.

استخدمت إيران القوة الناعمة بكل احترافية الذي ابتدعه جوزيف ناي والتي تقوم فكرتها في الشؤون الخارجية على أنها القدرة على الحصول على ما تريد من خلال الجاذبية والإقناع والإغواء وليس الإكراه دون الحاجة لأن تدفع باتجاه سياسة العصا والجزرة لتحريك الآخرين في الاتجاه الذي تريد، ويحقق مصالح دولتك وأهدافها السياسية الخارجية.

هنا نجد نجاعة إيران في استخدام قواها الناعمة والخشنة على حد سواء وهو ما يظهر جليا في الاتفاق النووي، خصوصا وأن هجرة الإيرانيين إلى أمريكا بدأت قبل الثورة الذي يعد المجلس القومي الإيراني الأمريكي أحد أبرز مكوناته ونجاحهم في التغلغل، وهم لا يزالون على صلة وثيقة بموطنهم الأصلي وتربطهم مصالح اقتصادية وعرقية وثقافية وطموحات تاريخية فارسية أكثر منها دينية، رغم حرصهم على الجانب الديني الذي يعد حصان طروادة لاختراق الشعوب المسلمة باسم حب آل البيت، وهي ما تسمى بالدبلوماسية الشعبية الإيرانية التي تعمل بنجاح ليس في أمريكا فقط بل في العالم أجمع، خصوصا وأن هذه الفئة تغازل إسرائيل وتسعى لكسب ودها رغم العداء الظاهري وهي تعلم أن أمن إسرائيل مفتاح كلمة السر لأمريكا وأوربا على عكس العرب.

رغم أن جماعة الإخوان المسلمين يتقنون نفس اللعبة التي يتقنها اللوبي الإيراني في أمريكا بل وبينهما التقاءات عديدة في كثير من المواقف الفكرية والأيديولوجيا وحتى في الآليات والتنظيم، خصوصا وأن هناك أصوات في الولايات المتحدة تطالب بالتعامل مع أصوات معتدلة ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين، وأنها هي الفاعل الحقيقي داخل المجتمعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويعتقدون أن التفاهم مع حركيي هذه الجماعة في مختلف الدول العربية والإسلامية سيؤمن مصالح الولايات المتحدة وسيؤمن السلام.

لا تعليقات

اترك رد