ضوء الحقيقة وبرقع المقدس.. فيلم سبوت لايت

 
الصدى-فيلم-سبوتلايت

اذا كان للزيف وجوه عدة ، فللحقيقة بالتأكيد وجه واحد رغم تعدد الاصوات والرؤى . فهي وحدها من تمتلك قوة الصدمة التي تسقط ورقة التوت وتقطع قيود الخرس عن ألسنة الصامتين. في سبوت لايت الحائز على جائزة الاوسكار لأفضل فيلم بالنسخة الثامنة والثمانون من مهرجان الاكاديمية الامريكية لفنون وعلوم الصور المتحركة تكتب السينما بنطاق حضورها الكوني صفحة جديدة تعمدت بالضوء لأسقاط التابوات وكشف الخواء المُستتر خلف الصورة البراقة للمقدس.

مافعله المخرج توماس مكارثي وفريق العمل في اعادة الطرح بصريا لقضية الانتهاكات الجنسية ضد الاطفال وعلى مدار سنوات عديدة من قبل قساوسة ابرشية بوسطن منح سلسلة التحقيقات التي قام بها فريق التحريات الصحفية في جريدة بوسطن غلوب والمُسمى سبوت لايت افاق جديدة من شرائح الجمهور لاتسنح للصحافة الورقية فرصة الوصول اليها مهما بلغت شعبيتها وأنتشارها بفعل الحظوة الكبيرة التي تمتلكها السينما خصوصا في عالم الالفية الجديدة. كان وصول مارتي بارون (ليف شرايبر) لأدارة تحرير الصحيفة نقطة تحول مفصلية منحت ملف القضية فرصة أبصار النور من جديد حين وجه الفريق والمؤلف من والتر روبنسن (مايكل كيتون) ومايك ريزيندس (مارك روفالو) ومات كارول (براين دارسي جيمس) وساشا فايفر (راشيل ماك ادمز) بالبحث عن ادلة جديدة موثقة وشهود يقبلون بالتحدث مما يفتح المجال لبدء سلسلة من التحقيقات الصحفية حول الموضوع،

وهو ما شرع فيه افراد الفريق باذلين جهودا كبيرة ازاء المعوقات والصعاب التي واجهتهم مستغرقين عاما كاملا لغاية اللحظة التي ينجحون فيها بتجميع الخيوط ونسج الحكاية ثم طرحها للنشر، الامر الذي احدث صدمة هائلة وهزة حركت كيان المجتمع في مدينة بوسطن، حيث شكل هذا الكسر لحاجز الصمت حبوب الجراءة والشجاعة لكثير من الضحايا في الادلاء بشهاداتهم عن الاعتداءات التي تعرضوا لها من قبل عشرات القساوسة المنتمين لكنيسة بوسطن الكاثوليكية وهو الامر الذي ادى في نهاية المطاف لأستقالة الكاردينال برنارد لوو من منصبه بعد ان اوضحت التحقيقات حجم التغطية والتستر المتعمد الذي كانت تقوم به الكنيسة وباستخدام وسائل متعددة بين الترغيب والترهيب وبالاتكال على سطوتها المعنوية في الاوساط الحكومية ومؤسسات التعليم والقضاء والاقتصاد. لم يكن منح الفيلم اوسكار افضل نص اصلي الا تتويجا لقوة النص الذي قدمه مكارثي رفقة جوش سنغر في سرد متتالي امتلك النضج الكافي للموازنة بين عرض المعلومات والاستغراق في التفاصيل وهو الذي اثبت مقدرته الجيدة في تقديم نصوص مثيرة برؤيتها ومضمون الموضوع مثل فيلم الزائر وشريط الانميشن UP.

لقد نجح المخرج في اعطاء فيلمه رؤية اخراجية سلسة مستوحيا روح التحقيق الصحفي وواضعا اياه بخانة (فيلم الحقيقة) ولتجسيد ذلك اختار اللقطات المتوسطة البعد لعموم شكل الصورة والمقربة للمشاهد المستوجبة اظهار مشاعر الشخوص مع زاوية كاميرا تعكس تلك الروح، وهو الامر الذي ضمن له استدعاء المشاهد ضمن المكان كمراقب للحدث من خلال التركيز على الالتزام المبدئي والاخلاقي للصحفيين ضمن اطار السرد رغم كل الضغوط ولتحقيق اكبر قدر من التاثير النفسي سعيا لأيصال الرسالة العامة للفيلم. كما أن استخدام هذا الاسلوب الاقرب لنمط التلفزيون في التعبير البصري قد يُظهر لنا محاولة المخرج ومدير تصويره ماسانوبو تاكاياناجى في النأي بسبوت لايت عن المقارنة مع تحفة المخرج آلان جي باكولا (كل رجال الرئيس) المرتكز على هامش كبير من الاثارة التي وفرها حضور الظل والضوء في صورة المشهد السينمائي للفيلم.

ان التبسيط الذي اعتمده كادر العمل في نمط الاخراج والتصوير جعل من محور القصة الساعية لأظهار الى اي مدى يعيش الناس تحت سلطة الرعب الكهنوتي التي تحكمت ولازالت كذلك منذ عشرات القرون بحيوات الملايين هو الفيصل في الارتقاء بجودة الفيلم ما تطلّب اداءات قوية للممثلين جاءت بمستوى التطلع بشكل عام مع نقطة ضوء قوية على التجسيد العالي الجودة للممثل مارك روفالو حين استطاع عكس فشل مايك ريزيندس في لملمة فوضى حياته الشخصية الى جهد مكثف مصحوب بأصرار عاطفي يتحدى العوائق لتحقيق نصر صحفي يعيد بعض الاعتبار للضحايا ولذاته. في سبوت لايت صورة الحقيقة المموهة ببرقع التقوى والفضيلة لشخوص حضت بالتمجيد بأسم الرب. لم يكونوا مجرد بضعة تفاحات فاسدات بل كل المؤسسة وجميع فروع النظام المتعلق بقدسيتها.

لا تعليقات

اترك رد