الحدود البرية بين كوردستان و السويد

 

العفو، هذه معلومة غير صحيحة، فلا يوجد هناك حدود برية بين السويد و كوردستان. السويد لها حدود برية مشتركة مع النرويج و فنلندا و كانت السويد في وقت من الاوقات تضم فنلندا و النرويج تحت سلطتها.

اما كردستان فلا زالت إقليم مقسم إلى اربع دول و العراق واحد من تلك الدول. اقليم تدور حوله نزاعات لربما لا تزال تغلي و لم تنفجر بعد.

كوردستان كانت و لم تزل مسألة شائكة، ليس لصعوبة واقعية و إنما (و هذا رأي) بسبب الجهل المتأصل لدينا كشعوب و أفراد الشرق الأوسط.

كوردستان هي حلم لطالما كان واقع بالنسبة للأكراد، فهم ليس لديهم اي دافع أن يكنوا الولاء للدول و الشعوب المجاورة حتى ولو كانوا يعيشون في اراضي دول معترف بها دوليا.

اما الشعوب المجاورة للأكراد، فيعتبرون “كوردستان” بمثابة فكرة وهمية و لا يجب ان تحقق و يرفضون تماما فكرة احقية تغير الأكراد لمصيرهم و الانفصال بنفسهم في دولة مستقلة، وذلك له اسباب متعددة.

1. الدول المجاورة التي أيضا لديها عدد سكان اكراد مثل تركيا و ايران و سوريا، تخشى من أن يستقل أكراد العراق فيكون ذلك الاستقلال دافع قوي ليستقل الأكراد في دولهم، وهذا يزعزع سلطتهم، فكل دول الشرق الاوسط تظم اقليات كثيرة تطمح إلى الاستقلال، و عندما ينفصل جزء، تتفتت باقي الدولة و هذا ما لا تريده اي من تلك الدول. ولذا فإن تركيا و إيران يشحذون أسنانهم و انيابهم استعدادا لاستقلال محتمل

2. في الأراضي التي يسكن بها الأكراد، هناك مصادر طبيعية يطمح الكل لحيازتها، فمدينة كركوك على سبيل المثال تعتبر خزينة الكنوز لما تحتها من النفط. و هنا اكاد اجزم بأن الغير أكراد لن يكونوا متشددين لقضية الاستقلال إن لم تكن كركوك داخلة في هذه الحسبة، و في نفس الوقت لا أظن بأن الأكراد يريدون أن يستقلوا من دون أن يأخذوا معهم مصدر العيش الذي لا غنى عنه. ايضا هناك المصادر المائية التي تخرج من أراضي فيها اكثرية كردية، و على هذا الأساس، فهناك ما يدعوا دول الشرق الاوسط و خصوصا العراق بأن لا تتخلى عن الارض التي يطالب بها الأكراد

3. الأراضي التي يريد الأكراد أن يستقلوا بها مسكونة أيضا بعدد لا بأس به من الأقليات الأخرى الغير كردية، و هنا تطول القائمة من التنوع العرقي و الديني و اللغوي و ايضا التوجه السياسي، و كل هؤلاء لا يفرقون بين العرب و الأكراد، فكلاهما يعتبر محتل لأرضهم و هم على هذا الحال يختارون بين الطاعون و الكوليرا

4. هناك ايضا الجانب العنصري الذي يؤثر على المشهد، فشعوب الشرق الأوسط لديها العنصرية و لا يمكن ان تتقبل بسهولة أن يغنم عنصر آخر حتى و لو كانت ذلك من حقه

تعالوا قليلا فلنذهب بعيدا عن كردستان و الشرق الأوسط، و دعونا نقود السيارة بين اكثر دول العالم رفاهية (السويد و النرويج). هنا يمكن أن نقود السيارة لساعات طويلة بين الغابات الخضراء و البحيرات ذات المياه العذبة، و ايضا بيوت مطمئنة، و هنا ترعى الغنم و الابقار في الشارع و السكان لطفاء و محترمين، و بعد فترة نرى علم النرويج و لافتة مكتوب عليها “نتمنى عودتكم مرة أخرى الى النرويج” ولا يمضي وقت طويل إلا و يظهر علم السويد و لافتة مكتوب عليها “أهلا وسهلا بكم في السويد” و لافتة أخرى “أهلا وسهلا بكم في الاتحاد الأوروبي” و لافتة ثالثة “إن كان لديكم بضاعة يجب الابلاغ عنها لسلطة الجمارك، الرجاء الاتصال بالرقم التالي…”.

و نمشي قدما بالسيارة من دون ان نلاحظ أي فرق بالطبيعة او الناس ولكن فقط اسماء محطات الوقود و أسماء القرى و المدن مكتوبة بلغة مختلفة و هذا كل شيء، الكل سعيد و هما دولتان مستقلتان اما انت كمواطن او زائر، فأنت تحترم في كلا الدولتين.

1. النرويج لديها مصادر نفطية في بحر الشمال و ايضا مصادر مياه عذبة لا تقدر بثمن

2. السويد كانت في ما مضى دولة عسكرية لا يستهان بها، و كانت النرويج تابعة لها الى حد سنة 1905، عندما قرر الشعب النرويجي أن يستقل عن السويد

3. السويد تعتبر واحدة من اكبر الدول المصنعة للأسلحة المتقدمة، و تستطيع بكل سهولة أن تستولي عسكريا على النرويج

ولكن….

هناك ما هو اثمن من المصادر الطبيعية و الانفة العنصرية و القدرة العسكرية و هذا الشيء هو الحضارة! فهذه الحضارة تثمر في الواقع في شتى النواحي، فبدل النزاع و الاقتتال، يجني البلدين ارباحا مضاعفة من السلام القائم، و على هذه الأرضية تبنى القوانين السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية بمنتهى الكمال، حتى صارت الدولتان من رواد الرفاهية في العالم.

دعوني اعطيكم سر هذه الحضارة، إنها الديموقراطية! نعم، كل هذه الرفاهية و القدرة مصدرها هو الديموقراطية، الديموقراطية الحقيقية طبعا و ليس ديموقراطية الصندوق كما عندنا في الشرق الاوسط. الديموقراطية تعني أن كل فرد يحترم رأي الافراد الآخرين و يقبل بحكم الاغلبية حتى لو نافى ما يعتبره هو صحيح و حيث أن الفرد يكون واعي للتوجه و البرنامج السياسي المطروح و حيث أن المسؤول المنتخب يسأل على الصغيرة قبل الكبيرة و اخيرا حيث ان الفرد ينتخب من يمثله في السياسة حتى يتسنى له هو أن ينتج و يساهم في بناء الوطن. فالمسؤولية السياسية تكون “تكليف” و ليس “تشريف”.

هذه هي الديموقراطية، وليست ديموقراطية الشرق الأوسط، “ديموقراطية الصندوق” حيث جل ما نفهمه نحن كأفراد و شعوب من الديموقراطية هو إلقاء ورقة في صندوق بجو مهرجاني صاخب و في الغالب نعطي صوتنا للفئة التي نألفها، شيخ العشيرة، معمم ديني، كاكة فلاني و ذلك كله يدعم بدستور خالي من أي قيمة فكرية او سياسية تذكر.

و ها هي القصة تكرر نفسها، فبعد أسابيع قليلة سوف يقام اقتراع عام في مدن ذات اغلبية كردية في شمال العراق، و سوف يكون الاستفتاء حول استقلال كوردستان. و تنتهي القصة بمزيد من النزاعات و التهجير الجماعي و هضم الحقوق و استيلاء من له القدرة على السلطة.

طبعا هذا الاستفتاء يتحدث عنه الكثيرون لكن قل ما اسمع او أقرأ كلام فيه فكرة ناجعة بل في الغالب الأعظم مناوشات كلامية و قذف و سب و شتيمة و ايضا تحريض طائفي و عنصري.

أين الحديث عن معنى “الوطن” او “المواطن” او “الحقوق” او “الواجبات”؟

لا شيء من هذا، و يبقى الشرق الاوسط بؤرة للنزاعات و الحروب…

أنا عن نفسي لا اكترث للموروثات التي لا تجدي نفعا و إنما اقدس المفاهيم السامية كالحرية و العدالة الاجتماعية، أما الحدود المرسومة على ورق، فذلك شيء ثانوي، ففي نهاية المطاف نحن كلنا بشر و الانسانية هي ما يجب ان تكون موطننا.

عراق موحد بكوردستان او عراق من دون كوردستان هذا لا يهم، المهم عندي هو ان أرى اوطان قوية يعيش فيه المواطنون عيشة كريمة.

اتمنى في يوم من الايام أن اقود السيارة في الشرق الأوسط و لا احتاج إلى ان اتوقف إلا لأشرب الشاي في مقهى على الطريق و أرى اناس من كل الاجناس يتحدثون بلغات مختلفة و لكنهم يبتسمون لبعضهم و لا يفوح في الجو إلا رائحة السلام.

لا تعليقات

اترك رد