عقبات تجابه التفكير العلمي بين جذورها وتمظهراتها اليوم

 

منذ عشرات ألوف السنوات كان الإنسان منشغلا يطارد لقمة عيشه، حتى اهتدى إلى معارف بسيطة ساعدته على تحسين ظروف عيشه في السكن والانتقال من الصيد إلى الزراعة وتدجين الحيوان فبناء بيته ومغادرة الكهف وولادة القرية فأول دولة (دولة المدينة) تلك التي وجدناها أولاً في سومر التاريخية التي مثَّلت نموذجاً لمهد التراث (الحضاري) الإنساني..

هنا انطلقت أولى محاولات تناقل معارف الإنسان المحدودة؛ لتضع اللبنة الأولى للتراكم المعرفي وتطلق الأسطورة ومن بعدها الفكر الفلسفي وآليات اشتغالهما ومنطقهما في قراءة الذات والمحيط الكوني. ومع عشرة آلاف عام من مسيرة البشر المسجلة في حفائره المرمّزة أو المكتوبة لاحقاً، لم يحظ العلم بمعناه الأشمل اصطلاحياً، بالظهور الحقيقي إلا في أخريات هذه المسيرة وآلافها البعيدة الغور في مجاهل التاريخ البشري.

وعلى الرغم من ظهور نواتات المعارف وبذرة العلم إلا أننا نستطيع التأكيد أنّ بقايا أشكال اشتغال العقل البشري القديمة، تلك التي ظهرت في أول وعيه وتلمسه خطاه نحو التعرف إلى محيطه وتفسير ظواهره، مازالت تطفو هنا وهناك اليوم.. فلقد ترسبت بقايا أشكال منطق التفكير الأسطوري والاعتقادات الفلسفية الروحية القديمة.. وما زال منها ما يطفو ويظهر حتى بين بعض أصحاب المهن والتخصصات العلمية المختلفة وفي بلدان التقدم التكنولوجي فما بالك في بلدان التخلف!

وما يمكننا إبرازه هنا، أنَّ مسيرة التاريخ البشري التي حفلت باشتغال عقل الإنسان ومنتجه، لم تستخدم الإنتاج العلمي بمعناه المعاصر إلا متأخراً، بسبب من ظروف الإنسان ومجابهته أولويات ضاغطة في حياته الفردية والجمعية؛ تلك الأولويات التي تجنبت المجابهة المباشرة مع الحقائق، لما تتطلبه تلك المجابهة من جهودٍ تتضمن: (فرض إيقاف الكسل وتتطلب قدرات من قبيل التجريد والحياد والموضوعية كما مرّ معنا تشخيصه في إطار مبادئ التفكير العلمي التكوينية الأساس؛ فضلا عما تفرضه من تضحيات من قبيل التضحية بالاسترخاء السلبي والقبول بصرامة المنطق العقلي وقسوته على النفس البشرية في جانب من رغباتها المتمردة أو المنفلتة على الضوابط العقلية ومنطقها…

ولقد كانت طفولة العقل البشري قد رضيت بالتفكير الأسطوري ، بوصفه الآلية أو الاشتغال الذي منحها قراءة نصَّت على وحدة الوجود وتحقيقا لحلم الإنسان ولكن في أغلب الأحيان بما يتجه إلى حد يتدنى فيه ذاك الحلم ومنطقه إلى مستوى الخرافة، عندما يجابه عجزاً سواء في تلبية مطلبه أو تفسيراً لذاك العجز…

وهكذا كان التفكير الأسطوري يحاول سد فراغ عدم وجود العلم ومنطقه ومن ثمّ تفسير العالم بطريقة كلية شاملة؛ ترفض الخرافة وفكرها و يرفض معتنقوها التفكير العلمي فتتقاطع معه مناقضةً حقائقه ومناهجه؛ على أنها أي الخرافة تقدم جهدها بآليات جزئية مفتتة لتهاوي منطقها ومحدوديته وحصره في قراءة جزئيات الوجود مفردة منفصلة عن الأخرى إذ تتميز بذلك بشكل ما عن آليات التفكير الأسطوري وإن جزئياً..

إذن، فإنّ التعارض الذي نتحدث بشأنه، لا ينحصر مع الخرافة ومنطقها، فمنطق التفكير الأسطوري الأساس يقوم على مبدأ (حيوية الطبيعة) حيث يُسقط الإنسان بتفكيره الأسطوري، أحاسيسه ورغباته وانفعالاته على الطبيعة فتكون العواصف غضبا وغيرها من الظواهر تعبيرا عن الحب والكره والفرح وغيرها! بما يسقطنا بمقتربات أو مشتركات مع أطروحات الخرافة وآلياتها…

ومع أننا نشير إلى مراحل ظهور العلم وتطوره وتقدمه، إلا أنّ التفكير الأسطوري واصل وجوده على الرغم من بروز التفكير العلمي وشموله مساحات بشرية واسعة وعلى الرغم من انتصاراته المعرفية عمودياً أفقياً. إذ أننا نرصد على سبيل المثال: وجوداً ملموساً لمنطق السببية (الغائية) في إدراك الحقائق والظواهر، كما هو الحال بظهوره في تفسير بعضهم، نزول المطر بغاية إرواء أو سقي الزرع وأغلبنا بات يعلم كيف يتكون المطر طبيعيا فيزيائيا…

إنّ التفكير الأسطوري يمتلك حيله للإبقاء على منطقه سائداً بين قسم منا؛ ويكشف هذا ما تعجّ به الحياة اليومية وما تمتلكه من أمثلة كثيرة على ممارسة سلوك أو آخر لأسباب غائية؛ كأن نفعل أمراً أو نمارسُ طقساً بعينه، لغاية في أنفسنا من ذلك الفعل أو من ممارسة الطقس ذاك. وإذا كان من رابط بين الدراسة والنجاح، إذ نحن (ندرس بجدية: وهذا يمثل الفعل الذي نقوم به) من أجل أنْ (ننجح: وهو هنا الغاية من وراء فعلنا)، إذ كان هذا الرابط موجوداً من زاوية نظر بعينها الأمر الذي يكون مقبولا صحيحا من تلك الزاوية؛ فإن الخطأ يكمن عندما نحول معادلة الرابط بين فعل الدراسة بغاية النجاح إلى معادلة تحكم الرابط بين ظاهرة طبيعية وغاية بعينها.. الخطأ هنا هو أن نسبغ هذا الربط الغائي على ظواهر الطبيعة، فنمد الحياة عبر مبدأ (حيوية الطبيعة) ونمنح فرصة أخرى لأصحاب التفكير الأسطوري كي يقولوا لنا على سبيل المثال: إنّ تسونامي حصلت معاقبة لأهلها على فعل ما، طبعاً معاقبة على فعل سيء عادة ما يختلقه أصحاب التفكير الأسطوري بتهم (أخلاقية\دينية) يجترونها من مخيلتهم أو أوهامهم!

الحقيقة، تعلم الأغلبية من البشرية اليوم، أن الزلازل والبراكين والعواصف تحدث بأسباب كشفها العلم وبات يستطيع تحديدها ولا علاقة لها بأوهام منطق التفكير الأسطوري وإسقاطات مبدأ حيوية الطبيعة أو انتظامها بمعاني العلاقات بين القوى الحية من أفعال وردود الأفعال..

وفيما يمكننا توظيف الغائية في تفسير فعل الإنسان بمعنى أو بإطار محاولته التحكّم بمستقبله بوساطة عمله إلى جانب تأثيرات ماضيه وما راكمه من أسس لمسيرته.. يمكننا بهذا التوظيف إذاً، التحدث عن دور الغائية في حياة الإنسان، وهو ما لا يتطابق وتفسير الحقائق الطبيعية حيث الماضي أو السابق هو الحلقة النهائية التي توجِد الحقيقة الطبيعية. وعليه فإنّ منطق تفسير الظاهرة الطبيعية بالإنسان وانفعالاته [مبدأ حيوية الطبيعة]، قد بات نقيضاً سلبياً لتفسير العلم ومنطقه للقوانين الطبيعية.. وبما تحصل لدى الأغلبية من العلم الذي صار وسيلتها ومنهجها ومنطقا لاشتغالها، انتهينا من التفكير الأسطوري بنسبة مهمة واسعة في عالمنا المعاصر..

لكننا بالتأكيد، لم ننتهِ من هذا المنطق [منطق التفكير الأسطوري] نهائيا بل لم ننتهِ من وجود الأدنى منه أي الخرافة وفكرها في سطوتها على (بعض) العقول البشرية اليوم! وأخطر منه وأغرب أنّ بعض (العلماء) قد جمَعَ بين التنجيم وعلم الفلك وكذلك في خلط بعضهم بين السحر والعلم؛ مثلما حصل في القرون الوسيطة وبداية عصر النهضة، وما شهدته العصور القروسطية المظلمة..

غير أن نجاح العلم في السيطرة على الظواهر عبر كشفه إياها بمقابل عجز الخرافة عن ذلك وضمان العلم لنتائج تجاريبه وتحكمه بمسارات الظواهر بفضل تنبؤاته التي يبرهن عليها بمنهجه ومنطقه بمقابل إخفاق الخرافة في تحقيق مطالبها؛ أكد انتشار منطق التفكير العلمي واتساع مساحة المؤمنين به.. مع الإقرار بما اشرنا غليه للتو بحقيقة ازدواج الواقع بمعنى وجود بقايا لمنطق الخرافة متفاوتة بنسبها بين البلدان وهي نسبة وجود ملحوظة بخاصة في بلدان التخلف على الرغم من سعة انتشار منطق التفكير العلمي على حساب منطق الخرافة ودجلها بعصرنا..

والمثال في هذا الازدواج وما يمثله، أنّنا ما زلنا نجد من يؤمن بكاشفي المستقبل وقارئي الحظ وما إلى ذلك، بناء على ميل لــ (تعميم) العقل البشري للفردي الجزئي الخاص.. فمصادفة نجاح توقع أو تنبؤ ما بشان (مستقبل) امرئ، نعممه فيقول بعضهم: إنّ فلانا يتنبأ بالغيب والمستقبل وهو مجرَّب (عندهم) طبعا بتعميم التجربة الفردية لحالة أو مفردة أو واقعة صادفت الوقوع لأسباب شتى.

وفكرة التعميم هذه كثيراً ما تستخدم سلبياً؛ بمجالات عديدة، كأن نقاطع شخصاً صديقاً لوقوعه (مرةً) في خطأ غير مقصود، فنعمم السقطة أو الهفوة المنفردة التي وقع بها ويكون ردنا إلغائياً بمقاطعته أو أن نتحدث عن مخطئ لا بحدود ما أخطأ فيه فنتناسى كل ما قدمه من حسنات بإبرازنا الخطأ وتهويله وتضخيمه بطريقة تبتلع ما أصاب به بمسيرته معنا أو قد نصِفُ مجموعةً بشرية بسمةٍ سلبية، معممين تلك السمة حتى تصير سمة (مطلقة) رديفة لاسم المجموعة بطريقة سلبية! كأن ننسب الخبث أو البخل أو الغباء أو أية صفات إنسانية بطريقة التعميم والمطلقات بما يلغي صواب الحكم في كوننا بشراً نخطئ ونصيب جميعاً ولا معصوم بيننا وبما يوقعنا بممارسات خطيرة مثل التمييز العنصري تجاه تلك المجموعة التي نعمم فيها وعليها التوصيف بلا سلامة لأصل التعميم.. وهذي المعالجة بما تقترحه هنا تريد التوكيد على أن أحد اشكال استخدام التعميم وهو الاستخدام (سلبياً) يُعدُّ من (أدوات) الإبقاء على (منطق) الخرافة وفكرها وآليات اشتغالها وما يترتب على ذلك مما تخدمه من تجميد العقل وإصابته بالشلل وفي ضوء ذلك نقرأ احد أبرز العقبات بوجه التفكير العلمي تلك التي شخصناها هنا بالتعميم في غير موضعه أو بعبارة أخرى بالتعميم السلبي..

ولربما انتقلنا سريعا بما تفرضه شكليات النشر المقالي إلى عقبة أخرى بارزة لمنطق العقل العلمي ومنهج تفكيره، تتجسد في أنّ احتفاظ الإنسان بآليات التفكير الخرافي إنما تتأتى من خيار الاستسلام لتعطيل العقل (كسلاً وتقاعساً عن تشغيله)؛ ولربما برر أصحاب هذا النهج السلبي خيارهم عبر ممارسة الازدواجية حيث وجود فُسَحٍ أو مناطق لم يصلها التفكير العلمي ولم يشملها بالتغيير؛ كما في ظواهر اتساع مساحة أنماط من (الحلم) في زمن الاستلاب ومصادرة الحقوق، وفي تلك الفسحة بالتحديد، يكون اللجوء إلى مستويات تفكير متدنية، مثل البحث فيما يُسمى (برج) الشخص (الحالم الخيالي) وحظه وما إلى ذلك من خزعبلات وأضاليل، بوقت لا يجد من تزدوج عنده هذي الممارسة تعارضا بين آليات التفكير العلمي والتفكير الأسطوري والخرافي فهو يضع ساعة لفعل يخدم طرفا خارجيا عليه وساعة لنفسه لن تكون فعلا بالأساس بقدر ما هي وهْمٌ أو حلم مرضي سلبي في عالم الخيال…

ومما يشجع على تبرير الازدواجية في منهج التفكير بين العلمي والخرافي، يتجسد في استمرار ظهور الأشكال الشبحية في أحلام الإنسان. الأمر الذي يجعل من الخرافة معايشاً موجوداً، يطفو بارزا ظاهرا بنسبة أكبر في ظروف معينة للفرد أو الجماعة.. بمعنى أن ظروف الفرد ومجتمعه والقيم السائدة والعلاقات الاجتماعية المسيطرة هي التي ستتحكم بتوسيع دائرة ظهور الخرافة ومنطقها أو ببقائها عند فئة أو أخرى في مجتمع بعينه..

وفي إطار ما ترغب هذه المعالجة التوقف عنده والإشارة إليه من عقبات أمام التفكير العلمي، فإنّ ما يخلقه العجز عن تلبية حاجات الإنسان من ظروف، هو الدافع الحقيقي الرئيس الآخر لتمسّك الخرافة بوجودها بيننا، حيث التطلع لحلول وهمية بديلة تسرّي عن أنفس العاجزين وتكون عقبة أمام ممارستهم منطق التفكير العلمي..

ومع ذلك فإنّ العجز الذي كان يوماً ينجم عن عدم وجود قدرات علمية كافية على الفهم والإدراك لم يعد اليوم موجودا بنسبة كبيرة أو كما في السابق.. ولكنّ العجز في يومنا، يؤشر أو يتجسد في أمرين أو وجهين، وهما: عدم تلبية الحاجات وعدم القدرة على التحكم في توجيه المحيط توجيها صحياً سليماً يتناسب وحاجات الإنسان وكفاياته.. حيث دلالة الأول على طابع النظام الاجتماعي واختلال في توزيع الثروات وعدم توفير العدالة الاجتماعية وحيث دلالة الآخر على سلبية في رد فعل الفرد على طابع العلاقات في النظام الاقتصا-اجتماعي انطلاقا من حال عزلة فردية غير مبررة.

وهكذا بتنا في تحول من عجز معرفي إلى عجز اجتماعي يتجسد فيما يتسبب به، نظامٌ يطيح بآمال الأغلبية ومصالحها وبالتنكر لمطالبها وحاجاتها. والأدهى في تفشي منطق الخرافة أو التفكير الأسطوري، أنْ يشتمل عجز إنسان أو مجتمع على النمطين، أي أن يوجد العجز المعرفي بتفشي أمراض التخلف والأمية والجهل والعجز الاجتماعي أي بعدم القدرة الواعية على توجيه الإرادات نحو الحلول السليمة الموائمة، لربما كانت نماذج بلدان التخلف اليوم واضحة جلية بعد أن انتكست دول نامية كانت تكاد تغادر أوضاعها المتردية لكنها وقعت اليوم في هوّة كأداء لأسباب مختلفة.

لا تعليقات

اترك رد