أزمة مسلمي الروهينجا بين التطهير والفوتوشوب


 

استأثرت قضية المسلمين في بورما خلال الفترة الحالية بالكثير من التحليلات والتأويلات والتفسيرات بعد انتشار اخبار تعرضهم للإبادة لكونهم مسلمين فقط، وقد حمل هذه الرؤية ونشر الاخبار مواقع العرب والمسلمين في إشارة لتعاطفهم وتعاضدهم مع ما يحدث في إقليم راخين. ورغم الإدانات المتعددة والشجب والإستنكار الذي اتخذ مسارات دولية، إلا أن الإصرار الإسلامي يؤكد بأن ما يحدث هناك ماهو الا عملية تطهير ضد الإسلام والمسلمين.

وقد بدأت الاحداث الأخيرة التى اندلعت في نهاية شهر اغسطس عندما هاجم متشددون من الروهينجا المسلمين نقاطا للشرطة وردت الحكومة على ذلك بهجوم عسكري أجبر الكثير من المدنيين من أفراد الروهينجا على الفرار إلى الحدود مع بنغلاديش.

ولمعرفة بدايات الوجود الاسلامي في بورما، تقول موسوعة ويكيبيديا “المسلمون في ميانمار هم أقلية أمام الأغلبية البوذية، ومعظم هؤلاء المسلمون هم من شعب روينجية وذوي الأصول المنحدرة من مسلمي الهند بما فيها ما تعرف الان ببنغلاديش، ومن الصين من أسلاف مسلمي الصين في ميانمار أتوا من مقاطعة يونان، وكذلك من أصلاب المستوطنين الأوائل من العرب والفرس. وقد جلب البريطانيون العديد من المسلمون الهنود إلى بورما لمساعدتهم في الأعمال المكتبية والتجارة. وبعد الاستقلال أبقي على الكثير من المسلمين في مواقعهم السابقة وقد حققوا شهرة في التجارة والسياسة”.

وتقول الرواية الرسمية على لسان أونغ سان سو كي الزعيمة الفعلية في ميانمار والحاصلة على جائزة نوبل للسلام، في أول تعليق لها على أزمة مسلمي الروهينجا الأخيرة، إن حكومتها تحمي كل فرد في ولاية راخين. لكنها انتقدت ما سمته “جبل الجليد الضخم من التضليل” بشأن الصراع بما يدعم مصالح الإرهابيين، وهي تشير

الي ميليشيات اسلامية مسلحة تحارب الجيش البورمي. وقال بيان للحكومة إن سو كي أبلغت أردوغان في مكالمة هاتفية أن حكومتها “بدأت بالفعل في الدفاع عن جميع الناس في ولاية راخين بأفضل السبل”.

ونقل عنها قولها “نعلم جيدا جدا، وربما أفضل من غيرنا، ما الذي يعنيه الحرمان من حقوق الإنسان ومن الحماية التي توفرها الديمقراطية. ولذلك نبذل ما في وسعنا لضمان تمتع الأفراد في بلادنا جميعا بحقوقهم، كل حقوقهم، وليس فقط السياسية، ولكن الاجتماعية أيضا والدفاع عنهم”.

وأمام الروايتين المختلفتين تماما، علينا أن نضع تساؤلاتنا بموقعها الصحيح، وأن نعلن في البداية عن رفضنا لكل أنواع القتل والتهجير ضد أي انسان مهما كان دينه او معتقده أو جنسه، وبعدها علينا ان نرى بمنظور عقلاني أبعاد هذه الأزمة ونرفض ايضا محاولات تزييف الوعي وتصوير الأمر على انه حرب ضد الاسلام والمسلمين وخصوصا بعد انتشار حقيقة الصور المفبركة والاشاعات الضخمة والفوتوشوب المصنوع بدقة الذي يصور أحداث أخرى ومقاطع تمثيلية بانها للمسلمين في ميانمار .. فهذا الامر غريب ومريب في الوقت ذاته، غريب لانه يعتمد على الإسلام في إثارة الفتنة وسهولة تجييش العرب والمسلمين لإحداث القلاقل في منطقة معينة للتغطية على مسارح أحداث أخرى مثل صعود القوة الصينية والتمدد الأمريكي وصفقات بيع السلاح المزدهرة، وايضا تشتيت الإنتباه عن ما يحدث في المنطقة العربية من قتل ومجازر في اليمن وسوريا والعراق وليبيا، ومريب بسبب تسويقه باعتباره صراع بوذي اسلامي بينما هو في الحقيقة صراع عرقي وسياسي تقف خلفه قوانين بورما باعتبار ان غالبية المسلمين هم لاجئين لا يحملون هوية بورما وهو ما يتعارض مع الدستور وقوانين الجنسية والإقامة، بالإضافة الي ما ينتشر من تقارير سياسية بوجود ميليشيات اسلامية تسعى الي الانفصال وتكوين دولة اسلامية مدعومة من دول النفط الخليجي. وهنا نتساءل ايضا: لماذا مثلا بقية مسلمي ميانمار في باقي المناطق يعيشون حياتهم بشكل طبيعي

باستثناء مسلمي ولاية راخين الروهينجا؟؟ ولماذا بقية المسلمين من الأعراق والقوميات الأخرى مثل كايا وشين وبامار يعيشون حياتهم بشكل طبيعي ومسالم؟؟.

هذه التساؤلات تأخذنا الي ما يحدث حاليا من تشويه الصراع وتكوينه وبناءه بشكل يجعل من العرب والمسلمين أطراف في هذه القضية، بينما الواقع والصراع العرقي والسياسي يعتبر بمثابة صراع داخلي وقضية انسانية تواجه لاجئين يهربون من مناطق الحروب ويخرجون منها طلبا للسلامة بعد المواجهات العسكرية بين ميليشيات اسلامية وقوات حكومية ترغب بفرض السلام وحل الأزمة وفق القوانين والدستور البورمي.

على العرب والمسلمين اليوم، وبدلا من الإسراع في التعصب والتشدد لقضية مسلمي الروهينجا وتعكير صفو العلاقات السياسية والمطالبات الساذجة بسحب جائزة نوبل من رئيسة وزراء بورما، أن يمارسوا الدور العقلاني في فهم مجريات الأحداث وان يهبوا لمساعدة المسلمين من منطلق إنساني وليس ديني، وعدم الزج بالإسلام في أي قضية عرقية وسياسية لها طابعها المعقد والمتداخل، فهذا يزيد من التكلفة على الإسلام والمسلمين الغارقين أصلا في قضايا لا تقل إنسانية عن قضية مسلمي الروهينجا، فمن بيته من زجاج لا يرمي بيوت الناس بالحجارة، فالدول العربية والاسلامية تعاني من قضايا انسانية وسياسية واجتماعية خطيرة تفوق أزمة الروهينجا، وتعاني من مواطنين يعيشون كلاجئين في مجتمعاتهم وهم لا يتمتعون بالمواطنة الكاملة ولا بالحقوق الانسانية ولا بالتعايش الأخلاقي .. فعن أي قضية يريد العرب والمسلمين أن يرفعوا الرايات لها وهم مثخنون بالجراح والتخلف والجهل وصناعة الاستبداد؟؟.

1 تعليقك

اترك رد