تقشف الفقراء


 
الصدى-تشقف

اوقفت عاملة التنظيف مدير دائرتها لتسأله عن سبب قطع خمسة وعشرين الفا من راتبها الذي يبلغ مئة وخمسين الفا ولايكفيها لسد ايجار منزلها ومتطلبات معيشتها لولا مساعدات الموظفين لها وبيعها بعض الحلوى وقناني ماء الشرب عليهم …حيره السؤال ولم يعرف الجواب المناسب خاصة مع تحلق الموظفين حوله وانتظار ماسيجود به لسانه لاقناع المراة الفقيرة والساذجة ؟..قال لها ببساطة : ” انه التقشف ” ..فارتسمت على ملامحها اسئلة جديدة منها : ” ماهو التقشف ؟، “ماعلاقتي به ؟”فضلا عن اسئلة اخرى تعجز عن التعبير عنها او فهمها …

اراد ان يقول لها ان التقشف هو وصفة طبية توصف للدول التي تفقد السيطرة على التوازن بين الانفاق العام للدولة وبين ايراداتها المالية مايدفعها الى اتباع وسيلة شد الاحزمة على البطون لتتجنب المزيد من الضغط المادي أوالاقتراض ….لكنه لن يتورط بجواب كهذا فلن تفهم منه حرفا واحدا ..في النهاية قال لها :” لازم نضحي حتى يعيش البلد “…وغادرها مسرعا ليتجنب المزيد من الاسئلة ولأنه لم يقتنع اصلا باجابته فلماذا على الفقراء ان يضحوا اولا ليعيش البلد .اليس الاحرى بالمسؤولين من ذوي الجيوب المنتفخة واصحاب رؤوس الاموال المستحصلة في الأصل من اموال البلد السائبة ان يبدأوا بعملية التقشف ليفهم الفقير بعدهم لماذا عليه ان يضحي بجزء من راتبه او براتبه كله كما حدث مع العاملين في وزارة الصناعة وموظفي البتروكيمياويات وعدد كبير من موظفي العقود وغيرهم كثير فقد نسف التقشف اماكن كثيرة كانت سببا في اعالة اسر اعداد من الموظفين كما حدث مع بعض القنوات والمطبوعات الاعلامية التي شملها التقشف حتى في الزيت المخصص لمولداتها الكهربائية بينما مازال المسؤولون يتمتعون بالسكن في قصور خاصة او ضمن المنطقة الخضراء المحصنة وتنعم اسرهم بالعيش في الخارج وترافق المسؤولين جيوش من الحمايات تتلقى رواتبا مازال بعضها مستمرا حتى بعد مغادرة المسؤول لمنصبه ومقره في العراق .!

هل سيقول للمرأة المسكينة اننا بلد نعشق مضاعفة المناصب لارضاء جميع الاطراف فقد تضاعف عدد نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء عن الدول الاخرى لارضاء المكونات المختلفة وتضاعف عدد الوزارات بحقائب وبلاحقائب لاتمام شروط المحاصصة وصاريمكن ابتداع مفوضيات وديوانين للوقف السني والشيعي ومشاريع مفتعلة تتضمن انفاقا كبيرا وايفادات لاحاجة لها كما علينا ان نشد الاحزمة ليكمل بعض المسؤولين تأثيث قصورهم ومكاتبهم ويحتفظ رئيس الوزراء السابق بجيوش حماياته ويتواصل تبذير المال الحكومي السائب لانشاء مشاريع وهمية ودفع رواتب (فضائية ) وشراء عقارات داخل وخارج البلد ..سيكتفي اذن بتركها حائرة امام جوابه فبماذا تضحي ايضا بعد اعاقة زوجها بانفجار وخروجها الى العمل ومغادرة اولادها لمدارسهم ..وهل استحقت تعويضا مناسبا عن تضحياتها السابقة لتقدم تضحيات اخرى …أما مديرالدائرة الذي غادرها مسرعا وكأن اسئلتها الساذجة سياطا تلهب جسده فقد بات سؤال واحد يتردد في داخله ويخنقه : ” لماذا على الفقراء فقط ان يضحوا ليعيش البلد؟”

 

المقال السابقهيا نلعب
المقال التالىهل أنت أنت و أنا أنا ؟
عدوية الهلالي من العراق ..كربلاء .. نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مختلف المجلات والصحف عراقية.. عملت كمحررة في صفحات المراة والمنوعات في صحف القادسية ثم مسؤولة اقسام المنوعات والتحقيقات في صحف الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق ومجلات( الاسبوعية ) و(نرجس) و(شبابنا) و(المرآة) ، كما ظهرت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد