استفتاء كردستان.. مكاسب وخسائر دول الإقليم


 

تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الصراع، مع اعلان أحزاب إقليم كردستان العراق عن تحديد يوم 25 سبتمبر/ ايلول الجاري موعدًا لإجراء استفتاء يحدد مصير العلاقة الفيدرالية بين الإقليم وبين الحكومة المركزية في بغداد، حيث يتمتع الإقليم بإدارة ذاتية منذ عام 1970 حصل عليها بمقتضى اتفاقية أنهت حالة الحرب بين المعارضة الكردية والحكومة العراقية آنذاك. ثم وفي عام 1991 أصبح الحكم الذاتي للإقليم أمرًا واقعًا بعد أن فرضت قوات التحالف الدولي حظرًا جويًّا شمال العراق خلال حرب الخليج الثانية.

وبإقرار دستور عراقي جديد عام 2005 أصبحت “منطقة كردستان العراق” كيانًا اتحاديًّا ضمن حدود الدولة العراقية، ولكن مع توجه أكراد العراق الي صناديق الاقتراع من أجل بحث عن الإستقلال في الخامس والعشرين من سبتمبر الجاري بات الأكراد الأقرب إلي دولة جديدة.

يوم 25 سبتمبر / ايلول الجاري يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديد بوجود دولة “الفيتو” في المنطقة وتتمثل في دولة الأكراد الأولى التي تضم أجزاء من إيران وتركيا وسوريا إلى جانب العراق، واعادة محاولات لإقامة دولة للاكراد المستقلة خلال عشرينيات القرن الماضي، فتأسست مملكة كردستان بشمال العراق، وجمهورية كردستان الحمراء بأذربيجان، وجمهوية مهاباد بايران، وجمهورية آغري(آرارات) بتركيا، وجميعهم لم يكتب لهم النجاح.

ويعني ذلك أن هناك 4 دول بالشرق الأوسط مهددة بالتقسيم، ما ينهي خريطة “سايكس بيكو” وتضع المنطقة في واقع جدد، في مقدمتها العراق بالإضافة إلي سوريا وإيران وتركيا، وهو ما يوحي بإنتهاء دول اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، واقتراب الأكراد من وجود دولة لهم.

وقد لاقت خطوة إقليم كردستان العراق معارضة كبيرة من حكومة بغداد المركزية، معتبرة أن الاستفتاء أمر “غير دستوري”، ويخلّ بالعقد الاجتماعي الذي تم التوافق عليه عام 2005، من خلال الدستور الذي تم الاستفتاء عليه في كل أنحاء العراق.

فتحقيق إقليم كردستان الاستقلال عن العراق، يدخل بلاد الرافدين مرحلة جديدة من التقسيم، فلن تقف الأمور عند استقلال كردستان، بل ستؤدي إلى دولة سنية في العراق بالانبار ودولة شيعية في إقليم البصرة التاريخي،

ويسعي الأكراد الي تفادي اخطاء تأسيس مملكة كردستان، والتي أسست بمدينة السليمانية العراقية وريفها عام 1922 بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، ودامت سنتين حتى تحركت القوات العراقية واسقاط مملكة كردستان.

استفتاء كردستان واعلان الدولة يشكل أيضا خطرا على إيران المهددة بالتقسيم لأكثر من دولة، فإيران أكبر الخاسرين من استقلال إقليم كردستان، صاحبة الموقف الأكثر تشددا في رفض أي استفتاءات في المنطقة حول مستقبل الأكراد.

واعتبرت طهران “أن العراق الموحد يضمن مصالح جميع أبناء الشعب العراقي من القوميات والمذاهب كافة، وأن إقليم كردستان جزءًا لا يتجزأ من الجمهورية العراقية، لكن هذا ليس خوفًا على الدولة العراقية بل تخوفا من امتداد فيروس الاستقلال إلى القوميات العرقية في إيران وفي مقدمتهم القومية الكردية.

وتتألف إيران من عدة قوميات، فارسية وأذرية، وتركمان وبلوشية وكردية وعربية، ويشكّـل الفُـرس نحو 45%، فيما تشكّـل القوميات غير الفارسية من تُـرك وكرد وعرب وبلوش والتركمان، واللور والجيلان، نحو 55% من سكان إيران.

واستقلال كردستان العراق سيمتد إلى اكرد إيران في غرب إيران، وسط وجود أنباء عن نية الإدارة الأمريكية إنشاء معسكرات تدريب لـ10 آلاف كردي من شرق كردستان إيران، لإسقاط نظام الخميني.

كما أن هناك مساعي لعرب إيران لاحياء دولة “عربستان” التي احتلها الشاه الإيراني “رضا شاه” عام 1927‏، وبرزت في الآونة الأخيرة مواقف وتحركات سياسية من قبل الأحوازيين لإعادة الشرعية لدولة الأحواز على المستويين العربي والخليجي، وخاصة على طاولة جامعة الدول العربية.

وهناك مساعي للبلوش في شرق إيران والآذر في شمال إيران للاستقلال أو الحصول على حكم ذاتي ما يهدد وحدة وتماسك الدولة الإيرانية، لذلك يعد استفتاء كردستان العراق إشارة البدء لتقسيم إيران، وحلم بتاسيس جمهوريتان في مهاباد وأذربيجان ذو الاغلبية الشيعة.

وعلى الجانب الآخر، حتى عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، كان له نسخة لقائمة أولويات خاصة به تقدمت فيها الإطاحة بـ«الدولة لتركية» على استقلال الأكراد، واستقلال اكراد تركيا.

ومنذ 2013 تشهد أنقرة صراعا بين الجيش ومسلحي حزب “العمال الكردستاني”، ما أدي لإعلان إعلان حظر التجوال ومقاتلة المئات من القوات التركية وحزب العمال الكردستان، كما يفتح استقلال كردستان العراق الباب أمام القوميات الأخري بتركيا.

وقد تأسست في تركيا جمهورية آغري(آرارات) 1927-1930، وهي جمهورية اعلن اكراد تركيا عن تأسيسها، ولكن الجيش التركي تدخل بقوة وانهي وجود دولة الأكراد في جبال آرارات، و و قتل الكثير من المدنيين و العسكريين الكورد و الذي يقدر عددهم بحوالي 40000 قتيل , و لعل أفظع مجازر التركية بحق الكورد هنالك كانت مجزرة وادي زيلان التي تتألف من 44 قرية و التي قتل فيها لوحدها أكثر من 15000 شخص , لدرجة أن نهر زيلان امتلأ بالجثث و فر الكثير من المدنيين الذين اعتقلوا فيما بعد.

ومن الدول التي سوف تتأثر كثيرا باستفتاء كردستان، حيث يعد قيام دولة كردية في كردستان العراق، تشيعًا لاكراد سوريا للمضي في تأسيس حكم ذاتي أو الانضمام إلى الدولة الكردية الوليدة في العراق، في ظل وجود حكم ذاتي لاكراد سوريا حاليا حتى لو كان غير معترف به من قبل الحكومة السورية، ما يحقق “دولة كردية” تمتد من إقليم كردستان العراق إلى الساحل السوري.

واستفتاء كردستان العراق، يمكن أن يحيي مشروع تقسيم سوريا إلى عدة دويلات، دولة للعلويين في الساحل وأخري للسنة، وثالثة للاكراد ورابعة للدروز.

فيما يتعلق بتأثير استفتاء إقليم كردستان على الخليج العربي، ربما يكون الأقل، مقارنة بتأثيره على إيران وتركيا وسوريا والعراق، فالاستفتاء في صورته يخدم دول الخليج في تهديد استقرار إيران وتحولها من دولة متماسكة وقوية إلى حالة دفاع للبقاء، لكن فيروس التقسيم محتمل أن يضرب بعض دول الخليج في ظل وجود صدامات داخلية بين أبناء الدولة الواحدة، وخاصة في المنطقة الشرقية بالسعودية.

أما علي صعيد الدول العربية في الشمال الأفريقي وخاصة الجزائر والمغرب وليبيا، ستتأثر بشكل أو بآخر باستفتاء كردستان، فهناك” الامازيغ” الساعون إلى تأسيس دول خاصة بهم في شمال أفريقيا وإحياء دولة “نوميديا” البربرية، وهي دعاوي ظهرت في الجزائر والمغرب.

أما عن موقف دولة الإحتلال الاسرائيلي، فإن استقلال كردستان العراق وتأسيس دولة للأكراد، سحقق مكاسب واستفادة كبيرة لإسرائيل ، حيث أن التقسيم سيمنح الفرصة للعديد من القوميات العرقية للمطالبة بالاستقلال وبالتالي تقوى شوكة تل أبيب في المنطقة.

ختاما إذا افترضنا حدوث الاستفتاء في موعده المحدد، والمتوقع بأن تكون نتائج الاستفتاء لصالح الانفصال – فإن ثمة تداعيات استراتيجيات جمة ستترتب على الانفصال، في مقدمتها تهديد الدولة الوطنية في منطقة الشرق الاوسط، وبداية دول علي أساس عرقي مع فشل تأسيس جمهوريات علي أساس ديني، وهو ما يعني أنه بداية مرحلة جديدة من الصراع في المنطقة تنهي مرحلة الدينية وتبدأ مرحلة العرقية.

لا تعليقات

اترك رد