الجسد الأنثوي المغري / الصورة الأنثوية المنشودة


 

أجسادنا جواز عبور ندخل به هذا العالم… ذكور وإناث نحرص على إنشاء صورة للذات/ للجسد تمتثل للبنية المجتمعية والنظام السلطوي الذي يحكمها؛ صور نستطيع من خلالها أن نتخذّ لنا مكانة في مجتمعٍ يُصنَّف الناس فيه على أساس هويتهم الجندرية وامتثال أجسادهم وظيفياً، رمزياً و”لغويا” للصورة النمطية التي يحرص البناء الاجتماعي البطريركي على تأبيدهم في قوالبها.

بعض النساء (وخاصة في سنّ المراهقة) ينكرن أجسادهن ويسعين للتشبه بالجنس الآخر من منظور تشبّه الخاضع بالمسيطر، البعض الآخر – وبدعم من تنشئة اجتماعية واعية – يتجاوزن الصور النمطية التي أراد المجتمع البطريركي قولبتهم فيها، أما الأكثرية من النساء- كما من الذكور- وبفعل الهابيتوس الجسدي لديهم ينشدن الصورة الأنثوية التي تكفل لهنّ مكانة مرموقة وسلطة فاعلة في مجتمع السيطرة الذكورية، إنّها صورة الجسد الأنثوي المغري للآخر المتمنّع عنه في آن احد…. فكيف الوصول الى هذه الصورة ولماذا؟

تُسنّ القوانين الدينية والمدنية وتفصّل دائمًا وفقًا لجسد المرأة، هادفةً إلى نفيه وقمعه على جميع الأصعدة كي لا يعبِّر عن رغباته. إنّه مصدر الخطيئة وممثّل الكيد والفتنة. وإذا كانت الفتنة في الإسلام تشير إلى معنى الفوضى، فإنّ فيها دلالة أيضًا على “المرأة الجميلة”، مع التأكيد على أنّ المرأة المغرية تمتلك سلطة الإغراء التي قد تُفقد الرجل السيطرة على نفسه.

هكذا تستبطن الفتاة صورتها الجسدية التي ترضى عنها ويرضى عنها المجتمع في الوقت نفسه، ألا وهي صورة الفتاة التي تضجّ بالأنوثة والإغراء؛ ممّا يدفعها إلى استخدام لغة جسدها بطريقة مقنّنة وغير مباشرة.

في بعض المناطق ذات الثقافة الاسلامية تعمد الكثير من الفتيات اليوم إلى لبس الحجاب عند البلوغ ليس دائمًا كفرض ديني بل لما له من دلالات، كانت الباحثة التونسية “أمل قرامي” قد عملت على توضيحها:

– دلالة جنسانية ترتبط بوضع الجسد الأنثوي المسيّج داخل ثنائية الحجب/الكشف في مجتمعات بطريركية تختزل حضور المرأة في إثارة الرغبة والفتنة والغواية… فتحاول إخفاء الجسد الأنثوي الذي لن يزيده حجبه إلا إثارة.

– دلالة جندرية معبّرة عن الرغبة في رسم الحدود بين الجنسين، فيغدو الحجاب محدّدًا جندريًا يحول دون تشبّه النساء بالرجال والرجال بالنساء.

– دلالة أخلاقية تصرّ على تقسيم الفضيلة والأخلاق تقسيمًا حسب الجنس من جهة وربط الأخلاق بالتديّن من جهة أخرى. ويترتب عن ذلك اعتبار الحجاب شعارًا إشهاريًا دالًا على العفة والطاعة والإيمان.

وسواء كنّا نتكلّم عن الفتاة المسلمة أو المسيحية في مجتمعاتنا فإنّها تعمد إلى استخدام لغتها الجسدية وكافة الآليات المتاحة والممكنة بهدف إبراز صورتها المغرية أملًا في اجتذاب الجنس الآخر.

هناك بداية النظرة الأنثوية التي لا تقاوم، إنّها وسيلة يمكن من خلالها عقد العلاقات بين الناس، ذلك إنّ العين تحتلّ مكانة هامة في الوجه الذي هو مرآة الشخص والشخصية، ومن خلال

نظرتها قد تعرب عن الحب، عن الاشتهاء، عن الرفض والقبول، عن الخوف، عن الأمل، وتبقى النظرة الأنثوية شديدة الأهمية في عقد العلاقات مع الجنس الآخر، ذلك إنّها وعلى حدّ تعبير ابراهيم محمود في كتابه “ديالكتيك الجسد والجليد” أكثر المنافذ إغوائية وإغرائية، إنّها تستنطق الجسد وتعرّي حقيقته أحيانًا.

لا تتوقف لغة المرأة الجسدية وصورتها الإغوائية على النظرة، فهي تعرف ما لديها من مكامن الأنوثة التي “تستنفرّ” رغبة الرجل في مجتمع بطريركي. لذا فإنّها تتقبّل جسدها وتحتضنه بإبراز أعضائه المغرية التي عرفت قيمتها بشكل لا واعٍ من خلال انغماسها في محيطها الاجتماعي عامة وأسرتها خاصة. وهكذا يبرز الاهتمام بالأرداف وطريقة المشي التي تُسجّل في إطار عملية الإغراء؛ دون أن ننسى أنّ معايير الجمال والإغراء نفسها متغيرة زمانيًا ومكانيًا. كما يبرز اهتمام النساء بصدورهنّ، فالمراهقة التي كانت ترفض تغيراتها الفيزيولوجية وبروز نهديها اللذين شكلا علامة عبور من عالم الطفولة إلى عالم البلوغ والانتماء للمجموعة “الخاضعة” (النساء)، تصبح لاحقا شديدة الاهتمام بشكلهما وابرازهما من خلال اللباس الضيق لأنّهما علامة الأنوثة بامتياز، حتى ولو كانت ستضع نفسها في هذه الحالة في خانة ما أسمته الأيديولوجية الإسلامية “الكاسيات العاريات”.

يبدو إذاً أنّ للباس دور كبير في عقد العلاقات الإغرائية، خاصة ما يُبرز منها مناطق “الفتنة” في الجسد الأنثوي، وهذا ما يشير إلى دور اللباس في الإعلان عن الذات. فلطالما أدّى اللباس في تاريخ الإنسانية على حدّ تعبير “أولدردوف” وظيفة أيروتيكية تجميلية جعلته يحمل تناقضه في ذاته لكونه يخفي الجسد ليجذب الآخر إليه، إنّه شاشة الحميمية وتجميل إغرائي للجسد، إذ من خلال اللباس يمكن الإعلاء من شأن بعض الأعضاء بالسعي إلى إبرازها والتركيز عليها،

وإخفاء أخرى بتغطيتها وحجبها لأسباب قد تكون متعدّدة، الشيء الذي يجعلنا نقف على ما يحمله اللباس من دلالة أيروسية تهدف في كثير من الأحيان إلى الإخفاء لأجل الإظهار.

تجدر الإشارة إلى الاختلاف في طريقة إعلان المرأة لجسدها الأنثوي ارتباطًا بمتغيرات الدين والحراك الاجتماعي والوضع المادي للفتاة وعائلتها ومدى انفتاحها على الآخر بالتعليم أو العمل أو غيره من المتغيرات المجتمعية….وأياً يكن الأمر فإن اختلفت الألبسة، وعرض الذات، والمساحة المسموحة للعلاقة مع الجنس الآخر، إلا أنّ إستراتيجية استخدام الجسد الأنثوي كلغةٍ “لصيد” الذكر تبقى هي نفسها. والغاية على العموم هي الزواج الذي ما زال يعتبر في المجتمعات التقليدية وعلى حدّ تعبير سيمون دي بوفوار مورد رزق المرأة والمبرر الاجتماعي الوحيد لوجودها.

ويبقى السؤال هو متى تخرج المرأة من تماهي صورتها مع جسدها؟ متى تعي هويتها كإنسان لا ينفصل جسده عن روحه وفكره؟ هل المرأة مسؤولة عن تشكيل هذه الصورة النمطية أم الرجل أم هو البناء الاجتماعي يلقي بثقله فوق كاهل كل منهما؟ هل هذه الصورة نتاج الثقافة البطريركية فقط أم الايديولوجيات الدينية المتعاقبة؟ أسئلة برسم الوعي الذي يفترض أن يكلل حياتنا بالمساءلة والنقد الذاتي.

لا تعليقات

اترك رد