المقاهي الشعبية العراقية .. صروح ثقافيه فكرية .. تحولت لفسحة اللعب واللهو ؟!


 

المقاهي البغدادية كانت مناهل للفكر والثقافة والابداع، ومنطلقا للثوار والسياسيين انذاك لاقامة التظاهرات ضد الاستعمار البريطاني ، واصبحت ظاهرة اجتماعية متميزة باستقبال الادباء والشعراء ونخب المجتمع المبدعين في كل المجالات، ولكن اليوم ومع الاسف الشديد اصبحت هذه المقاهي بالرغم من تاريخها الكبير ملاذا للشباب العاطل عن العمل والباحثين عن متعه النركيلة والطاولي والدومينو وتبادل العبارات والكلام الرخيص ومن خلال اجهزة الهاتف النقال والانترنت الذي غير مفاهيم كثيرة وطيبة من مجتمعنا وارثه الحضاري والتراثي، واصبحت ملاذا للترفيه والمتعه والتسلية بسسب الفراغ الذي يعيشه مجتمع الشباب وعدم اكتراثه للقراءة والادب والبحث عن ماهو جديد في كل شي يخدمهم ويخدم مجتمعهم!حيث شرع الكثير من مثقفينا ومبدعينا وادبائنا للبحث عن اماكن اخرى تتلائم مع تصوراتهم واهتماماتهم بكل مناحي الحياة وليس الادب والشعر فقط ، ليبحثوا عن مقاهي فيها التخصص المجتمعي مثل مقاهي شارع شارع المتنبي والمقاهي التراثية القديمة في بغداد والتي يتلمسون اطلالها بين فترة واخرى..

ومن تلك المقاهي مقهى الشعب في السليمانية ومن اجل تعريف القراء على ابداعات شعبنا الثقافية والادبية منذ نشاة المجتمع العراقي ولحد الان، وهذه المقهى شبيه ايضا بمقاهي بغداد المعروفة مثل المقهى البرازيلي ومقهى الشابندر ومقهى حسن عجمي الاخرى مازالت قائمة ولكن حالتها العمرانية يرثى لها، كما هو حال شارع الرشيد برمته، ومقهى البرلمان ومقهى الحاج خليل القيسي ومقهى الشابندرالتي يديرها الحاج محمد الخشالي والمقهى البرازيلي ومقهى ام كلثوم ومقاهي بغدادية كثيرة وقديمة اصبحت ارثا ثقافيا اجتماعيا يعتز به البغداديين بشكل خاص والعراقيين بشكل عام ..

ـ عمر وهيوا وجلال اخوه استلموا ادارة مقهى الشعب مع اخيهم الكبير بكرحمه سليم يقول الحاج لــ الصـــدى نت : ان هذا المقهى كان ثمرة جهود والدي رحمه الله الذي افتتحها في عام 1950 ونعمل بها منذ ذلك التاريخ ولحد الان ، ويمتاز موقعها بالصدارة لقربه من ساحة السراي وسط المدينه ويرتادها الناس وكذلك الزوار واهلنا من العاصمة بغداد ومن محافظات العراق كافة ، والنخبة الثقافية من الرواد هم الاكثر اقبالا ادباء شعراء فنانين ويكون يوم الجمعه هو الافضل بين ايام الاسبوع لتفرغ الجميع تقريبا من العمل والالتزامات، كما يرتاده بعض الساسه وعامة الناس في معظم الاحيان ،

ولابد ان اذكر ان هذا المقهى قد شهد العديد من المناسبات الوطنية التي مرت على العراق وفي المحافظة تحديدا وكيف كانت السلطات الحكومية تتابع رواد المقهى وانتمائاتهم السياسية انذاك !

ـ مضيفا: لقد تميز مقهانا بوجود مكتبة خاصة يمكن للرواد والقراء متابعه وقراءة الكتب واستعارتها واعادتها، ليستفيد منها اكبر عدد من القراء والمتابعين ،وهي كتب مهمه وقديمة توثق الكثير من الاحداث السياسية والوطنية والثقافيه والاجتماعية التي مرت في حقب الزمان ،كما تحتوى المقهى كما تلاحظون على صور كثيرة لمختلف اوجه المجتمع وشخوصه منها لرياضيين وسياسيين وعسكريين وشعراء وادباء ومن نخب اجتماعية كانت حاضرة في تلك الحقبة للمدينة كما اود القول ان مساحه المقهى صغيرة جدا لماحصلت من توسعات وزاد عدد روادها منذ تلك الحقبة . ولايمكن توسيعها لكلفتها المرتفعه جدا ، ولكن الحمد لله فالمقهى عامر بزبائنه من كل مكان وزمان ، وقد اضفنا ايضا لها بعض الميزات الحضارية من شاشات ليد وبث موسيقي داخلي ، وافتتحنا ايضا كافتيريا صغيرة لتوفير السندويجات والاكلات الشرقية الخفيفة بناء على طلبات الزبائن الكثيرة ..

ـــ وهل للمقهى رواد من جيل اليوم سواء من الشباب يقول بكر : نعم هناك الكثير من الشباب الذين يرتادون المقهى بشكل دائم، وأن المقهى يبدأ عمله من الساعة السادسة صباحا حتى الساعة السابعة مساءا وأن عملي متعب جدا لذلك أتناوب مع أخوتي على العمل وأعمل حتى الساعة الثالثة عصرا ويساعدني أبنائي وأخوتي أيضا بالتناوب لأنك تلاحظ أن الرواد يأتون من كل مكان وطلباتهم كثيرة وزوايا المقهى المتشعبة تتطلب متابعة الزبون وتلبية طلبه وهي الشاي والدومينو والطاولي ومنهم من يحب أن يتواجد هنا بسبب موعد مع صديق أو زميل له ليناقشوا أي شيء سواء في العمل أو متابعة كتاب أو مناقشة موضوع منشور في صحيفة أو يستذكروا أيام زمان لأن اجواء المقهى تنقلهم لتلك الأيام والتي أستذكرها شخصيا كيف كان المكان صغيرا كما وكيف كانت سقوف المقهى قديمة جدا ومعمول من الطين والسمنت وسقفه قديم جدا وهو نفس الطراز للمقهى البغدادي أيام زمان .

ـــ وعن دخول أجهزة التلفاز والستلايت ومدى تغيير ذلك على شخصية هذه المقهى الفلكلورية الجميلة يقول بكر : نعم نحن بحاجة دائمة الى مواكبة التطور وخاصة في المجال التكنولوجي وتطور وسائل الأتصال الحديثة لأنها متطلبات لابد منها وهي لن تؤثر على جمالية المكان بل على العكس من ذلك وقد وضعنا أجهزة تلفزيون حديثة (البلازما) التي تعلق على جدران المقهى والستلايت الذي يشكل جزء من أهتمام الناس أو رواد المقهي أيضا وبالرغم من أنشغال الكثير منهم بلعبة (الدومينو والطاولي) الى أن هناك الكثير منهم أيضا يحب متابعة البرامج التلفزيونية ومتابعة الأخبار من خلال الفضائيات للوقت الذي يحب أن يمضيه الزبون حتى أن هناك من رواد المقهى يقول لنا : نحن أصبحنا جزء من المقهى وأذا مر يوم لانقوم بزيارة المقهى فأن ذلك يشكل لنا نوعا من الحاجة ونشعر بالضياع !!
ـــ ونستذكر مع كاك بكر كيف كانت أحوال الناس وأسعار الشاي وخدمات المقهى عن اليوم حيث يقول : لقد تغيرت الكثير من الأمور في حياتنا وفي ملابسنا ومأكلنا ومشربنا وحتى العلاقات الأجتماعية كنتيجة طبيعية للتغيرات التي تحصل في العالم كل لحظة وأتذكر أن أسعار الشاي أختلفت كثيرا وفي خمسينات وستينات القرن الماضي وأيام زمان (كان سعر أستكان الشاي بفلسين ثم أصبح بأربعة فلوس ثم عشرة فلوس )

وهكذا بدأت الزيادة شيئا فشيئا واليوم أصبح سعر أستكان الشاي ب 250 دينار !! وأتذكر كيف كان الوالد رحمه الله يضع صينية أمام منضدته ويوزع عليها العملة القديمة من الفلوس من فئات (الفلسان والخمس فلوس والعشرة فلوس) على أشكال بيانية ليعطي الباقي لكل زبون ويضع الفيشة أيضا لطلبات زبائن المنطقة من المحلات أو من الباعة المجاورين للمقهى ولاأقصد الأن بل قديما وأنا أعمل في هذه المقهى منذ زمن طويل جدا ومع تغير أحوال الناس الأن ألا أنني لم أشهد أن هناك زبونا يطلب على سبيل المثال (10 أقداح شاي ) وعند خروجه يقول أنها سبعة أقداح لأن الثقة موجودة والحمدلله وزبائننا ناس موثوقين .

ـ ابو سراج من بغداد يقول : كانت المقاهي الشعبية البغدادية منارا للفكروملتقيات لشيوخ الثقافة والفكر والسياسه وغيرها من معطيات تلك الفترة الذهبية ، وكلنا يعرف جيدا انها اصبحت ذاكرة خزينة للادب العراقي ومثقفيه، ويمكننا القول بانها قد كانت السبب في تخريج ألمع المثقفين العراقيين اذا جاز التعبيروالذين ساهموا برفد المشهد الثقافي بنتاجاتهم واصبحت منارا اليوم لمن يعشق الثقافة ويحترمها، اضافة الى لعبها دورا اجتماعيا وسياسيا منذ بداية النهضة الفكرية، وهي اليوم تعتبرمرجعا حيث يحن لها الكثيرين من مثقفينا وادبائنا وحتى سياسيينا القدماء ، ولكن ومع الالم الشديد فالمقاهي اليوم لم تعد كما كانت عليه بل اصبحت مساحات لتمضية الوقت وسرد التفاهات وخاصة من الجيل الجديد الذي لايعرف معنى الثقافة والمثقفين والكثير منهم حتى لايعرف القراءة ، او متابعه الثقافة العراقية او العربية والعالمية ، بحيث اصبحت المقاهي ملاذا للعاطلين عن العمل والخريجين اللذين لم يتم توظيفهم في اية دائرة او مؤسسة .. وانا شخصيا اقول ان الثقافة والمثقفين انتهوا عند هذا الحد من الزمن ، الا اذا حدثت معجزة وتغيرت الاوضاع ايجابيا لنعيد لثقافتنا ومثقفينا امجادهم التي نفتخر بها جميعا..

ـ احد رواد المقهى يتنهد على تلك الايام الجميلة ويعبر لنا عن هواجسه ومخاوفه من المستقبل فيقول : كانت المقاهي مكانا للثقافة ومحرابا للمثقفين وكان لها رهبتها ومكانتها حتى عندما كنا صغارا نهاب الذهاب الى المقاهي واقصد ان اعمارنا انذاك كانت اكثر من مناسبة لدخول المقهى والاختلاط ولكن اقصد رهبتها وهيبتها من حجم ومكانة روادها انذاك واللذين سجلوا في حواراتهم اسلوبا جديدا للثقافة والمثقفين على مختلف مستوياتهم الفكرية وحتى ان البعض من رواد المقهى كان لايعرف القراءة والكتابة ولكنه يجيد المداخلات ليقف له الجميع بكل احترام وتقدير لما يدلي به من افكار مفيدة ومنتجه وليس كشباب اليوم اللذين يرتادون المقاهي من اجل لعبة الدومينو والطاولي وتبادل الاراء السخيفة وحواراتهم المخجلة في معظم الاحيان والتي تنسال الى مسامعنا غصبا عنا ! هل هذه مقاهينا اليوم بعد ان كانت مراكزا للحوارالبناء من قبل رجال الأدب والسياسة والفنون وشد الحس الوطني والتصدي لما يخطط له الاستعمار انذاك لانها كانت اشبه بمؤسسة وطنية يجتمع فيها وبها كل الوطنيين الشرفاء من مثقفين وادباء وشعراء .. واقول حسبي الله ونعمة الوكيل بما الت عليه اوضاعنا اليوم؟

ـ وحين تجولنا بزواياها لفتت نظرنا زاوبة او مكتبة صغيره جدا ضمت العديد من الصورالقديمه والكتب والكتيبات الصغيرة التي أنتشرت في زواياها ومنها صور لشخصيات اجتماعية في تلك الفترة من الزمن شعراء ادباء مثقفين وشخصيات اجتماعية من المناطق السكنية للمدينة والتي وثقها اصحاب المقهى لاهتمامهم الشخصي بها وتجديدها عند اللزوم كتغيير الأطارات وأستبدال المتضررة منها واضافة صور اخرى يساهم بها بعض زبائن المقهى محبتي تلك الحقبة الزمنية الطيبة وتوضع عليها ايضا التعليقات وشروح الصور المناسبة لكلك صورة وحدث.


ـ ويؤكد فهمي حميد (مدرس ) : بلا شك ان هذا المقهى الشعبي بالمدينة يعتبرقبلة للمثقفين والشعراء والادباء ونخب المجتمع ، وعندما تاسس هذا المقهى عام 1950 كان المثقفين يتواجدون هنا ويلتقون ويناقشون مختلف القضايا التي تهم الشارع ومايجري من احداث فيها ، اضافة الى قضاء الاوقات الجملية بيننا نناقش كافة الامور وجوانبها ونتبادل مختلف الاراء ..


ـ اما ئازاد حمه اديب احد الرواد فيقول : ان المقهى يعتبر المتنفس الوحيد للناس في السليمانية حيث يلتقي الجميع على طاولة اللعب وتناول الشاي والمرطبات والسندويجات ونتبادل انواع الحديث ونتجاذب اطرافه وجوانبه ، ولكن اجد المقاهي اليوم ومع الاسف قد تحولت الى ( ملعب دومنه وطاولي)!! مثلما كنا في السابق فقد انقلبت الامور حيث يتواجد الطلبة والعاطلين عن العمل ولانراهم مثل شباب الامس في متابعة وقراءه الكتب المفيدة وهذا الجيل اليوم تعبان جداولايهمه مايجري في بلاده ويبحث عن الوظيفة فقط وهو حق شرعي ولكن الظروف اصبحت تعيسه جدا لان الاوضاع الا قتصادية قد القت بضلالها على كل امور الحياة وجوانبها.

1 تعليقك

  1. موضوع رائع والتفاته مهمة وعلى جميع المثقفين في المجتمع العراقي داخله او خارجه الحفاظ على هذا التراث العريق الذي يبرز وجه الحضارة الثقافية بين فئات المجتمع ..
    تحياتي للكاتب 🌺

اترك رد