الكاتب يفجّر عمقه والقارئ يستبصر فعله


 

“لم يدفئني نور العالم بل قول أحدهم لي أنّي، ذات يوم، أضأت نوراً في قلبه” (أنسي الحاج).

إن لم تكن غاية الكتابة إضاءة القلوب واستفزاز النّور النّائم فيها، فعن أيّ هدف آخر نبحث، نحن الّذين تبحر بنا أقلامنا إلى عوالم المعرفة، والخيال، والحبّ، والجمال. تلك الغاية النّبيلة تشكّل العلاقة بين الكاتب والقارئ وترسم ملامحها الودّيّة بين كاتب يستدفئ بنور أضاءه في قلب القارئ، وقارئٍ يستنير بنصّ أدبيّ صاغه كاتبه في لحظة صدق لامتناهية.

النّور هو العنصر الأساسيّ في الكتابة، أيّاً كان نوعها أو اتّجاهها. والنّور مرادف للمعرفة، والعلم، والجمال، والحبّ، والحقيقة. ودور الكاتب أن يبحث عن قارئه ليزرع فيه بذور النّور ويرتقي به إلى عوالم الخير والحقّ والجمال. فيجبره على أن يتثقّف، إن جاز التّعبير، ويخترق خموله الفكريّ ليحرّك الرّكود، ويحثّ العقل على التّمرّد، والنّفس على الاضطراب الإيجابيّ لتتبيّن موقعها من الإنسانيّة. ويحرّر روحه المسجونة في قعر التّخلّف والجهل، الممزّقة في ظلاميّتها وكآبتها. ما يدلّ على معرفة الكاتب بقارئه، فيترفّع عن الوجاهة الزّائفة، وعن اعتقاده بأنّه أيقونة الإنسانيّة ومعلّمها، ويتّضع لينفتح على النّور المراد سكبه في قلب القارئ.

إنّ الكاتب الّذي يبحث عن معجبين ومعجبات يتحلّقون حوله لأنّه يجيد التّلاعب بالكلمة، فإنّما هو كاتب فاشل يعمل لما هو فانٍ، ولا يتيقّن أنّ الكتابة فعل حبّ يجسّد الكلمة فتتصادق مع القارئ. وبقدر ما ينعزل يلتقي بقارئه، ويعرف حاجته، ويعبّر عنه، ويتلمّس معاناته، ويشاركه الألم. وبقدر ما ينغمس في مجده الباطل يبتعد عن قارئه فيموت. لأنّ القارئ هو محور النّجاح الّذي يرجوه كلّ كاتب، فهو النّاقد الأوّل والأفضل لأنّه يتلقّف النّصوص بإحساسه أوّلاً ويتبيّن الخلل ببصيرته ويعلم أين يكمن وإن لم يجد التّعبير عنه أكاديميّاً. والعزلة لا تعني الانقطاع عن العالم بقدر ما تعني الانصهار في الصّمت حتّى يسمع الكاتب صوته الدّاخليّ ويصغي إلى صوت القارئ. ولئن ارتضى الكاتب علاقة مع قارئه، وجب عليه استفزاز حسّه الجماليّ، فيتألّم من قوّة الجمال، ويعطش إلى سحر الدّهشة ولا يرتوي.

الكتابة فعل فرح في النّفوس حتّى وإن تفجّرت من جرح عميق. فالفرح وحده يؤدّي إلى اتّزان العقل وسلام النّفس وطمأنينة الرّوح. وأمّا أن نبقى عند حدود البوح المبتذل، والنّواح الّذي يستأثر بمشاعر القارئ فيغرقه في المزيد من الكآبة والجهل، فذاك موت حتميّ للكاتب حتّى وإن حصد آلافافاً من المتابعين. الجرح العميق الّذي يقود الكاتب إلى الّتّعبير لا يتنافى والفرح، لأنّ به تتجلّى الرّؤية عند القارئ، فيلامس حقيقة واقعه، ويحاول أن يتحرّر ويغيّر. قد لا يكون التّغيير أمراً سحريّاً يحصل بين ليلة وضحاها، ولكن من قال إنّ الكاتب ملزم بتبديل الكون بإشارة؟ الكاتب مربٍّ حتّى النّهاية وما بعدها، يرافق قارءه ويعتني بفكره، ويحترم حضوره الفاعل، وقدرته على التّأثير في الكاتب كما يؤثّر الكاتب في القارئ.

يقول أحدهم: “أكتب لنفسي”، فيعزل القارئ ويعبّر عن تكبّر غير مفهوم، ويفرغ مع الوقت، لأنّه مهما عبّر عن نفسه سيجد ذاته يوماً فارغاً إلّا من أنانيّته المدمّرة. نكتب لأنفسنا، لنتخطّاها ونحلّق بها عالياً، ونكتب للقارئ ونبحث عنه لنضيء قلبه فندفأ. “أكذوبةٌ ساذجة ادّعاءُ الكاتب أنّه لا يكتب لأحد بل لنفسه. مثل قول حسناء إنّها لا تتبرّج لإعجاب أحد بل إرضاءً لنفسها.” (أنسي الحاج).

الحسناوات يتبرّجنَ لإرضاء الآخر، لكنّهن يعبّرن عن حبّ للذّات القيمة أوّلاً. كذلك الكاتب، يكتب ليقرأه النّاس ولكنّه يعبّر عن نفسه أوّلاً. فتتجلّى العلاقة السّليمة بين كاتب يكتب أعماقه بتأنٍّ ومعرفة، وقارئ يقرأ

بفهم عميق ومتّزن. لكنّ هذه العلاقة تلتبس إذا ما اختلط على القارئ أمر مهمّ، ألا وهو أنّ الكاتب يكتب ذاته العميقة، غير تلك الّتي تظهر للعيان. وقد يتأثّر القارئ بكاتبه المحبوب، وينصدم من شخصيّته الواقعيّة.

يحتاج الكاتب أن يفجّر عمقه ليعاين إنسانه الحقيقيّ، ما يبرز في كتاباته بشدّة فيتعلّق به القارئ. أي يتعلّق بالكاتب داخل النصّ، وليس الإنسان بشخصيّته الواقعيّة. وهنا ينبغي على القارئ أن يميّز بين تعلّقه بالنّصّ أو تعلّقه بالكاتب. فالتّعلّق بالكاتب لا فائدة منه، ويبقى عند حدود العاطفة غير الثّابتة. وأمّا الاهتمام بالنّصّ وسبر أغواره، يؤسّس العلاقة المتينة الثّابتة بين القارئ والكاتب اللّغة. فحتّى وإن رحل الكاتب يبقى حاضراً كلغة في حنايا القارئ.

الكاتب الحقيقيّ هو الرّاني إلى ما بعد الواقع، الرّائي للعمق، المتبصّر أغوار الإنسانيّة. إنّه النّبيّ المتجدّد والمجدّد للكلمة. يعبّ نورها ويسقي قرّاءه. إنّه ذاك الّذي يرسم الكلمة بالألوان ليكون العالم أجمل.

لا تعليقات

اترك رد