على مرمى حجر : اللغة الشّعريّة وتناسق الإدراكِ الحسيِّ

 

شكل اللغة الشعرية وحدة اتصالية نستطيع من خلالها الولوج الى فضاءات النص الشعري لمعرفة بالبناء التكاملي له ، لما لها من دور هام في بناء القصيدة فالشعر لدى كولردج : ( أجود الالفاظ في اجود نسق وإنه تخير لمداليل بعينها ) ( 1 ) ، لذا فهي تعتمد على طاقات معجمية وصوتية ودلالية تمنح الجمالية للشعر ، مما يوجب على الشاعر نفسه أن يكون قادراً على تسخير تلك الامكانيات لما يخدم البناء الشعري ، ولا ننسى أن الخبرة والتجربة الشعرية لدى الشاعر لها أثرٌ كبيرٌ في شحذ وبثّ هذا الجمال ،على وفق مقاييس متناسقة تجري حسب الرؤية التي ينفرد بها الشاعر .
على مرمى حجر ( 2 ).. نقف لنقرأ نصوصاً حملت في بواطنها جمالية اللغة الشعرية التي استطاع من خلالها الشاعر – وليد حسين – ( 3 ) أن يوظفها على وفق أفق ٍ مشحونٍ يجتاح كلّ ما في بواطنه من حراكٍ يداعب فيه تسربات حياة اصطنعت الوهم والخيال مرة والواقع والحقيقة ثانية ، لتؤجل ذكرياتها :

على مرمى حجر
أسرى ..
يحتفلون بقناني فارغةٍ
يرحّلون مشاريعهم المؤجلة
ما بعد الحرب الباردة
يخطّون الارض .. اشتعالا
بحثاً ..
عن اعقاب السجائر ِ
ربما .. ( 4 )

إنها صورة الغياب المطحون بالصّبر والضّجر ، التي استطاعت اللغة الشعرية تكوينها وتجسيدها كبؤرة متجسّمة لحدث ٍ حياتي ، فـ ( القناني الفارغة ) تركيب دالّ على انعدام الحياة والتلاشي ، وهي صرخة ضد مَن يرحلون الحياة الى غيابات مجهولة ، ( اعقاب السجائر ) تركيب آخر ، وظّفه الشاعر بدقة ٍ كي يعطي لانتظاره المؤجل بالتعب والخوف ،تماسكاً بين التركيب الاول والتركيب الثاني ، ثم نجد ُ الشاعر قبل أن يختم قصيدته هذه :

في محراب عينيك الذابلتين
سوى صلاة الغائب
وأنت تنذرين الحقول
انتظاراً . ( 5 )

هذا التطابق في ترصين الصورة الشعرية ، مع المقطع الاول .. كون الانتظار / دالّ على الغياب وفيه الضياع ُ لحظات قاتمة اللون ، فملامح الجمال مشوشة لديه ولأسباب نفسية قاحلة ، لم يستطع الشاعر ان يجتازها كونها تمثل نقطة انطلاقه نحو الإدراك والإشارة .
يقول ادونيس ( 6 ) في توضيح بعض خصائص اللغة الشعرية : ( ان الاثر الشعري مخاطرة ، مخاطرة التعبير بلغة انسانية عن انفعال او حقيقة قد لا تستطيع اللغة الانسانية ان تعبر عنهما ، و ما لا تعرف اللغة العادية ان تترجمه هي احد مجالات الشعر ، حيث يصبح الشعر في هذه الحالة ثورة مستمرة على اللغة ) .

برباط جأش ٍ
أتأبطُ الموقفَ بانكسارات
ولما .. ادركت الصّبح
مرّ من نافذة مثقوبة
أزحتُ الهواجس
وتجرّعت الشك .. كنبيذ
في اشارة . ( 7 )

( رباط جأشٍ ) تركيب دالٌّ على : هدوء النفس وثبات القلب ، سيطرة الشخص التامة على قواه العقلية او قدراته الحسيّة او مشاعره او سلوكه وتصرفاته ، يتناسب وما يتجرّعه الشاعر من ألم لمواقف وأحداث غاصّة بالانكسارات التي تحيلنا الى : الخضوع والشكايةوهواجس شكلت اشارة لإدراكات حسيّة .. تمرّ امامنا ضمن تناسق انزياحي ، فـ ( النافذة المثقوبة ) ، اعادة المنظومة الى فسحة الامل والتفاؤل ، وهذا ما نجده في مقطعه الآتي :

ولي قلب ٌ يمكن تطويعه
عندما ..
يشتدّ وطيس الغيرة

لأني أحبّك ..
بخفقان مطرد ٍ
ولن أخفيك سرّا ً
لو تطوعت بالقول
فأنا اعتنقك كمذهب ٍ .. ( 8 )

هذه اللغة الشعريّة التي فجّرها الشاعر كوحدة مترابطة مع المقطع السابق ، حيث المناخاتالحسيّة والشعوريّة المناسبة ، ولما فيها من اثارة تحريض تناغمي توافقي ، لتوليد قدرة واعية وناضجة في لمس ذلك ( بخفقان مطّرد ) وكأنه يقول : ” أزحتُ الهواجس … بخفقان مطرد ٍ .. في اشارة .. لأني أحبّك .. ” اذا / تحوّلت مفردات وتراكيب هذه اللغة الى رومانسية ضاجّة بقناعات مطابقة ، ينبجس عنها هيمنة حاجة وإجابات لأسئلة ملحّة .

وحدي أنا ..
لا زال بي وجع ٌ
ينسلُّ ..
من كبت ٍ وتضمين ِ . ( 9 )

( الوحدة ) مفردة دالّة على الانعزالية والتقوقع والانزواء ، انها تراجع وتبعثر واغتراب ذاتي ، استطاع الشاعر ان يطوعها في تشظّي لمكبوتات ومعاناة متوالدة من رحم البيئة التجريبية ، هذه الوحدة التي انسلخت من وجع وهمّ متراكم ، فكان لزاما علينا ان نشاطره هذا الأمر لما له من تأثير على مشاعرنا .
استخدم الشاعر تركيب ( لا زال ) ، والأصح أن يقول : ( ما زال ) ، لأن الجملة المسبوقة بـ ( مازال ) هي جملة اسمية خبريّة تحتمل الصدق والكذب. أما الجملة المسبوقة بـ ( لا زال ) فهي جملة فعلية إنشائيّة تفيد الدعاء ، ولا تحتمل لا صدقا ولا كذبا ، لذا نجد الشاعر ذي الرمة غيلان بن عقبة ، يقول :
ألا يا اسلمي يا دارَ مَيّ على البلى .. ولا زالَ مُنهلا بجَرعائكِ القطرُ
يرى ابن الأنباري في ” الإنصاف ” (10 ) عند حديثه عن ما زال : ( أن ” ما ” هنا حرف نفي ، بدليل أنا لو قدرنا زوال النفي عنها لما كان الكلام إيجابا. و ” زال ” هنا مع أداة النفي التي قبلها هي التي تعد من النواسخ ولا بد من ذكر معموليها معا لتفيد الاستمرار مع الديمومة كقولنا : ” ما زال النهر جاريا ” و ” ما زال الجو باردا ” و ” ما زال الله سميعا بصيرا ” وكل جملة مع “ما زال” هي جملة خبرية بدأ حدوثها في الماضي. أما إذا قلنا مثلا : “لا زال حالك ميسورا ” و ” لا زالت صحتك جيدة ” و “لا زالت كلمتك مسموعة “،فكل جملة من هذه الجمل هي جملة طلبيّة تفيد الدعاء أي : أدعو لك بأن تستمر صحتك جيدة وحالك ميسوراً .. الخ. و” لا زال ” فيها دعائية. فإذا

أردنا الإخبار قلنا ” مازال ” . ) .
بينما نجده يقول :
يتجهّم في وجهي .. جزعاً
يتخندق في رئتي المعطوبة
بأعقاب سجائر
ما زال يتحرك أمامي
كلما استلقيت في اقصى الغرفة
أراه واقفاً .. ( 11 )

– هنا – يقف الشاعر ” وليد حسين ” ليرسم ( الفشل ) صورة للتجهّم والجزع ، والتخندق في رئتنا المعطوبة ، ومسارللتحرّك أمامنا ، وعدم تركنا حتى نراه واقفاً .. لذا / وظّف الشاعر التدرج الفعلي : ( يتجهّم ، يتخندق ، يتحرك ، استلقيت ، أراه ) كحركة نفسية منسجمة مع الشعور المنتظم ، وهي ملازمة فعلية متراصّة ، لما يعاني منها منذ صباه ،لكنها صورة لا تنتمي لروحه المتسامية ، فهي لا تمثله ، وهو بعيد عنها كل البعد ، ( أقصى الغرفة ) تركيب دالّ على الانزواء والوحدة والانطواء ، فالشاعر يرفض الفشل ، لأنه مدرك أنه تخطّى وعبر مرحلة الخوف والوجل ، ولم ولن يكون ظلا له ..
الشاعر – وليد حسين – ، وبما يمتلك من قدرة شعرية ، استطاع أن يمنح اللغة وعبر مجموعته الشعرية ( على مرمى حجر ) – حراكاً تصويرياً – ، تجذب القارئ وتحفّزه على القراءة ، فاللغة لديه عميلة خلق وإبداع ضاّجة ، اضافة الى ان شعر التفعيلة وانسيابية المفردة والتركيب ضمن الوزن الشعري ، جعلهما يتناسقان في امتدادات صوتية متلائمة ومنسجمة ، في هندسة ايقاعية ، تستثيرها حركة النص الشعري لديه وبما يخدم تكاملية الصورة .

……………………………………………………….
الهوامش :
(1) صامويل تايلر كولريدج : شاعر إنكليزي وناقد ومشتغل بالفلسفة .أعلن مع زميله ويليام ووردزوورثبدء الحركة الرومانتيكية في إنكلترا بديوانهما المشترك الأناشيد الغنائية. أحد شعراء البحيرة، ويُعرف بقصائده أغنية البحار القديم وقبلاي خان . موقع (ويكيبيديا ) .
(2) على مرمى حجر : وليد حسين ، دار الرافدين – لبنان ط1 2017 .
(3) وليد حسين : شاعر وصحفي عراقي ، عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق – المركز العام ، عضو نقابةالصحفيين واتحاد الصحفيين ، والاتحاد الدولي للصحفيين ، عضو فقراء بلا حدود الثقافي ، صدرت له مجاميع شعرية : لهفي على زمن تباعد / ظلي هناك /صدى لزمن الغربة / أنا لا ارى قبحي / وطن معابد الطين / للسندس اطوار / انثى من النارنج / صيرورة الماء ، نشر العديد من المقالات والأعمدة في الصحف العربية والعراقية ، حاز على جوائز وشهادات تقديرية عدة .
(4) على حافة الانتظار ص 19 .
(5) ص 20 .
(6) أدونيس : علي أحمد سعيد إسبر المعروف باسمه المستعار أدونيس شاعر سوري ولد عام 1930 في قرية قصابين التابعة لمدينة جبلة في سوريا. تبنّى اسم أدونيس الذي خرج به على تقاليد التسمية العربية منذ العام 1948. موقع (ويكيبيديا ) .
(7) أتابط الموقف بانكسارات ص 27 ، 28 .
(8) ص 28
(9) وكذا اليسار ص 50
(10) الانصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين :لأبي البركات بن الانباري ، ط1 ، مكتبة الخانجي بالقاهرة ، ت . جودة مبروك محمد مبروك . ص 134 .
(11) أنا ابنُك البار .. ص 55 .

شارك
المقال السابقالتهديد
المقال التالىالقانون رقم ٦٧.. تطبيق بالمقلوب

حامد عبدالحسين حميدي .. شاعر وناقد عراقي من مواليد 1969 العراق – العمارة . حاصل الجامعة المستنصرية – كلية الاداب – قسم اللغة العربية ، تخرج فيها 1992/ 1993. يعمل مدرساً للغة العربية . عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق / المركز العام . عضو اتحاد الادباء والكتاب في ميسان . عضو....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد