جمالية الإتقان اللوني بديل عن المنطق التعبيري عند رائد الرسم فائق حسن

 

برغم مضي عدد من سنواتنا المبكرة ألتي تزامنت مع هؤلاء مؤسسي ألفن العراقي المعاصر، إلا إنها أفسحت المجال لنا، للحاق بمكننونات قابليات خبراتهم الريادية والتأسيسة والمهارية ومنها حركة ألفن التشكيلي المعاصر. . لذلك نحن نفتخر لذلك, قد تتمناه بعض الأجيال المجدة في الإبداع بمعاصرتهم.. وفي طليعتهم ألفنان – فائق حسن – ألذي يعد من مبين أهم الملونين في العالم، ألذي يصل إلى الخمسة حسبما ورد من معلومات شائعة. . لقد أسس فرع الرسم في معهد الفنون الجميلة (1939 ـ 1940)، وتطبيقاته الفنية، التكنيكية، التي تعلمها من أساتذته في (البوزار) ـ بفرنسا ـ ورؤيته التي زاوج فيها بين البدائية التلقائية والفن كمجموعة من القواعد ـ والأسس، المنهجية، إلى جانب مهارته بخلق بنية تكوينية فنية غير مزيفة،

وليست قائمة على المحاكاة، نسقا ً يماثل مفهوم:الحافر على الحافر، تلك المسارات تتلخص بنتائج مبهرة ناجمة عن مخاض متعدد ومتنوع من الأستفادة من الهبوط والأخطاء نحو محصلة نتائج تنوعات إلامتزاج بالتجارب وعلى كل الأصعدة والمدارس الفنية، مثلما أشار في حديث له في إحدى اللقاءات، بأن اللوحات التجريدية، ليست إلا: تلويصا ً! أو بمعنى مواراة وخدعة لمصادر ها الأصيلة ومحتويات ثيماتها الفصيحة،فالتجريد لدى الأستاذ فائق حسن، كان بمثابة نزعة تجريبية، تستند إلى أصول ريادته في ألفن الواقعي، ولم تكن تلك الريادة تقتصر على عامل المهارة المنفردة ألتي تنوعت صيغها لاحقا وسابقا. .


بدءا بعبد القادر الرسام، وما أعقبوه من آخرين بعضهم درسوا على يده، أقول لم تكن عامل الريادة تنحصر في هذا المجال، وإنما عامل التأسيس الدراسي الرسمي على يده، بعد مرحلة من الجمود والشلل في حركة الفنون الواقعية المعاصرة، وخاصة لم تسبقها غير الخط والزخرفة والمنمنمات عبر قرون، لذلك كانت أسماء مهمة في تجديد، بل تأسيس تلك الحركات الفنية ومنها فرع الرسم بجانب النحت على يد الرائد جواد سليم وفي المسرح حقي الشبلي، ولم يكن إختياره للخيول منفردا ومبتكرا. . ولكن هنالك مجتمعات تفضل وتقتني بما يلائم رغباتهم الذاتية المتعلقة بمحيطهم الريفي والبدوي في الأصل أو واقعهم الحالي.

تلك المتطلبات من طبقات وسطى تسودها الميل نحو الإقتناءآت التذوقية ألتي لاتمتلكها الطبقات المعاصرة والطارئة. . تلك الفئات تساهم ترك الأثر في وجود تقاليد ثقافية، إجتماعية، تعود أصولها إلى مراحل ما بعد الأنسلاخ عن ظلمات عهود جامدة، لقد سعى ألفنان – فائق حسن – في تحدد أهداف عمله، وأتقانها، فقد نجح بخلق أساليب تجاوزت شروط رسم المحاكاة التقليدية، حيث كانت خيوله، وصقوره، ونساءه، فلاحيه،في أغلبها، لم تتخل عن مسعاه بالعثور على العناصر ذاتها لدى أساتذة الفن الكبار.! وقد لا يكون لعلامة (التعجب)، هنا، إلا ما تعنيه من مفارقة لفنان شرقي ـ في بلد خرج توا ًمن ظلمات العصور الوسطى ـ ليرسم بمهارة ديلاكروا، أو بونار، أو رنوار، ولكن نماذجه المتقدمة ـ حتى لو كانت قليلة ـ بهويتها الايكولوجية، بعيدا ً عن العلامات،

تسمح للمتلقي أن يستنشق ضباب وأتربة العراق، ودخانه، لقد شكلت تجارب خيول فائق حسن جاذبية للمتلقي ـ كتصدير متميز ومرغوب في سوق ينتظر المزيد منها ـ فلم يتخلى عن المضي في تكرار مثيلاتها المستساغة طلبا ورغبة وتثمينا، معتمدا ً، في الغالب، على مصادرها الفوتوغرافية. في هذا المجال، تحول الأسلوب، من بحث، في ماهية الفن، ومعضلاته،

إلى تطبيقات لنموذج تم أختباره: مهارة في التكوين، الأشكال، والألوان…، ومهارة في تحقيق الدهشة، إنما ليست دهشة الاكتشاف، بل دهشة الترغيب والإقناع والإقتناع والإستهلاك. ومن جراء ذلك أدرك ألفنان – فائق حسن – مع ذاته، بوعي بالخسران الذي كان يستنزفه، جراء تلبية طلبات لم تنقطع، حتى فقدت خيوله أصالتها! كما فقدت لوحاته الفنية مميزاتها التعبيرية بما تلائم وتحاكي صخب الأحداث المتوالية في البلدان العربية ومنها العراق…، فأدرك، في لحظة محاكمة لذاته، انه أسرف في هذا المنحى، وأبتعد عن مشروعه الفني، الذي منحه ـ عن حق ـ شارة الريادة، فرسم لوحة مشهورة لحصان هزيل يتأمل جمجمة حصان، ضمن مناخ شبيه بنهاية معركة لم تترك سوى الخراب.إن ماسلكه ألفنان – فائق حسن – من إختيار وتميز ووضع بصماته الخاصة في الأثر الإبداعي،

لايعني أن يكون نسخا متكررة في المصادر والتطبيق الحرفي، لدرجة التقليد الأعمى لدى بعض من طلبته لحد الإفتخار بضياع معالم شخصياتهم المنفردة والمتحررة من أنماط.. أصلا هو تحرر منها أستاذنا – فائق حسن – وصلت بهم لدرجة التكرار المطابق والمشابه لغاية وصول البعض لدرجات التزوير، بينما الرسم فيه آفاق واسعة ليس فيها حدود لا في المصادر ولا في التطبيق والإختيار المنهجي، إلا بحدود الأستفادة من الخبرات المضافة لأعمالهم الفني .

وكما ذكرنا آنفا، لم يفرض شروطا مقيدة تكبل طلبته بأطراف وأطر محددة. . إلا في نطاق صيغها الرئيسة في مناهجها الأكاديمية، أي لم تكن على وفق شروطها التعليمية التقليدية، وإنما كان تدريسيا، ملهماً بقدرته على إكتشاف المواهب النادرة ليمشي بها إلى حافات قدرها ويطلقها من هناك لتمارس هواية التحليق الحرّ. كان ألفنان – فائق حسن – منذ بداياته المبكرة، وكذلك ماتزامنا معه، وبعد تخرجنا، يخرج بأعضاء جماعته (الرواد) التي أسسـها عام 1950، وهي أول جماعة فنية عراقية، إلى البرية ليصطادوا الغزلان الخيالية. غير أنه اختار أن يكون وحيداً بعد عام 1967، وتخلى عن زعامة تلك الجماعة لتلميذه إسماعيل الشيخلي. ولكن، ظلّ لديه ما يفـعله في عـزلتـه. فـكرته عن مستقبل الرسم في العراق، وهي فكرة لم تكن صحيحة بالنسبة إلى كثير من رسامي الستينات الذين وجدوا في الخروج على مبادئ صنعته المدرسية نوعاً من الحرية التي ستكون نافذتهم التي يطلّون من خلالها على العالم.


غير أن ذلك التمـرّد لم يُفـقد فـائق حسن صفته التي خلّدته إلى الأبد، باعتباره معلم الرسم الأول في العراق. لقد حرص المحافظون والمتمردون على أن يظل معلمهم محتفظاً بقيمته الأيقونية. وتبقى في ذاكرتنا كونه معلما تدريسيا أكثر مما هو رساما، بسبب العلاقة التوجيهية والتربوية المؤثرة عبر سنوات من تلقي المعلومات المعرفية والأدائية، وفي مراحل متلاحقة من الأجيال.

مميزات منفردة
من خلال معايشتنا التدريسية عبر سنوات الأكاديمية، وجدنا ولاحظنا فروق مختلفة بين سبل طرق التدريس المنهجي بين بعظهم الآخر، لقد كان ألفنان – فائق حسن – من أكثر الفنانين متابعة في التطبيق أمام طلبته، كما وجدتها عند ألفنان – غالب ناهي – مدرس الكرافيك، حيث يقوم بالتوجيه والملاحظات والتشخيص ليس في حدود التنظير الكلامي.. وإنما بتطبيق مجريات التعديل والإضافة وإلغاء بعض التكوينات ألتي لاتتناسب مع أجواء اللوحة. يتم ذلك بالتطبيق العملي على إحدى لوحات الطلبة، عندئذ يجتمع خلفه بقية الطلبة للتمعن والمتابعة، ليس لغرض الطالب لوحده وإنما للآخرين، وتتم تلك المراحل لتؤهل الطالب حينذاك لتكملة مجريات منهجية الأستاذ فائق، بطريقة المتابعة وتشخيص الأسرار ألتي تحتاج إلى المعرفة ألتي تختزن في الذاكرة وإضافات مستجداتها المهارية عبر خبرات التجريب منه ومن أستاذه التدريسي.


لقد كان رسم الموديل الحيّ بالنسبة إليه مجموعة متلاحقة من الضربات التي تتبع إيقاعاً موسيقياً خفياً، كان يلمع في عينيه المفتوحتين أكثر مما يجب. كان يداخل الألوان الحارة والباردة في كل الأجواء والمساحات حتى وجوه البورتريتات, بجرأة ومهارة وحينما أشرنا إلى إتباع التقليد في إطار منهجية ألفنان – فائق حسن – من لدن بعض طلبته، وخاصة في الأقتصار على رسم الخيول ألتي تحولت إلى كائنات أخرى مشابهة لها! !! فهذا لايعني الأغلبية. .بل إن هنالك الكثير من الفنانين ألذين أضحت أسمائهم نتيجة أعمالهم المختلفة في التفرد الوحداني .. سواء في أعمالهم التعبيرية أو رسم الموديلات .. والبعض منهم تزامن معه في مرحلة الرواد وتأسيس الجمعيات. . هؤلاء أستفادو من خبرته اللونية وفرش مساحاتها التكوينية والإنشائية. . بل البعض تحول إلى التجريد التعبيري المعاصر وما بعد الحداثة. وبرغم إختلاف طرق أساليبهم عنه.

إلا إنهم يفتخرون به كونه معلمهم . فضلا عن الحنين الدائم لتلك المصاحبة الزمنية لأحد رواد ألفن العراقي المعاصر. وبنفس الوقت هنالك من اساؤا له بإستخدام إرثه ألفني وسيلة نهباً لجشع المزورين. لقد وجدوا فيه صيداً سهلاً. فالرجل الذي علّم مئات الرسامين، صنع بيديه قتلته، ممن وجدوا في السطو على تراثه، نوعاً مبتذلاً من التكسب والربح السريع. وبسبب كثرة اللوحات المزورة التي تنسب إلى فائق حسن، مما جعل إرثه الفني مشكوكاً في أصالته. فضلا عن تعرض أعماله الأصلية التي وثّقها متحف الرواد إلى ضياع وسرقات أثناء الفـوضى التي تلت الإحتلال الأميركي، وهذا ما جعل الشك يسود أغلب أعماله.لقد ترك فائق حسن – أثره على أجيال من الرسامين، كل واحد منهم كان يفخر بأنه تعلم ما لا يتعلمه الآخرون. وكان مصدر ذلك الفخر شائعا بين الوسط الفني. ولم تقتصر أعماله جميعها على الإسلوب الواقعي. .ولكن مثلما ذكرنا توالت الطلبات على الإستمرار في منتوجاته تلك، ومن الأعمال التي أخذت أسلوبا مغايرا جدارية ساحة الطيران التي لايعرف اسم تلك الجدارية التي نفذت بقطع الموزائيك وبأسلوب تكعيبي وتجريدي تعبيري عام 1958 والتي تقف عند البوابة الجنوبية لحديقة الأمة وسط بغداد.ولد فائق حسن في محلة “البقجة” الشعبية ببغداد عام 1914. في سن مبكرة من حياته توفي والده فتكفل خاله برعايته. كانت أمه تعتاش من صناعة الدمى الطينية، فكانت تلك أولى صلة يقيمها بالفن الذي أخذه إلى الرسم. فائق حسن يستحق مكانته في التاريخ الفني غير أن ما لحق به من ضرر وتشويه كان بحجم تلك المكانة. فلا أحد من الفنانين العرب مارس مهنة تدريس الرسم مثلما فعل فائق حسن الذي لم نره يوما مسترخيا بملابس الأناقة والمظهر كما يفعله الآخرون من التدريسيين، والذين تسودهم الفراغات وسائدية التحدث نظريا.

لقد شاهد رسومه الملك فيصل الأول، ذلك لأن خاله كان يعمل بستانيا في البلاط الملكي. أعجب الملك بالرسوم فتعهد لصاحبها أن يبعثه لدراسة الرسم خارج العراق، غير أنه غادر الحياة بعد سنتين من وعده. حزن الشاب الشغوف بالرسم فقام الملك غازي بوعد والده ويهبه منحة لدراسة الرسم في بوزار باريس عام 1935.حين عاد من باريس عام 1938 ليجد ذراعي الشريف محي الدين حيدر وهو الذي كان قد أسس معهدا للموسيقى قبل سنتين مفتوحتين لأستقباله مؤسسا لفرع الرسم، لتعلن ولادة معهد الفنون الجميلة.بعد سنوات تخرجه من الفرع المذكور كأول وجبة من الرسامين العراقيين الذين درسوا أكاديميا، من بينهم أختار المعلم عددا ليضيفه إلى عدد من أصدقائه من هواة الرسم وليشكل بهم الجماعة الوحشية التي أطلق عليها تسمية “جماعة الرواد” وهي الجماعة التي خرج بها فائق حسن من المحترفات المغلقة إلى الطبيعة. كان ذلك الدرس الإنطباعي بداية لحرية لم يتعرّف عليها الرسامون العراقيون من قبل. ظل زعيما للرواد وكان حريصا على أن تقيم الجماعة معرضا سنويا لنتاج أعضائها. وهو تقليد حرمه من إقامة معرض شخصي له إلا في وقت متأخر. وبالرغم من عدم توافق أسلوبه مع شباب الستينات الذين وجدوا في أسلوب زميله جواد سليم مرجعية لثورتهم. غير أن المعلم الذي إنتقل إلى التدريس في أكاديمية الفنون الجميلة لم يفقد سحره. فحتى نهاية السبعينات كان هناك مَن يرى في الدراسة على يديه نوعا من الإمتياز.

شارك
المقال السابقالقانون رقم ٦٧.. تطبيق بالمقلوب
المقال التالىكوارث الثأر على مصر
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد