تركيا ، ايران ، السعودية .. ودورها في مصائر المنطقة !! – ج١


 

كشفت الأزمة الخليجية الراهنة ان هنالك تحولات عميقة جديدة في الجغرافيا – السياسية في المنطقة . ايران ، القوة الاقليمية التي يشكو الاخرون من طموحاتها ، اصبحت تشكل نقطة استقطاب لكل هؤلاء الاخرين ، الصغار منهم والكبار .

تعمل تركيا ، وهي المنافس الاقليمي الرئيسي المفترض لايران ، على تطوير علاقات تجارية وحتى سياسية – امنية معها رغم شكوى الرئيس اردوغان من ” سياسة التوسع الفارسي ” التي تنتهجها ايران ، ولكن مؤشر العلاقات يرتفع بين الطرفين بشكل غير مسبوق حتى وصل الى التنسيق العسكري المباشر خلال زيارة رئيس الأركان الايراني الى تركيا منتصف شهر اب / اغسطس الماضي حيث اجرى مباحثات مع اعلى المستويات العسكرية والسياسية التركية ، بضمنها الرئيس اردوغان ، يقال انها تناولت تطورات الموضوع الكردي والاستفتاء المزمع في منطقة الحكم الذاتي في شمالي العراق وربما الوضع الحالي في سوريا وازمة الخليج ، مما يعطي هذه التحركات السياسية – العسكرية ابعاداً ستراتيجية ذات امد شامل وبعيد المدى .

اما السعودية التي تقود حملة مقاطعة شاملة ، او حصار ، ضد قطر على خلفية عديد من الموضوعات ، من الأهم بينها نوعية العلاقات القطرية الايرانية ، فانها ذاتها تعاملت هذا العام مع قضية الحجاج الايرانيين بشكل منفتح غير مسبوق وسمحت لهم بزيارة مقبرة البقيع { ملاحظة : يصر السعوديون مع ذلك على انهم لايسيسون موضوع الحج } ، وخلال ذلك التقى وزير الخارجية السعودي مع نظيره الايراني وجرت بينهما مصافحة وعناق حارّان لفتا انتباه المراقبين ، كما يقوم وفد دبلوماسي سعودي بزيارة طهران ومهمته المعلنة اجراء فحص للمباني الدبلوماسية السعودية التي تضررت جراء هجوم متظاهرين ايرانيين عليها بعد إعدام الشيخ نمر النمر ، ويعتقد المراقبون ان وقتاً طويلاً لن يمر لنشهد عودة العلاقات الدبلوماسية تستأنف بين الطرفين ، وقد أعرب ولايتي مستشار الولي الفقيه للشؤون الدولية عن بعض التفاؤل بشأن العلاقات الثنائية بين الطرفين رغم انه يُعدُّ من الصقور ولايفوّت فرصة دون توجيه نقد حاد للسياسة الاقليمية للسعودية . في ذات الوقت فان الحليف الرئيسي ، الامارات العربية المتحدة ، في حرب اليمن وفي مقاطعة قطر ظلت تتمتع لوقت طويل ومازالت بمركز الشريك التجاري الاول بنسبة تزيد عن ٨٥٪‏ من اجمالي حجم التجارة الخليجية مع ايران .

لكننا مازلنا نرى إشارات مؤكدة على ان مايجري لايعكس واقع العلاقات بين هذه الاطراف الثلاثة من جهة توافقها مع اعتبارات الجغرافيا السياسية والمصالح المترتبة عنها . مازالت ايران تعمل على ترسيخ نفوذها في المنطقة تحت شعار تصدير الثورة الاسلامية بعد اشغالها الفراغ الذي صنعه الامريكيون بغزوهم للعراق ثم انسحابهم منه ، وما زالت تركيا تشهد يقظة عثمانية تؤسس لها فورة اقتصادية – تجارية أقوى من اي وقت مضى خلال العهد الجمهوري ، وقد طورت أدوات تدخل جديد في شؤون محيطها الاقليمي المباشر تجاوزت أساليب التاجر السابقة الى وسائل القوة العسكرية على الارض في كل من سوريا والعراق بما يتناسب مع ماتراه من لوازم تطمين أمنها الوطني ومواجهة مصادر قلقها الكردية وتهديدات التنظيمات الإرهابية التي طالتها بعمليات مباشرة كادت تلحق ضرراً جدياً بعوائد صناعة السياحة احد اهم موارد البلاد المالية . ومن غير البائن ان تحولاً قد حصل في الموقف السعودي ازاء رؤيته لايران وطموحاتها الاقليمية ، كما تراجعت نبرة الدعوة للمصالحة التاريخية او ماسمي بصفقة القرن مع اسرائيل .

في خلفية المشهد نرى ان نبرة الخطاب الامريكي ضد ايران في تصاعد ، وهو على آية حال لايتصل بمصالح امريكية مباشرة في المنطقة بقدر مايتعلق برؤيا إسرائيلية لمصادر التهديد المُحتملة لأمنها او لدورها الاقليمي ؛ تركيا عضو في الناتو والسعودية هي الحليف التقليدي ، والرئيسي حالياً في الناتو العربي ( الاسلامي السني ) – الامريكي لمواجهة الاٍرهاب السني ( داعش والقاعدة والاخوان المسلمين ومن على شاكلتهم ) والارهاب الشيعي ( ايران ومليشياتها ودورها الاقليمي ) . كيف يمكن فك هذه الاحجية وما هي حقيقة الموقف ؟! وهنا لابد من العودة الى جذور هذا الوضع وكيف تشابكت خيوطه وملابساته .

لقد بدا الجزء الجديد من قصة الإقليم بالغزو الامريكي للعراق ، هذا الغزو وضع اللاعبين جميعاً امام تحديات لم يألفوها من قبل على هذا القدر من الجدية والتهديد المباشر لامنهم الوطني ، وخاصة بعد الترويج لنظرية نهاية عهد سايكس بيكو واعادة تشكيل ورسم خرائط المنطقة طالما انها وضعت ، وفقاً لهذه النظرية ، بناءاً على متطلبات مصالح القوى الكولونيالية القديمة وتوازنات قوة تعود لعهده غابر { ملاحظة : لاتشير النظرية طبعاً الى ان جميع دول العالم رسمت خرائطها توازنات قوة في عهود غابرة ، وانه ان كان هنالك من خطأ تاريخي ينسب لسايكس بيكو فهو قيامها بتجزأة كيان المشرق العربي وقد عاش موحداً على مدة تزيد عن اربعة عشر قرناً ومازالت عوامل وحدته قائمة ، ولكنها مُعطلة بالقوة } .

ماهو الجديد في الموقف كما يبدو اليوم ؟! ،

أولاً ، لم تعد هنالك مصالح حيوية مباشرة يخشى الغرب ، والولايات المتحدة خاصة ، من فقدانها في المنطقة ، ولاتوجد مصالح يتم تهديدها . ان النفط سلعة وفيرة في الاسواق وليست لدى منتجيه ، اياً كانت خياراتهم الأيديولوجية او السياسية ، رفاهية تحديد الأسعار او الزبائن . ولاتوجد أسباب تدعو للقلق حول تدفقه لان القوة التي ستفعل ذلك ، سواء من الإقليم او من خارجه ، فانما ستذهب الى خيار انتحاري . العالم كله بضمنه على اي محاولة من هذا القبيل بما في ذلك دول الانتاج ؛ باختصار فأن سيناريو قطع الإمدادات النفطية باغلاق مضيق هرمز او الهيمنة من قبل قوة معادية لمصالح الغرب على المنابع الرئيسية ممكن في حالة واحدة : حرب عالمية شاملة تسقط عندها كل الاعتبارات التكتيكية والستراتيجية ؛ اما التدخلات الروسية في الإقليم فانها تتم في إطار مصالح يتفهمها الغرب وهي تتحول في جوانب متعددة منها الى تفاهمات ترسم بموجبها حدود النفوذ والمصالح ولم تتحول الى نقاط احتكاك .

ثانياً ، لم يعد هنالك من قوة تهدد وجود اسرائيل . العرب قد انصرفوا عن القضية منذ امد طويل والدول العربية التي كانت تشكل تهديداً قد أعيدت الى مايشبه ماخلّفه هولاكو والتتار من خراب ودمار ونزعت منها كل قدرات الفعل الذي من شانه تهديد اسرائيل سواء في أمنها او في مشاريع تهويد الاراضي المحتلة . انتهت حروب التحريك كما انتهت من قبلها حروب التحرير وما هو في حوزة اسرائيل من اراض محتلة باق في حوزتها لأمد قادم طويل لانعرف ولانرى مداه .

ثالثاً ، لقد تحقق الحلم الذي راود الاستعماريين الكبار منذ بدات الحملات الاستعمارية الكبرى وذلك بإحياء كل أشكال الفرقة والصراعات الاقليمية على خلفية الخلافات والاختلافات الطائفية والعرقية . تم تقسيم المنطقة جيوسياسياً الى سنة وشيعة واكراد وأقليات اخرى . وما جرى في العراق عام ٢٠٠٣ وشكل النظام السياسي الذي فرضه الأمريكان فيه هو صورة مصغّرة للمنطقة تحت ذات الأسماء او اخرى جديدة ، لافرق طالما انها ترسم خطوطاً تمليها حقيقة وتداعيات الغياب القسري للدولة الوطنية القوية التي عطلتها اجراءات محددة فرضها التدخل الخارجي ( ليبيا ، سوريا ) او قوى الاحتلال ( العراق ) وقادت الى حروب أهلية وعدم استقرار شامل ، فصار الملاذ الامن الوحيد لسكان الإقليم هي الولاءات الفرعية ، وتم تغييب مفهوم المواطنة وفرض ذلك كأمر واقع او من خلال مأسسته دستوريا ً. وفي حالات اخرى تم دعم وتعزيز أنظمة الطغيان التي تنشغل بالامن الخشن وتنفق فيه اكثر من آمن تضمنه عملية كسب العقول والقلوب . هذا الوضع يعتبره البعض مقدمة لاعادة ترسيم خرائط المنطقة بعد تراجع الهويات الوطنية ، وهو توجه يلبي مصالح دول كبرى وفي ذات الوقت تستفيد من ثماره قوى محلية مثل إيران واسرائيل . فيما تخشاه قوة مثل تركيا لعدم امتلاكها مؤهلات الاستفادة من هذا الوضع وخاصة الامتدادات السكانية العقائدية كما في حالة ايران او الاستثمار في الضعف العربي كما في حالة اسرائيل لتنفيذ مشاريع التهويد وقضم الاراضي .

رابعاً ، لقد احدث غياب العراق كقوة مستقلة رئيسية في واقع الجغرافيا السياسية الاقليمية الى نشوء موازنات قوة جديدة وأتاح لقوى مثل ايران الفرصة للتمدد في اقليم شرق المتوسط وهو حلم إيراني متجدد منذ القرن السادس عشر حيث تكل ايران من خلاله على بحور كبرى تتوسط العالم القديم ، فيما وجدت تركيا في ذلك فرصة مناسبة لتدخلات عسكرية محدودة هدفها اضعاف ومكافحة عدوها الاول في المنطقة وهو حزب العمال الكردي وأذرعه الاخرى مثل قوات حماية الشعب في سوريا .

خامساً ، ظهور الاكراد كقوة قومية – سياسية ذات ثقل في إطار الجغرافيا السياسية للمنطقة ويعتبرون الان الحليف الاكثر موثوقية للولايات المتحدة بعد اسرائيل . لايرتبط وضع الاكراد بالقوة الذاتية للأكراد قدر تعلقه بدور أنيط بهم وخاصة في الحرب ضد تنظيم الدولة فضلاً عن الدعم الاسرائيلي والجهود التي بذلتها اللوبيات الاسرائيلية في الغرب والولايات المتحدة لتلميع صورتهم وتقديم قضيتهم باعتبارها نضالاً مشروعاً من اجل تقرير المصير . في العراق يقترب الاكراد من اعلان استقلال دولة كردية لايستبعد التحاق أكراد سوريا بها . اما في تركيا وايران فان حركتهم تواجه صعوبات ذاتية وموضوعية تتعلق باستقرار وقوة الدولتين في تركيا وايران . يتوقع الكثير من المحللين تكرار نموذج أذربيجان حيث توجد دولة أذرية مستقلة فيما يتوزع اذريون في اقاليم محاورة تابعة لدول اخرى خاصة ايران دون مشاكل تهدد باحتمال مطالبتهم بالاستقلال .

سادساً ، حلول الاسلام السلفي الجهادي محل الاسلام السياسي التقليدي الذي كان يتجه لتعديلات جوهرية في برامج عمله . هنالك مايؤكد بشكل قاطع ان تبني خيارات الديمقراطية الانتخابية والتداول السلمي للسلطة والاتجاه نحو مناهج تفكير فقهية اكثر انفتاحاً كانت على جدول اعمال الحوارات الداخلية لاهم حركات الاسلام السياسي ، ولم تكن تكتيكات مرحلية . لقد انتهى ذلك مع الحملة المضادة لموجة الهبات الشعبية التي حملت عنوان الربيع العربي تحت ذريعة مواجهة الأسلمة . لايُعرف على وجه اليقين من الذي كان مستهدفاً ، الاسلام السياسي ذو البرنامج السياسي ام اليقظة الشعبية العفوية التي تمكن من اعتلائها او توظيفها لأغراض برنامجه السياسي ؛ في الحالتين فان المجال بات مفتوحاً والبيئة جاهزة لنمو التطرّف السياسي الوحيد في ظل غياب ايديولوجيات اليسار والقومية ، واعني به التطرّف الاسلامي الذي ينشط تحت مسمى السلفية الجهادية . ان ظروف التخلف الاقتصادي والبطالة المتعلمة والاحتلالات تشكل عوامل إضافية فعّالة لإنتاج وتحفيز هذا العنف الاسلامي .

هذا الوضع الجديد ، بدينامياته المحركة الجديدة الباعثة على العنف والتفتت وتفكيك الكيانات الوطنية القائمة التي حلت محل القومية التقليدية ، قدم للاطراف الاقليمية غير العربية التي مازالت متماسكة وفاعلة حرية اكبر في الحركة وتنفيذ سياساتها وفق رؤى ستراتيجية تباينت في أهدافها ووسائلها ، وما نراه هو الى حد كبير ثمرة المشاريع الاقليمية والنتائج المترتبة عن اداء اللاعبين وكفاءة صانعي قراراتها الكبرى وأجهزتهم المساندة .

تركيا :

اولاً :-

مرت السياسة التركية في المنطقة بعدة مراحل اتسمت حتى اوائل الألفية الحالية بنوع من التردد مع التركيز على البعد الاقتصادي والتجاري . يعود ذلك الى حد كبير لماكانت تشهده تركيا ذاتها من تحولات في بنية نظامها السياسي وخاصة لصالح ابعاد القوات المسلحة عن الميدان السياسي ، كما شهدت الساحة الدولية انهيار الاتحاد السوڤيتي وخروجه من دائرة التهديدات المحتملة بالنسبة لتركيا ، اضافة للمتغيرات الاقليمية التي نجمت عن الاعتداء العسكري الامريكي واسع النطاق على العراق عام ١٩٩١ وفرض الحصار عليه وإخراجه عملياً من موقع القوة المؤثرة في الإقليم واتجاه اقليم الحكم الذاتي الى وضع يشبه الاستقلال مما يمس مباشرة هواجس الامن القومي التركي ، كما كان الطموح التركي في نيل عضوية الاتحاد الاوروپي يحدد الى قدر كبير توجهات سياستها الخارجية نحو الغرب ؛ عوامل تبدو متناقضة ولكن سرعان ما تبلورت في الاتجاه نحو مزيد من الانغماس في قضايا الإقليم .

اتضح ان عضوية الاتحاد الاوروپي قد تكون حلماً اكثر منها طموحاً قابلاً للتحقيق ، كما شهدت العلاقات الامريكية – التركية قدراً من التوتر بعد رفض الاخيرة السماح للقوات الامريكية باستخدام أراضيها خلال عملية الغزو الامريكي له . تزامن ذلك مع تراجع دور النخب العلمانية – الاصولية في الحياة السياسية التركية وحلول نخب اخرى ذات توجهات ” قومية عثمانية – إسلامية سنية ” ، اعلنت التزامها بعلمانية معتدلة خلافاً لعلمانية اتاتورك الاصولية . تمثلت هذه النخبة في حزب العدالة والتنمية الذي تولى مقاليد السلطة في البلاد مع مطلع الألفية والذي افلح في ضم جناح مهم من الاكراد في صفوفه .

انصب القلق التركي أساساً حول مايمكن ان ينجم عن اسقاط النظام القائم في العراق من زيادة النزعة الاستقلالية لدى الاكراد وتزايد نشاطات حزب العمال الكردستاني PKK وهو حركة مصنفة امريكياً واوروپياً على انه حركة ارهابية وقد تسببت نشاطاته في عشرات الالاف من القتلى الأتراك وخاصة من المدنيين ، ومع ذلك فانه يحظى بتعاطف معنوي لدى اوساط غربية كثيرة وتم غض النظر عن عملياته ، وقد تزايد القلق التركي مع تزايد نشاطات هذا الحزب الإرهابية بعد غزو العراق ورفض قوات الغزو الامريكي بذل اي جهود للحد من نشاطه التي كانت تنطلق من معسكرات تدريبه داخل كردستان العراق ، ووفقاً لاستطلاع أجراه مركز Pew الامريكي الشهير فان ١٢٪‏ فقط من الأتراك كانوا ينظرون بايجابية تجاه الولايات المتحدة والغرب عام ٢٠٠٦ . كذلك تزايدت مخاوف الأتراك ازاء ماكان يحدث من عمليات تكريد لكركوك والتي يشكل فيها التركمان نسبة كبيرة وتمد تركيا بكميات مهمة من احتياجاتها من النفط . تمثل موقف تركيا في ضرورة بقاء هذه المحافظة العراقية متعددة القوميات كما كانت طوال تاريخها رغم حملات التعريب التي شهدتها لبعض الوقت .

خلال هذه الفترة عملت تركيا على توثيق علاقاتها مع كل من ايران وسوريا وهما خصمين للولايات المتحدة في الإقليم .

اتسمت هذه العلاقات بقدر كبير من التوتر خلال عقدي الثمانينات والتسعينات على خلفية دعمهما لحزب العمال الكردي ، لكن القضية الكردية عادت وشكلت عامل تقارب بين الأقطار الثلاثة . قام اردوغان بزيارة طهران عام ٢٠٠٤ وتم التوقيع على اتفاق للتعاون الأمني وخاصة على مناطق الحدود المشتركة ذات الأغلبية الكردية خاصة وان منظمة كردية على صلة تنظيمية بهذا الحزب وتحمل اسم ” الحياة الحرة ” بدات تنشط على الاراضي الايرانية .

شكلت الطاقة موضوعاً اضافياً للتعاون حيث احتلت ايران مركز المجهز الثاني لتركيا من مادة الغاز الطبيعي ، وقد حصلت شركة تركية على حقوق التنقيب عن النفط والغاز في ايران كما تم توقيع اتفاق بشأن نقل الغاز التركمانستاني الى تركيا عبر انابيب نقل غاز إيرانية . كذلك حاولت تركيا القيام بمبادرات بالمشاركة مع البرازيل لحل مشكلة الملف النووي الايراني ، حيث اعتبرت تركيا ان ايقاف هذا النشاط يلبي مصالح تركية فضلاً عن كونه مصلحة غربية او دولية وذلك لمنع دخول المنطقة ومنها تركيا في سباق تسلح نووي مع مايحمله من خطورة وأعباء على الموارد .

في عام ١٩٩٨ بلغت العلاقات التركية – السورية نقطة حرجة حيث حشدت تركيا قواتها على الحدود مع سوريا وهددت بعملية عسكرية مالم توقف سوريا دعمها لحزب العمال الكردي . استجابت سوريا حيث تم طرد اوجلان زعيم الحزب خارج سوريا وأغلقت معسكرات تدريب مقاتليه الامر الذي شكل دفعة قوية لتحسين العلاقات حيث شهدت العلاقات تطوراً سريعاً وقام الرئيس السوري بشار الأسد بزيارة تركيا عام ٢٠٠٥في اول زيارة لرئيس سوري الى تركيا . لقد كان للموضوع الكردي دوره في هذا التحسن الذي طرأ على العلاقات حيث بدات الحكومة السورية تشعر بالقلق ازاء تزايد نفوذ اقليم كردستان العراق اقتصادياً وسياسياً بين أكراد المنطقة وخاصة السوريين منهم . لقد قاد هذا التحسن الى توتر في العلاقات التركية الامريكية خاصة خلال ادارةٍ بوش الابن التي بذلت ضغوطاً شديدة على تركيا لالغاء زيارة الرئيس التركي سيزار ، المدعوم من رئيس الوزراء اردوغان ، الى دمشق عام ٢٠٠٥ فيما كانت ادارة بوش تسعى لفرض عزلة دولية على سوريا . عملت تركيا ايضاً كوسيط في محادثات طويلة وغير مباشرة بين اسرائيل وسوريا بشأن عقد اتفاق سلام يتضمن حلاً لمشكلة الاحتلال في الجولان واستضافت وفدين رفيعي المستوى يمثلان الطرفين لهذا الغرض .

بدات علاقات اسرائيل مع تركيا تشهد تراجعاً منذ تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد السلطة في تركيا رغم ان هذه العلاقات شهدت تطورت مهماً على الصعيدين العسكري والاستخباري في التسعينات . بدأ زعيم الحزب اردوغان بتوجيه انتقادات قوية لاسرائيل ووصف عملياتها ضد الفلسطينيين بانها ارهاب دولة كما بدأ بالتقارب مع القيادات الفلسطينية ، السلطة الوطنية وحماس ، واستقبلت تركيا وفداً رفيع المستوى من حركة حماس اوائل عام ٢٠٠٦ بعد الانتخابات الفلسطينية ، وهو امر اثار حفيظة الولايات المتحدة واسرائيل . ادانت تركيا بشدة العدوان الاسرائيلي ضد لبنان عام ٢٠٠٦ وشاركت بقوة من الف جندي في قوة حفظ السلام . كانت ردود الأفعال متضاربة بشأن هذه الخطوة حيث رفضتها احزاب المعارضة التركية كما رفضها رئيس الجمهورية سيزار ، لكن اردوغان اعتبرها مدخلاً اساسياً الى المنطقة وقضاياها الرئيسية . في واشنطن قوبلت الخطوة بارتياح . ادانت تركيا بحدة جميع الاعتداءات الاسرائيلية ضد غزة ونظمت رحلة لقافلة بحرية تركية لكسر الحصار الاسرائيلي المفروض على القطاع وواجهته القوة العسكرية الاسرائيلية وأوقعت عدداً من القتلى في صفوف الناشطين على متن احدى سفنه ووصلت الأمور الى حد سحب السفير التركي من تل ابيب .

شهدت العلاقات التركية السعودية تحسناً كبيراً خلال العقد الاول من الألفية وتم تتويج ذلك بزيارة الملك عبدالله الى تركيا هام ٢٠٠٦ وهي الاولى من نوعها خلال أربعين عاماً وقد توافق الطرفان خلال تلك المرحلة على احتواء النفوذ الايراني المتزايد اضافة الى تشجيع الجهود التفاوضية لحل المشكلة الفلسطينية كما شهدت العلاقات التركية – المصرية تحسناً ملحوظاً هي الاخرى وقد قام الرئيس حسني مبارك بزيارة تركيا وتم الاتفاق بين الطرفين على الشروع في محادثات ذات طبيعة ستراتيجية فيما يخص العلاقات الثنائية لتحقيق شراكة في مختلف جوانب العلاقات وخاصة في مجالات الطاقة والاٌمن الاقليمي .

اعتبرالكثير من المحللين الغربيين ان جميع التحركات التركية باتجاه تحسين العلاقات مع مختلف دول الإقليم هو نوع من التوجه الطبيعي الذي يناسب اقتصادات بدأ يتجه نحو الصعود بوتيرة متسارعة مع مايقتضيه ذلك من تنويع في العلاقات وتوسيع نطاقها عمودياً وافقياً وان يتم التخلص من سياسات البعد الواحد التي طبعت السياسة الخارجية التركية خلال مرحلة الحرب الباردة واتجاه الطموحات التركية نحو عضوية الاتحاد الاوروپي . لم يعد الاتحاد السوڤيتي قائماً وجميع المؤشرات تؤكد ان اوروپا مترددة بشأن عضوية تركيا ، وبدات اوساط اوروپية تعرض شراكة تجارية مميزة مع تركيا كبديل للعضوية . لذلك يمكن القول ان عقد التسعينات والعقد الاول من الألفية الجديدة كانت مرحلة استكشاف آفاق اقليمية جديدة لعلاقات تركيا والعمل على تطويرها بما يتناسب مع احتياجات اقتصاد يشهد نمواً وصعوداً كبيرين ، فضلاً عن تنامي القوة التركية على كافة المستويات بحيث اصبحت تركيا تحتل الموقع العملاق الاقتصادي في الإقليم .

ظلت القضية الكردية تؤرق صانعي القرار الأتراك ولذلك عمدت حكومة اردوغان الى انتهاج ستراتيجية تتسم بالمبادرة وبعد النظر وذلك من خلال السعي لبناء علاقات تعاون طيبة مع سلطات اقليم كردستان العراق . تم افتتاح خطوط طيران بين تركيا والإقليم وتم افتتاح قنصلية في الموصل وشهدت التجارة عبر الحدود العراقية – التركية نشاطاً متزايداً وخاصة في مجال نقل النفط العراقي الخام الى تركيا . هذا التوجه اغضب العسكريين الأتراك الذين عارضوا اي علاقات او حوار مع السلطات المحلية الكردية في شمالي العراق معتبرين ان هذه السلطات وخاصة جناح الطالباني تقدم الدعم لحزب العمال الكردي ، لكن حكومة اردوغان واصلت سياسة الانفتاح على الاكراد سواء في العراق او في تركيا نفسها وشكل الاكراد ثقلاً مهماً في تنظيمات حزب العدالة والتنمية في المناطق التركية ذات الأغلبية الكردية .

لقد كان هذا الانفتاح التركي على المنطقة سبباً في توتر العلاقات بين تركيا من جهة والولايات المتحدة واسرائيل من جهة اخرى وكان الشك في النوايا قد بدأ يتزايد بين الطرفين .

ثانيا :-

جاءت ثورات الربيع العربي والهبات الشعبية التي عبرت عنها ، وتطلعات الشعوب للخلاص من أنظمة الطغيان التي جثمت على مقاديرها منذ ستة عقود وأحالت الشعوب العربية الى كتل بشرية تعيش على هامش التاريخ ، فأطاحت بحكومات تونس ومصر وليبيا واليمن ثم وصلت الى سوريا . رافق تلك الثورات صعود حركات الاسلام السياسي التي ظهرت على الساحة بفعل قدراتها التنظيمية التي تعود لخبرات تراكمت على عدة عقود معظمها في السجون والمنافي مقابل فقر شديد عانت منه الحركات اللبرالية والعلمانية التي تحالفت أحياناً مع أنظمة الطغيان او سمحت لها بالتدثر بأغطية العلمانية وفقدت لذلك الكثير من رصيدها الشعبي . هذه الظاهرة جعلت القيادة التركية تقوم بإعادة النظر في الموقف وفق أسس وأولويات جديدة . أسس سيثبت عدم واقعية بعضها او عدم ملائمة الظروف الدولية للبناء عليه . هذه شكلت المرحلة الانتقالية التي شابها الكثير من سوء التقدير ، وهو ما أدركته القيادة التركية والاجهزة المساندة فتم في السنة ونصف الاخيرة اجراء عملية تقييم واعادة نظر شاملة والانتقال الى مرحلة جديدة في الاداء على مستوى الإقليم .

أهمية هذه المرحلة تكمن في إظهار المرونة والقدرة على التعامل مع المتغيرات الاقليمية والدولية التي طبعت الاداء التركي ( والايراني ) في المنطقة ويعود ذلك الى حد كبير للخبرة الطويلة المتراكمة للاجهزة البيروقراطية المعنية برسم الخيارات السياسية لانها لم تخضع للتغيير مع تغير الأنظمة ، اضافة الى قدرة القيادات السياسية على اختيار السياسا المناسبة ؛ امر افتقرت له الپيروقراطيات العربية التي عاشت عمليات تطهير واسعة النطاق بشكل متكرر رافق التغيير في الأنظمة ، كما وقعت قيادات السياسية العليا في الخطأ المميت حين جعلت من هواجس آمن الأنظمة مضموناً لعقيدة الامن الوطني .

يتبع

شارك
المقال السابقادارة الطائفية والطائفيين في الدولة الديمقراطية
المقال التالىالتهديد
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد