ادارة الطائفية والطائفيين في الدولة الديمقراطية


 

يحضر تمثيل المكون بقوة اثناء عملية التحول نحو الديمقراطية في المجتمعات ذات التنوع المذهبي والديني والعرقي والاثني بشكل يستلزم عقلانية سياسية كبيرة .
لا معنى للحياة الديمقراطية اذا لم يكن فيها السني سنيا ؛والشيعي شيعيا ؛والمسيحي واليهودي والصابئي والايزيدي والمندائي والبهائي والكاكه يي والملحد واللاديني حرا في انتسابه ممارسا لشعائره ، كما ان لا قيمة للديمقراطية التي لا يحضر فيها العربي بعروبيته والكوردي بكورديته والتركماني والشبكي والفيلي وهكذا كل المكونات .
لا تسعى الديمقراطية لتغيير قناعات الجماعات الاجتماعية الدينية والعرقية ؛وصهرهم في هوية شاملة ،الديمقراطية ليست هوية بديلة اطلاقا ،لان الديمقراطية وعاء يستوعب كل الهويات والرؤى ،الديمقراطية آلية تفاهم وفلسفة تعايش ،رغم ان الفكر الديمقراطي مبني على أسس نقدية تمثل جوهره، وهي تستهدف التفكير الديني والاجتماعي والسياسي على السواء ؛ولكن الديمقراطية لم تكن يوما بديلا عن اي منها .
الانفعال الطائفي في الخطاب السياسي يسبب ضررا للعراق، ويشكل الحاضنة والمغذي الرئيس للعنف الطائفي والجماعات الجهادية والإرهابية، وهذا صحيح وان لم يكن دقيقاً.
 لانه يغذي الجماعات العنفية بالانفعال الطائفي الذي تقنع به شرائح واسعة من الشباب بالانضمام لصفوفها والتورط بالاعمال الإرهابية والإجرامية ؛

ولكنه غير دقيق لانه يفترض ان الدولة جزءا من الصراع .
الدولة (بسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية )يجب ان تكون حيادية في صراع المكونات، وتعمُّد لإدارة الخلاف وتحقيق مصالحهم الوطنية المشتركة، ويجب ان تعمل باخلاص وتفانٍ على حماية الطوائف وممثليها بما فيهم الاشد انفعالا وتشددا لتحميهم من الوقوع ضحية استغلال الجماعات الإرهابية والإجرامية .
وهذا يعني ضرورة التمييز بين الطائفيين المتعصبين (رجال دين ،سياسيين ،شخصيات عامة)وبين المجرمين والارهابيين على أسسٍ طائفية وعنصرية .
الطائفيون هم التنفيس الحقيقي للاحتقان الاجتماعي، والدليل الأبلغ على حيادية الدولة ونجاح تجربتها الديمقراطية، بل انهم صوت معارض أشد قسوة وقبحا ،وحمايتهم من قبل الدولة سيجعلهم في مواجهة مباشرة مع معتدلي مكوناتهم قبل غيرهم، وسيؤدي عمليا لإضعافهم وفقدان خطابهم تأثيره الفاعل .
شخصيا كنت أتألم لخطاب العلامة الدكتور رافع الرفاعي وهو احد كبار العلماء السنة الصوفيين المعتدلين دينيا، لكنه اصبح اشد انفعالا على المستوى السياسي، وأصبح يحرض على العنف بشكل واضح ؛ولكن لو راجعنا بشكل موضوعي خطاب الرجل سنلاحظ انه بدا معتدلا ولكنه لم يستطع ان يؤثر بشكل إيجابي في حماية ابناء طائفته، ما جعله ينفعل وبشكل تدريجي ؛

الى ان اصبح من أشد علماء السنة العراقيين انفعالا حتى بات خطابه يتماهى مع خطاب المتطرفين والارهابيين، سبقه لذلك شخصيات أشد تأثيرا مثل الشيخ حارث الضاري والدكتور عدنان الدليمي والفقيه الكبير العلامة عبد الملك السعدي وهو امام اهل العراق وفقيههم ،وكذلك الحال بالنسبة للعلامة الشيخ احمد حسن الطه وغيرهم من رجال دين أفاضل شوافع واحناف .
سياسيا كان الدكتور طارق الهاشمي في طليعة القياداتالسنة التي انخرطت بالعملية السياسية ؛واسهم في صياغة الدستور وتشجيع السنة على المشاركة السياسية مخالفا في ذلك مزاج عموم السنة حينها ،لكن الهاشمي كان السني الاشد اصرارا على حماية مصالح السنة في إطار العملية السياسية والتخفيف من معاناتهم ؛ما جعله يتبنى خطابا متشددا اعتبره شركاءه الشيعة طائفيا وتحريضيا ؛وعملت حكومة المالكي على إقصاء الهاشمي وإبعاده عبر مجموعة من الاتهامات اخرها اتهامه بأعمال اجرامية وإرهابية اضطرته لتبني مواقف اكثر تشددا وطائفية .

ليس الحال اقل مع الطبيب الانباري الأكثر توازنا الدكتور رافع العيساوي، الذي عمل مع المالكي نائبا لرئيس الوزراء ثم وزيرا للمالية ،والغريب ان العيساوي تم استهدافه بعد كشفه ملفات تلاعب بالمال العام وسرقة مليارات الدولارات بطرق غير قانونية مشبوهة ،فضلا عن غسيل الأموال التي تؤثر بشكل كبير على اقتصاد البلد؛

وانتهى الامر لذات السيناريو من التهم والتخوين بالارهاب والجرائم ؛الامر الذي ادى الى تفجر الشارع الانباري وباقي المدن السنية المحتقنة اصلا ؛ونصبت سرادق الاعتصامات وأطلق السنة صوتهم عبر احتجاج سلمي رفعت من خلاله شعارات ومطالب طائفية ومشروعة معا .

مراجعة بسيطة لما أنتجته سياسة إقصاء الصوت المنفعل والمتشدد نجد ان النتيجة الطبيعية هي البديل العنيف والإرهابي، اذ ان رفض احتجاج السنة بعد 2003 أنتج فصائل المقاومة المسلحة ومحاربة تلك الفصائل ساعد بتوسع نفوذ القاعدة وهكذا داعش .

في الجانب الشيعي مارس الصدر احتجاجا سلميا تم استهدافه فأنتج جيش المهدي الذي خاض معارك ضارية مع الاحتلال الامريكي في اكثر من مدينة شيعية ؛واستمرار العمليات الإرهابية ضد الشيعة أنتج اكثر من 100 فصيل مسلح الان تحت مبرر حماية الطائفة .

يجب حماية المتعصبين والمتشددين ،وضمان مصالحهم في إطار الدولة المحايدة ،ونعمل بجد على توسيع الهوة بينهم وبين الجماعات المتشددة والميليشيات والتنظيمات الإرهابية ،وتشجيع انخراطهم في العمل السياسي، وتمكينهم من انتصارات سياسية تشجعهم على التخلي عن خيارات العنف والارهاب .

علينا ان ندرك بعد تجربة 13 سنة ان صوت المكونات جزء من ادبيات العمل السياسي في الحياة الديمقراطية ،لا يمكن إسكاته عبر تبادل التهم والتخوين والاقصاء والعنف السياسي والاستقواء بالمحاور الإقليمية والدولية .

صوت المكونات يهدأ ويكون اكثر عقلانية حينما تبتعد الدولة عن الاصطفاف لصالح فريق ضد الاخر ،ويصمت حين تحقق الدولة مصالح المواطنين من أبناء تلك المكونات وتجعلهم يشعرون ان شراكتهم في الوطن تدر عليهم الأرباح وتحفظ أمنهم وكرامتهم ومصالحهم .

ولاlومن الجدير بالتأكيد ان تطرف وتعصب وطائفية اي مواطن لا تلغي حقه بالمواطنة القانونية والسياسية

لا تعليقات

اترك رد