فاتورةُ أُم


 

انتْ مها من سُمنةٍ مفرطة منذُ نعومة أضفارها بسبب اختلالٍ هرموني جعل منها وحشاً مُنزوياً متوحِداً بهيئة طفلة. ولأنها كانتْ ترفضُ كل محاولات أمها لجعلها تتقبَّل وضعها وتتصالح مع نفسها، اختارتْ من العالم الافتراضي مهرباً لها، ولتجنُّبها ردود الفعل الساخرة من شكلها، عينتْ صورةً لجميلة مجهولة لتعريف حسابها للتواصل الاجتماعي.

كونتْ جملةَ أصدقاء وصديقات وراحتْ تُحيك من إبداعها لفن الرسم نافذةً لعالمٍ يجذبُ المعجبين بمهارتها بالعشرات، إلّا أن أحدهم كان أقربهم إليها. وبحجةِ زمالة الاهتمام راح يرسمُ لها لوحاتٍ لحسناواتٍ ينسبها لها في مخيلتهِ.

لم تزد مها ذاتِ السبعة عشر عاماً تلك المخيلة إلّا خذلاناً، لما يتمناه من التماس الحسناوات في شكلِها عند ذلك القريب البعيد عنها، واختارت أنْ تبتعد عنه حين أبلغتهُ بأنها لم تعد تُريد أنْ تحادثهُ. إلّا أنها صُدمت حين طلب منها أنْ ترى آخر لوحاتهِ قبل أنْ تُقرر البعد. حين رأت صورة هيئتها الحقيقة قد رُسمت بلطافة وتجميلٍ ملحوظ، تلعثمت بين ما رأتهُ من تقبُّل لشخصِها لديه، وبين تساؤلها عن كيفية علمه بحالتِها وهي تلك المنزوية عن العالم. تمنَّع بمكرٍ ودهاء، ليرد على تساؤلها قائلاً:

– أولستُ رساماً، ولديَّ عينٌ تنبثقُ من الروح لتُبصرَ ما لا يراهُ الآخرون؟ فقد رأيتُكِ بعين روحي.
تهلَّلت أسارير وجهها بأملٍ مُولود وفرحة لم تعهدها سابقاً. وراحت تبحثُ بين رفوف المحلات عَمَّا يُبدي أنوثتها المطمورة خلف تلك الملامح المُتقاربة من فرط السُمنة. لم تستغرب تلبية جميع احتياجاتِها من والدتها، التي لطالما انتظرتْ هذهِ اللحظة.

وبينما كانتْ تجمعُ ادوات التجميل بنهمٍ وشغف أدارت ظهرها لترى إنْ كان بوسع والدتها تحمَّل التكاليف من عدمه. لم تلحظ والدتُها، التي كانت منهمكةً باختيار البضاعة الأكثر مناسبةً مع عُمر ابنتِها بأنَّ مها اقتحمتْ حقيبتها بحثاً عن كومة النقود، لتأتي رسالة قصيرة على شاشةِ هاتفها المحمول المخبأ بين أكوام محتوى الحقيبة، تُفصح عن سر عين الروح تلك.. لتقرأ:

– مرحباً سيِّدتي! أنا الرسام، الذي اتفق معكِ على مالٍ مُقابل أنْ أجعل ابنتك تبتسم. أنا قد أتقنتُ اللعبة. وعليكِ تسديد الفاتورة الآن.

لا تعليقات

اترك رد