الحرب الدبلوماسية المتصاعدة بين روسيا وأمريكا


 

لايخفى على أحد أن العلاقات الأمريكية -الروسية ظلت دائما بين مد وجزر في سياق التنافس والصراع بينهما على موارد الطاقة والنفوذ العالميين . وعلى الرغم من كون رواسب الحرب الباردة قد أثرت في علاقات البلدين , ولاسيما في بعض القضايا والمسائل الدولية والاقليمية التي تشكل بؤرا للتوتر بينهما , الا أن خبرة السنين علمت كلا الطرفين كيفية تجاوز خلافتهما القائمة وفق الرؤى البراغماتية التي تؤمن بالضرورة تحقيق مكاسب معينة للطرفين .
غير أن الأحداث الحالية على الساحة الدولية والتحول الذي طرأ على نوعية القيادة في كلا الطرفين , أظهرت تناقضات العلاقات بين الدولتين العظميين وما سادها من تقلبات وتدخلات وتعقيدات , فكان التنافس والتوتر السمة المميزة لهذه العلاقة , وخاصة حيال العديد من القضايا الدولية الراهنة وأبرزها مسألة الربيع العربي والأزمة السورية والأوكرانية , فضلا عن مسائل خلافية أخرى تقف وراءها حرب العقوبات . وهاهي اليوم تدق طبول الحرب الدبلوماسية بينهما من جديد , من خلال اغلاق قنصليات وطرد دبلوماسيين وتصريحات انتقامية من الطرفين . فاٍلى أين يمكن أن تصل حدة هذه التوترات الدبلوماسية بين موسكو وواشنطن ؟ وماذا تخفى من ورائها ؟ هل هي حرب سفارات أم صراع مصالح ؟
ما من ريب في أن ما تشهده العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا من توتر كبير , يعود اٍلى ما قبل تولي الرئيس الحالي دونالد ترامب مقاليد الحكم في البيت الأبيض(20 جانفي -يناير) حينما قررت ادارة الرئيس باراك أوباما طرد 35 دبلوماسيا روسيا وأمهلتهم 72 ساعة للمغادرة على خلفية اتهام روسيا بالتدخل في انتخابات الرئاسة الأمريكية , فيما يعرف ب”أزمة القرصنة” , وربما محاولة منها لزرع الألغام واجبار الرئيس المنتخب دونالد ترامب على متابعة هذا النهج العدائي ضد روسيا . ويبدو أن هذه الأزمة باعدت الى حد كبير بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب , بينما كانت كل التوقعات تشير اٍلى عهد جديد بين الدولتين مع ترامب نظرا لمواقفه الاٍيجابية تجاه روسيا وبوتين على وجه التحديد .

لكن رغم ذلك أرتفع منسوب التوتر بينهما , فقد ردت روسيا على العقوبات الأمريكية الجديدة والتي وصفتها بأنها “خطوات عدائية ” , بخفض عدد الدبلوماسيين والعاملين في السفارة الأمريكية بموسكو وبمغادرة 755 شخصا منهم (نهاية شهر جويلية – يوليو ) . ومن ثم أستؤنفت حرب العقوبات والردود المتبادلة بينهما هذه الأيام , مع اصدار البيت الأبيض أمرا باٍغلاق القنصلية الروسية في سان فرنسيسكو والبعثات التجارية في واشنطن ونيويورك في اطار مبدأ ” المعاملة بالمثل ” .

ولا شك أن العلاقات بين البلدين حاليا , تبدو الى أدنى مستوى منذ الحرب الباردة , وهذا ما أعرب عنه ترامب ” بأن علاقاتنا مع روسيا في أدنى مستوياتها التاريخية وبالغة الخطورة ” !! حينئذ هل مازالت روسيا تراهن على ترامب ؟ وهل بات بوتين يدرك أن حليفه ترامب هو حصان خاسر ؟

من الثابت والمعلوم أن هناك مؤسسات سياسية تصنع السياسة الخارجية للولايات المتحدة , وهناك اتفاق بين وزارة الدفاع والخارجية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية حول الرؤية الأمريكية للعلاقات مع روسيا , وبالتالي يبدو أن ترامب هو رجل أعمال تربطه بروسيا علاقات مالية ولكنه لا يستطيع تغيير مسار السياسة الخارجية الأمريكية وحده , بالاٍضافة الى ذلك ليس من مصلحة ترامب اٍلغاء العقوبات المفروضة على روسيا أو تخفيفها , طالما هناك السيف المسلط على عنقه وهو التحقيق المستمر في مسألة العلاقات بين مكتب ترامب الاٍنتخابي والمسؤولين في روسيا , فلن يتمكن الرئيس الأمريكي من عمل أي شئ لتحسين العلاقات مع روسيا . لهذا تفادى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف توجيه اللوم الى الاٍدارة الأمريكية الحالية في التوترات الأخيرة , بل حمل الرئيس السابق باراك أوباما المسؤولية المباشرة عن ذلك , مضيفا أن ” لا أحد يستطيع التحرك بدون تعاون مع الآخرين ” مستعينا بمقولة ” رقصة التانجو تحتاج اٍلى شريكين ” وموضحا أن” شريكنا يؤدي مرة بعد مرة منفردا رقصة البريك دانس ” !

ومن هنا يتضح جليا أن الروس بعد استمرار العقوبات الاٍقتصادية عليهم , توصلوا الى خلاصة مفادها أن ترامب شخص غير موثوق به ولن يبدي أحد اهتماما به في موسكو بعد اليوم , وباتت المعركة بين السلطات الروسية والمؤسسة الأمريكية . وأن سياسة التخفيف من حدة التوترات , صارت قيد النظر وأختارت بالتالي روسيا مسار التصعيد . فماذا يخفي من ورائه هذا التصعيد ؟ وهل السبب الحقيقي لهذا التوتر غير المسبوق هو تعارض المصالح بينهما ؟

لاغرو في ذلك أن التوجه الروسي الجديد لمحاولة استعادة نفوذه القديم في منطقة الشرق الأوسط , قابله تحرك أمريكي حثيث في محاولة لمنع أي تغلغل روسي في هذه المنطقة والتي تعتبر من أكبر مناطق النفوذ بالنسبة لأمريكا في العالم , وبذلك عاد التنافس من جديد بين الجانبين في سياق ترتيب كل منهما استراتيجيته حسب مصالحه القومية وبعيدا عن كل الاٍعتبارات الاٍيديولوجية . ويبدو أن هذا التنافس الحقيقي بينهما , هو صراع حول أنابيب الغاز , حيث أصبح الغاز اليوم يشكل أداة حقيقية للتأثير في الموقف الدولي . ولا يخفى على أحد مدى أهمية الغاز في ظل اٍدارة فلاديمير بوتين , فقد جعله من بضاعة اٍلى مصدر للسياسة الاٍستراتيجية الخارجية , وتحول اٍلى كل شئ بالنسبة للاٍقتصاد والسياسة الروسية , وبالتالي أصبح معادلة للتعاون الاٍيجابي . وبما أن القسم الأكبر من أوروبا يستهلك الغاز الروسي في الصناعة وفي الحياة المعيشية , ساهم ذلك في احتكار الغاز الروسي من قبيل الشركات الروسية “غازبروم ” , وهذا ما يفسر تحركات روسيا الاٍقتصادية والسياسية والجيوسياسية اٍقليميا ودوليا وسعيها اٍلى تحقيق مصالحها في اطار الصراع الرأسمالي- الاٍحتكاري الدولي على مصادر الطاقة وتوسيع نفوذها الاٍقتصادي والعسكري .

من ثم نتبين حدة التوتر والصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا , فهو لا محالة صراع أنابيب الطاقة الذي يعد خطا أحمر بالنسبة للروس . فمنذ مطلع القرن الحالي , تم وضع عدد من الخطوط لتمديد أنابيب الغاز , منها ما بدأ تنفيذه , ومنها ما لايزال قيد التخطيط . وقد قامت روسيا بتنفيذ بعض هذه الخطوط لتعزيز موقعها في سوق الطاقة العالمي على المدى البعيد , والبعض الآخر قام به الأمريكيون كخيار استراتيجي للحد من هيمنة الروس على سوق الطاقة العالمي . وبدأت تتشكل ملامح التنافس حين رسم بوتين استراتيجية شركة “غازبروم ” لتتحرك في نطاق وجود الغاز من روسيا , فأذربيجان فتركمانستان , فاٍيران وصولا الى منطقة الشرق الأوسط . وكان من المؤكد أن مشروعي السيل الشمالي والسيل الجنوبي سيرسمان عودة روسيا الى المسرح العالمي واحكام السيطرة على الاٍقتصاد الأوروبي الذي سينعقد للعقود على الغاز الروسي . وهذا طبعا لا يريح أمريكا وحلفائها , فكان على واشنطن أن تسارع اٍالى تصميم مشروعها الموازي (نابوكو) لينافس المشروع الروسي , وهو خط وممر استراتيجي مقترح لتصدير الغاز من الشرق اٍلى الغرب بطول 3300 كلم ويمتد من أرزووم في تركيا عبر بلغاريا ورومانيا والمجر وينتهي في مجمع غاز بومغارتن في النمسا , حيث يتم توصيل الغاز من هناك اٍلى دول أخرى تربط مباشرة أوروبا بمصادر الغاز في بحر قزوين والشرق الأوسط , والهدف منه كسر الهيمنة الروسية على سوق الغاز في أوروبا والعالم .

وهذا طبعا , ما أثار حفيظة روسيا وأظهرت ممانعتها قولا وفعلا , وأعتبرته يستهدف كيانها الاٍقليمي ومعاديا لها , وسعت الى مجابهته وتعطيله , وجففت كل المصادر لمده بالغاز . ومن هنا يكمن مربط الفرس في الاستراتيجية الأمريكية , فبحثت عن مصادر أخرى للغاز من صحارى الجزيرة العربية وتحديدا من قطر ومرورا بالممكلة العربية السعودية , ثم يتجه غربا اٍالى الأراضي السورية , حيث يلتقي بخط الغاز المصري والاٍسرائيلي ويتجه بعدها الى تركيا . وهنا ظهرت مشكلة أخرى وهي رفض النظام السوري الاٍنصياع للضغوطات الغربية والسماح بمروره , لأن هذا المشروع سيلحق أضرارا بالغة بأهم حليف استراتيجي وهي روسيا .

ومن ذلك ندرك التركيز الغربي على سوريا وسبب الخلاف ومربط التدخلات الدولية في المنطقة . لهذا حملت روسيا قضها وقضيضها لسوريا , مما قلب المعادلة رأسا على عقب , من أجل اٍفشال المخطط الأمريكي لتقليل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي , فدعمت ترامب وراهنت عليه وربما تدخلت حتى في فوزه في الانتخابات على منافسته هيلاري كلينتون . وهذا ما يفسر حرب العقوبات الأخيرة بينهما والتي تقف من ورائها في العلن الخلافات حول سوريا وأوكرانيا ومحاربة الاٍرهاب وأزمة القرصنة , لكن في الحقيقة هي حرب حول تعارض المصالح بين الدولتين , ومن الغباء أن نفهم عكس ذلك !

من الواضح أن توجهات القيادتين قد اصطدمت في ما بينها في ضوء هذه القضايا التي شكلت بؤرة جديدة للتوترات بينهما , فكل طرف حريص على أن يكون له نفوذ قوي وتحويل موازين القوى لصالحه , وبالتالي حقيقة الصراع الروسي -الأمريكي سواء في الشرق الأوسط ,وبالخصوص داخل سوريا , وفي آسيا الوسطى وحتى في افريقيا , هو صراع أنابيب الغاز لاريب فيه !
مهما يكن الأمر , فاٍن الأيام القادمة ستشهد مزيدا من التصعيد بين روسيا وأمريكا , وأن المواجهة ستتصاعد على كافة المستويات والأصعدة . فهذه الدول الكبرى ستعيد خلط أوراقها وبدء جولة جديدة من معركة تكسير العظام وربما في مكان آخر ! .

لا تعليقات

اترك رد