شاكر حسن آل سعيد – ترك الأثر في ( البعد الواحد ) وخياله ( الصوفي )

 

في البداية لابد من توضيح ماورد من كلمات في عنوان المقالة ألتي تلخص محتوى أعماله وسلوك إختيار أسلوبه المتعارف عليه.
(الأثر(: مفهوم الأثر هنا لايعني الأثر ألفني، وإنما مايسبقه من أثر للإنسان والكائنات الأخرى، على الأرض والجدران والمكانات الأخرى، تلك ألتي يترك أثرها بعفوية دون قصد أو تدوين مفتعل، ومنها مايدونها حتى صغار السن من شخبطات وتواريخ وذكريات وحركات خطوط على الجدران. بينما “الأثر ألفني” يأتي بعد تدوين تلك التكوينات والأشكال في لوحة فنية، كما يفعلها ألفنان – شاكر حسن آل سعيد – حيث لايرسم الإنسان وإنما مايتركه من أثر.أما )البعد الواحد( : فهو البعد الذي يبدأ بمرحلة مابعد النقطة، حين تتراصف بجنبها نقاط متتالية، لتشكل خطا مستقيما أفقيا. ثم يليها خط العرض ليشكل البعد الثاني.


ثم يليها الخط الرأسي، ليشكل البعد الثالث .لقد طور مفهوم الأبعاد مع تطور الإنسان وأقصد هنا تطوره في الحياة ففي الزمن الأول كان الانسان يتعامل مع بعد واحد في حياته هذا جاء من إحتياجه للبحث عن طعامه فكان يستخدم رمحه لأصطياد فريسته وبالتالي كان يقذف رمحه في إتجاه الفريسة حيث ينطلق الرمح في خط مستقيم وحركة الرمح هنا تكون في بعد واحد، ومن ثم أحتاج الإنسان ليزرع الأرض وبالتالي أحتاج إلى التعامل مع مساحة من الأرض تحدد بالطول والعرض وهذا يعد إستخدام بعدين، لأنه بدونهما لايستطيع تقدير مساحة الأرض المزروعة. وعندما أحتاج الإنسان للبناء أخذ يفكر ويحسب في البعد الثالث وهو الإرتفاع. وهذه هي الأبعاد الثلاثة، والتي كانت الأساس في حسابات الإنسان الهندسية، وحتى مطلع القرن العشرين أعتبرها الإنسان كافية لحل كل المسائل التي تقابله على سطح الكرة الأرضية. وحتى يومنا هذا نعتمد على الأبعاد الثلاثة في تنقلاتنا وسفرنا وحساباتنا. أما البعد الرابع: فإن العالم آينشتاين هو العالم الوحيد الذي فكر في البعد الرابع (الزمن) وقال أن الكون الذي نعيشه ذو أربعة أبعاد وهي الطول والعرض والإرتفاع والزمن. أدخل البعد الرابع في جميع حساباته.أما فيما يخص الصوفية: أخذت أسمها العام من الصوف ، أي لبس الصوف ، ذلك أنهم يعتقدون أن لبس الصوف مما يقرب إلى الله تعالى ،

لأن فيه نوع تعذيب للنفس، وهم يعتقدون أن طلب العبد إذلال نفسه وإذاقتها ما يؤذيها، مما يقرب العبد إلى الله مطلقا، مع إن لنا رأي في خصوص التصوف، والمبالغة والمخالفة عن أصول الدين، إلا إن الموضوع هنا ليس لنا شأن به. وعودة إلى مفهوم وأبعاد الأثر ألفني، فإنه يعني كلّ أثر فنّي هو مطلق في حدّ ذاته أي أنّه لا يمكن الحكم له أو عليه أو تقييمه على وفق مقاييس غير تلك التي تنبثق منه. فالأثر الفنّي يخلق عالمه الخاصّ. لذلك لا تجوز المقارنة بين أثر فنّي وآخر. ومن الفنانين يعلم مسبّقا كيف سيكون أثره الفنّي حتى وإن خطّط لذلك وأعتمد مادّة معرفيّة خاصّة بميدانه الفنّي. إنّها المفارقة التي ما فتئت تقضّ راحة الفلاسفة خصوصا منهم الذين اعتنوا بالفنّ كموضوع فلسفي. فالأثر الفنّي يرتبط في نفس الوقت باللاّنهائي والنهائي، بالمحدود واللاّمتناهي. فعندما يبدع الفنان أثره الفنّي يبرز شكلا أو رسما أو قطعة موسيقيّة أو قصيدة محدودة ونهائيّة أي ما يعبّر عنه الفيلسوف (كورنيليوس كاستورياديس) بموضع أو موقع الأثر الفنّي. لكن هذا الأثر الفنّي المميّز والفريد والذي لا يمكن أستخلاصه من أيّ عالم سابق يجعلنا نشهد ونرى ولو للحظة ذلك الفراغ والإبهام والفوضى، فوضى بدون قاع وبلا حدود ولا تحديد وهذا كنقيض للأثر الفنّي المحدود.

فالأثر هو انفتاح على اللاّمحدود واللاّثابت واللاّمحدّد وهو في كلّ مرّة يضع بصمته ويبني ويخلق في هذا الفراغ. إذا جاز تعبير المتصوّفين نقول أنّ الأثر الفنّي هو ملامسة اللاّنهائي، هو إبحار في عالم رحب أو عالم الغيب، هو تعيين شكل محدود في عالم غير محدود، هو يجعل الشكل يرى اللاّنهائي. كلّ ذلك يفسّر الفرق بين أثر فنّي بديع وأثر عادي لا يرتقي إلى مستوى الفنّ الرفيع. وحده الفنان قادر على إبراز ذلك الفراغ واللاّنهائي والفوضى من خلال خلق أشكال. فالفنّان القدير هو ذلك الذي يخلق أشكالا وصورا قادرة على ملامسة اللاّمحدود. الفنّ هو إسم للاّمسمّى وإطلالة على المترامي وحركة لا تنتهي بين خارج وداخل، ظاهر وباطن، هو قدرة على تحريك الجمود وإنشاء المعنى من الفوضى والغموض. وبما أن الإنسان بصفته كائنا زائلا وعابرا يبني على أرضية لزجة وغير واضحة المعالم ومبهمة والفن (ككل عملية خلق) يبني في هذا الفراغ ويتحدى الإبهام ويسجل الحضور في عالم الغياب. فإن ألفنان – شاكر حسن آل سعيد – لايرسم أجساد زائلة، وإنما مايتركه من أثر يمثل حركة فكره وحيوية إدراكه المعرفي والنفسي والأداء ألفني والمهني لكل البشر. والأثر ألفني يبقى ويصمد على مدى الأيام ويحافظ على مكانته مع مرور الزمن.

أنّنا كيانات زائلة وعابرة وأنّ أفكارنا ورؤانا وتصوّراتنا هي الأخرى محكومة بالموت. أما مضامين الإنجاز والأثر هو الذي يبقى مخلدا ومدونا بمهارة التصنيع، وتدوين في العمل الفني. كما دونه ألفنان – شاكر حسن آل سعيد – في أعماله المجردة الحديثة، ببعدها الواحد. وفي هذا المجال أوضح بأن البعد الواحد (تأملٌ للكون أو وصف شهودي للعالم الخارجي وبواسطة لقية فنية يتوحد فيها الإنسان والعالم كأثر لا كخلق). لقد تحول الفنان – شاكر حسن – في نهجه النظري حول الفن ضمن جماعة البعد الواحد نحو أبعاد مختلفة عن مراحلها السابقة. حيث إهتمت الجماعة بالحروف العربية كعناصر شكلية في الفن الحديث، طبقاً لما أشار به – شاكر حسن – في البيان الفني. وكان إهتمامه بالأحرف العربية لم يكن يقتصر على أشكالها وطريقة كتابتها، بل كان يعتبرها جزءاً لا يتجزأ من جمالية الأثر، الذي نوهنا عنه آنفا، وضمن تداعيات الحياة وعلامات مرور الزمن، كما تدل على ذلك الشقوق والصدوع المشغولة بدقة على لوحاته “الجدارية”.وتبدو أعماله السابقة، فيها تقارباً مع حركات الفن الأوروبية الطليعية، مثل الإنطباعية والتكعيبية، وعلى الأخص أعمال بول كلي، لكنها تستلهم كذلك من التراث العربي ـ الإسلامي والثقافة الشعبية. عناصر تشخيصية وتجريدية مختلطة، مقسمة، من خلال أنماط شبكية، إلى مساحات مختلفة من الألوان الزاهية. فيها وحدات متجاورة من الأشكال التصميمية الملونة، تتداخل معها الحروف العربية، لكن هذه المرحلة من الألوان والتصاميم المجردة الزاهية، قد تغيرت حينما تغيرأسلوبه الفني، حينما بدأ يهتم بالصوفية خلال الستينات. وقد كان في هذا السياق أن أنتج الرسومات الجدارية العديدة غير المعنونة، والتي تطغى عليها ألوان الأرض وتندمج فيها الأحرف العربية بصورة ملحوظة كعناصر شكلية في بنية تجريدية. يتخذ الخط العربي أهمية حيوية في التقليد الصوفي، كما استحوذ حرف الواو، الذي يتكرر إستعماله في لوحات – شاكر حسن – على إهتمام خاص. فكما أشارت إليه (آنّا ماري شيمّل) في كتابها (فن الخط العربي والثقافة الإسلامية) (1984)، يتكرر حرف الواو، بصفته حرف الوصل، في تعريف/ مفهوم الإيمان، وبكتبه، وبرسله، والإيمان بالقدر (المصير) سواء كان سيئاً أو حسناً.” وبالتالي من الممكن قراءة سلسلة “الواوات” بوصفها ترمز إلى الدلالات الكامنة في “الشهادة ” أو “الإجهار بالإيمان”. يستخدم الفنان – شاكر حسن آل سعيد – وحدات من الخط الإسلامي، ويقوم بتطبيقها بصيغة معاصرة. من خلال ربطها بالتعابير الشعبية المبسطة، تستخدم لوحاته الحروف العربية على شكل كتابات ورسومات ورموز مفروشة بعفوية على الجدران. والتي تقترب من رسوم الفنان (الكتالوني أنطوني تابييس)، الذي أشار إليه – شاكر حسن آل سعيد – بوضوح في كتاباته. نشر شاكر حسن آل سعيد عدة كتب حول الفن الحديث في العراق والعديد من المقالات في الصحف والمجلات العربية، ويعتبر اليوم أحد آباء الفن الحديث في العراق. كان لتأثيره كفنان ومعلم، وأيضاً كرائد في الكتابة النظرية وحول تاريخ الفن، صدى واسعاً. وعندما أشرنا إلى أن ( النقطة ) هي بداية الخط المستقيم الذي يشكل البعد الواحد. . فإن إستخدامه إلى النقاط فوق الحروف، فإنها تأخذ معنى آخر يخص الحروفية. حيث كان يرسم نقاط بأحجام مختلفة على الورق، نقاط بالحبر، على طريقة ( فازرلي ) الذي أحب فنه يوما ما وكان يعتبره أقرب الرسامين المعاصرين إلى الرؤية الإسلامية للفن. وهو ما يعكس ولع ألفنان – شاكر حسن – بالزخرفة، بالرغم من أنه كان يتحاشى الزخرفة، لأنها لم تكن تشبع ميله إلى تأمل الأثر الزائل. ولقد أستعمل جملة “أنا النقطة فوق فاء الحرف”. حيث كانت عنوانا لأحد كتبه. لقد كانت التجربة الحروفية واحدة من أهم مراحل سيرته الفنية، بالرغم من أنه تاريخيا لم يكن الحروفي الأول. لقد سبقه العراقيان جميل حمدي ومديحة عمر إلى ذلك. غير أن حروفية آل سعيد كانت شيئا مختلفا. لم تكن تزيينية كما هو الحال مع حمودي ولم تكن توضيحية كما ظهرت في لوحات عمر. كان آل سعيد قد شقّ طريقه إلى الحرف العربي بقوة الرسام الشقي الذي كان يرى في الكلمات المحذوفة والجمل الناقصة التي يكتبها الناس على جدران المدينة بعدا جماليا يشير إلى نوع مكتمل من الحياة. لم تكن فكرة استلهام الحرف العربي جماليا لدى آل سعيد محاولة للغزل بالحرف لذاته، بل ذهبت تلك الفكرة إلى ما يمكن أن ينطوي عليه الحرف من فزع وخوف وارتباك تعبيري. كان آل سعيد سيد الحروفيين لأنه لم ينسخ الحرف، بل أعتبره منجما لمشاعر، فجعت بالطرق المسدودة من حولها. كان الحرف بالنسبة إليه فضاء تأويليا. غير أن شيخ الحروفيين لم يعد حروفيا في العقدين الأخيرين من حياته.

حين تسنت له فرصة كتابة مقالته (أنا وتابيس) في منتصف ثمانينات القرن الماضي أوضح شاكر حسن آل سعيد بأنه استلهم فكرة الجدار العام من الرسام الإسباني. وكان ذلك القول نوعا من الفضيلة التي كان آل سعيد يحرص على أن تكون ميزانا في الحياة الفنية. كانت علاقة آل سعيد بتابيس الإسباني تنطوي على التحدي أكثر من أن تكون علامة للاستسلام والتقليد، إذا تفرد بخصوصه المختلفة عنه فكرا وأداء. دخلت أعماله في العديد من المجموعات الخاصة والعامة، منها المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد والمتحف البريطاني في لندن، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة في عمان، كما في متحف: المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة. ولد شاكر حسن آل سعيد في السماوة، العراق، سنة 1925، ودرس العلوم الاجتماعية في دار المعلمين العالية، حيث نال شهادة البكالوريوس سنة 1948. عمل في البداية مدرساً للعلوم الاجتماعية في ملاك التعليم الثانوي في وزارة التربية، من 1949 إلى 1954، قبل أن يلتحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد لدراسة الفن، وتدريس التربية الفنية في هذا المعهد في وقت لاحق. بعد تخرجه في 1954، تلقى منحة دراسية من الحكومة لمتابعة تحصيله الفني في الخارج. درس الرسم وتاريخ الفن في باريس، من 1955 إلى 1959، وذلك في أكاديمية جوليان، وفي مدرسة الفنون الزخرفية، وفي المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة. عقب عودته إلى بغداد، أعطى دروساً في تاريخ الفن في معهد الفنون الجميلة، من 1970 إلى 1980ـ كما درّس الرسم وتاريخ الفن في معهد التربية الفنية، في المملكة العربية السعودية من 1968 إلى 1969. ترأس قسم الدراسات الجمالية، من عام 1980 إلى 1983، في دائرة الفنون التشكيلية التابعة لوزارة الثقافة والاعلام. وفي 1992، عمل مستشاراً لدى مؤسسة عبد الحميد شومان في عمان. ثم أسس ندوة الخطاب الجمالي في مركز الفنون في بغداد. وكان عضواً في اللجنة الوطنية لرابطة نقاد الفن التشكيلي وفي نقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيليين ونقابة المعلمين العراقية. أقام في بغداد حتى وفاته سنة 2004.كان – شاكر آل سعيد – فناناً نافذاً وغزير الإنتاج، فقد شارك في تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث سنة 1951 مع جواد سليم وجبرا إبراهيم جبرا، كما أسس جماعة البعد الواحد في 1971. كتب بيانات فنية بأسم كل من الجماعتين، بالإضافة إلى بيانه التأملي الذي نشر سنة 1966 في الملحق الثقافي لصحيفة الجمهورية اليومية. مثّل البيان الفني، الذي كتبه لجماعة بغداد للفن الحديث في العام 1951، أول بيان من نوعه في العراق، وتمت قراءته في معرض الجماعة الافتتاحي في متحف الأزياء القديمة، في بغداد، وقد أعتبر البعض هذا الحدث بمثابة نقطة البداية الحقيقية للفن الحديث في العراق. عبّر البيان عن التزام الجماعة بكل من التراث والحداثة على حد سواء، وشدّد على ثقافة المنطقة المستلهمة من الفن الإسلامي، وعلى الأخص من منمنمات الواسطي في القرن الثالث عشر، ولكن المستمدة أيضاً من منتجات الثقافة الشعبية، مثل السجاد التقليدي، وكذلك من حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة. شجّع البيان الفنانين العرب على الابتعاد عن تيار الفن الحديث الذي كان سائداً في السابق في العالم العربي، والذي كان يوصف بكونه عبارة عن إستنساخ للنماذج الأوروبية، وأرسى فناً حديثاً أكثر رسوخاً في السياق المحلي. سجل بذلك إعادة توجيه في الفن تزامنت مع التغيرات السياسية الجذرية ونمو الإتجاه القومي.

لا تعليقات

اترك رد