الشاعر والسياسي


 

يصف السياسي الفلسطيني نبيل شعث في حوار مع البي بي سي الموقف والاجواء داخل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عام 1974 بعد ان سمحت الامم المتحدة للرئيس عرفات للمرة الاولى في تاريخ القضية الفلسطينية ان يقرا كلمة في الجمعية العمومية للمنظمة الدولية في دورتها التاسعة والعشرين وتحديدا يوم الثالث عشر من نوفمبر من ذلك العام ،فيقول : كانت الاجواء متوترة والجميع منشغل بمن سيعد خطاب الرئيس ، كونه يمثل فاصلة بين افهام العالم بعدالة القضية وجدية النضال من اجلها أو تسطيحها ، خطاب فلسطين الاول يجب ان يكون مانعاً جامعاً حاداً حاسماً غير متراخ ، لابد من طرح المطالب العادلة ، كذلك لابد من ارسال رسالة للعالم ان الفلسطينيين شعب حضاري وكفاحه وفق القانون الدولي وغير ذلك من النقاشات والمقترحات ، فتكونت لجنة من المستشارين والمختصين لاعداد الخطاب ، وضمت لها الشاعر الفلسطيني محمود درويش .

بدات اللجنة بصياغة الافكار التي ينبغي طرحها ، تم الحذف ثم الاضافة والتعديل ، وايجاز سيرة النضال الفلسطيني وتاريخ فلطسين حين كان عدد الفلسطينيين نصف مليون بينهم عشرون الف يهودي الى وعد بلفور الى الهجرة والتهجير الى التفريق بين اليهودية والصهيونية الى مد اليد لليهود الفلسطينيين للعيش المشترك مع اخوانهم في الوطن دون عنصرية وايقاف ترحيل ابناء الشعوب الاخرى الى فلسطين بحجة الوعد الديني ، ثم تطرّق الخطاب الى عنصرية الصهيونية ضد اليهود انفسهم بين المشرقيين والغربيين ، ومحاولات تقسيم فلسطين ، والرد على من يطلقون صفة الارهاب على حركة الكفاح الفلسطيني .. وغير ذلك من القصص والمقولات المستهلكة التي يتداولها السياسيون في سوق السياسة الدولية . يقول نبيل شعث حين اكتملت الكلمة ، عرضت على الشاعر محمود درويش ، فاضاف لها جملة واحدة ، هي العبارة التي بقيت في الذاكرة من بين كل ماجاء في الخطاب .. حين قال :” لقد جئتكم بغصن الزيتون في يدي ..وببندقية الثائر في يدي الاخرى ..فلا تسقطوا الغصن الاخضر من يدي” .
عادة مايكون هناك تحسس عال بين الشاعر والسياسي ، الشاعر يتمنع في ان يكون مواطنا عاديا صالحا ورعيّة وناصرا ومؤيدا ، والسياسي لايثق بالشاعر حتى وان كان غير ذلك ، وابدى تبعية وتسبيحا وبيعا للرأي والذمة . مابينهما يتجاوز انعدام الثقة الى سوء الفهم ، لكن الابعد من ذلك ، هو ان السياسي – السلطان لايرى في الشاعر شخصا يؤتمن جانبه ولايحترم تخصصه ويراه كائنا جماليا منفلتا ينفع وقت الفراغ ،فيما يسخر الشاعر من السياسي ويسخط عليه ويرى انه لايستحق تسيد الناس ، بل يرى نفسه اهلامنه لخدمتهم وافادتهم ومصارحتهم وامتاعهم .ولذلك منذ الازل كانت هذه المشكلة تناظر مشكلة السلطان والكاهن في الموروث السياسي ، افلاطون نفسه اطلق على فئة من الشعر بالجمال المزور ،بعد ان طرد الشعراء من جمهوريته واثنى فقط على شعر الترانيم إلى الالهة والثناءات للرجال الشهيرين الفاضلين “فهو الشعر الوحيد الذي يجب أن نقبله في دولتنا” على حد قوله .. لكن الحقيقة الدفينة في الامر هي في جوهر مهمة الاثنين ، السياسي يتعامل مع الامر الواقع فيما يتعامل الشاعر مع الحقيقة ، كثيرا مايكون الامر الواقع مفروضا منتهكا للحقيقة ، فيما تذهب الاخيرة الى الضمير حتى يحين موسم قوتها ونصرتها لتكون امرا واقعا وهو غاية الفضيلة ، وعليه حين يقول الشاعر فانه يختصر الزمن وتتحول اللحظة لديه الى مستودع للتاريخ ، وحين يقول السياسي فانما يسوّق مرحلة ، ليلتقط مرحلة اخرى .

قال عرفات الكلمة التي نسيت وسحقتها عجلات السياسة والتسويات ، وقال درويش كلمته التي اصبحت من ظواهر الطبيعة ثابتة حقيقية خالدة .

شارك
المقال السابقتنابلة السلطان
المقال التالىمذهبان و قومية !

عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق – يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد