عيد الفرح الكبير

 

* عيد الأضحى فرصة لاستعادة الصّفاء ومناسبة لتفجير معالم فرح حبيسة فينا:
يستعدّ الأفراد كما الجماعات اُسرا وعائلات وقبائل “متستّرة” وجمعيّات وأحزاب وهياكل لعيد الأضحى استعدادا خاصّا. فيقتنون الأثواب والأخفاف ومظاهر الزّينة للكبار والصّغار على حدّ سواء. ويبذلون لذلك قسمًا مهمّا من دخلهم السّنوي واهتمامهم النّفسيّ والاجتماعيّ…

* العيد للحنين: لعلّ أهمّ ما بالعيد أنّه مناسبة تمرح فيها الذّات في ما لذّ لها من ذكريات. فتحصد أهمّ ثَمْرِ التّحنان والوفاء لصور ماكثة كما الوشم في قاع الذّاكرة. فيظلّ المرء منها ذا استعدادات قصوويّة للفرح وتباشيره مستعيدا لملامح ماضية مستزيدا لما هو جديد.. فالنّفس البشريّة أقدر ما تكون هاشّةً باشّةً بالعيد الكبير.
* العيد للتّزاور والأرحام: أكثر ما يعايد التونسيّ النّاس بالعيد الكبير..فالأضحى عنده منذور للرّحيل باتّجاه المنابت ومساقط الرّؤوس..فتغصّ مدننا وقرانا وبيوتنا بالأهل والأقارب ويُشدّ على الخلافات بصارم العهود. وينبري الصّبية والشّباب والكهول والشّيوخ في ممارسة ألعاب الورق وحكايات الذكريات في تهتّك صبيانيّ خلو من كلّ تعقيدات الحياة. أمّا النّسوة فيستحلن ربّات للبيوت آمرات ناهيات في صرامة فهنّ اللائي بسطن المفارش والحشايا وهنّ الأحرص على سلامتها. يلتئمن في مجالس البشر لشرب الشّاي والأسرار وتفقّد ما فاتهنّ من مكوّنات يوم العيد كاللّيمون والمعدنوس والمشروبات والسّكاكين الحادّة… ولسان حالهنّ يسبّح بتعويذات الصّبر:” يوم ويفوت ولا يظلّ بالرّأس إلاّ الحديث ترنيمة الوجود…”.

* العيد للتديّن: تكثر في أعيادنا مفردات وعبارات من المعجم الدّينيّ. فتُسلم الأنفس أعنّتَها وإن كانت جموحًا إلى هذا المقام ذي البعد الرّوحي.. فيندسّ من لا يصلّي في جماهير المصلّين طلبا لمرضاة الله أو لمرضاة الأهل والأجوار أو لتتمّ عنده أركان يوم عيد الأضحى. في حين يجد آخرون في اليوم السّابق له مناسبة فُضلى للصّوم يؤازر بها إخوانه من الحجيج في وقفة يوم عرفة. ويحاول إجهاد نفسه كما يجهدون هم أنفسهم تنقيةً للأرواح التي مافتئت منغمسة في أهواء الدّنيا. وتهيج لدى آخرين ذكرى من فقدوا حديثا فيزورن المقابر لمعايدتهم واستئذانهم للفرح من بعدهم. فيكرمون الأموات بطلاء القبور وبذل بعض النّقد لمستحقّيه وغيرهم ونثر قطع الحلوى للصّبيان.
* العيد للنّحر: لعلّ مركز العيد خرفان تزدهر تجارتها قبيل العيد وتنتشر رحابها وحظائرها في كلّ المدن والأحياء ويكثر ثغاؤها وتنمو العناية بها تلطّفا بانتظار يوم النّحر العظيم، تشهر فيه السّكاكين وعضلات الجزّارين قادة حرب العيد على الخرفان. ولا يفرغون منها إلاّ وقد كدّسوا جبال الجلود وأجّجوا شهوة الصّبيان في الشّواء يرتفع دخانه من كلّ بيت بعد طول حرمان.. وتهرع السيّدات في يوم طويل قاس إلى تدبّر شأن لحم الخراف ووضع الأمور مواضعها…

** العيد الكبير عيد الفرح الكبير تمضي أيّامه الثلاثة بين المعايدات إن مباشرة وإن بوسائط الاتصال الحديثة وإنضاء النّفَس الدّينيّ كيف لا والأضحى من عقود الحجّ وبين العناية بشهوات الشّواء والعناية برغبات البطون…يمرّ العيد الكبير وقد أنهك جيب ربّ العائلة وأضنى ساعدي ربّتها..ويظلاّن متهلّلين باسمين يمنّيان النّفس بقادم الأعياد…

أضحى مباركا
وعيدا سعيدا
وكلّ عام وأنتم بخير

لا تعليقات

اترك رد