أحمد أبو الغيط ومستقبل العمل العربي المشترك

 
الصدى -ا بو الغيط

اختير أحمد أبو الغيط أميناً عاماً (ثامناً) لجامعة الدول العربية في 10 مارس (آذار) 2016، وهو الأمين العام “المصري” السابع، باستثناء الشاذلي القليبي. وأثار اختياره جدلاً جديداً قديماً لم ينقطع، لاسيّما خلال العقود الأربعة الماضية، والذي ينصبّ حول أزمة العمل العربي المشترك والتحدّيات التي تواجه “الجامعة” وهل هناك سبيل لإعادة الحد الأدنى من التضامن العربي بعد تباعد المواقف الذي نجم عنه محاور ونزاعات وحروب؟ كل ذلك يعاد طرحه اليوم حيث كبرت أزمة “الجامعة” وازدادت ” الفوارق” على حساب ” الجوامع” و”المختلفات” قياساً ” بالمشتركات، وكانت الهوّة تزداد اتساعاً بعد كل مشكلة بين دولها، وهي منذ عقود من الزمان تلفّها أزمة بنيوية مستفحلة، وتعاني من مشكلات معقّدة ومركّبة. وقد استخلصت من قراءاتي عن الأزمة ومستقبلها بعض الآراء التي أحاول تأطيرها:

الرأي الأول- يقول أن “الجامعة” شاخت وانتهى دورها واستنفدت صلاحياتها، ولم يعد بالإمكان إصلاح ذات الحال، والأجدر عدم الرهان على كيان لا يصلح للقرن الحادي والعشرين. ويسود مثل هذا الرأي لدى أوساط شعبية واسعة وعدد كبير من مؤسسات المجتمع المدني، بسبب حالة الإحباط التي أصابت الأمة العربية ونكوص القضية الفلسطينية واحتلال العراق وتشظّي الوضع العربي بعد موجة التغييرات التي اجتاحت عدداً من البلدان العربية. وحسب هذا الرأي فإن الرهان على ما هو قائم فيه الكثير من الأمل في ظل الواقع يشي بالكثير من عناصر التشاؤم، والقنوط لدرجة اليأس أحياناً، لذلك لا أمل يُرجى من حلول ترقيعية أو تخديرية، “فالجامعة” كيان كسيح لا يرتجى منه شيئاً، وقد يكون اختيار أبو الغيط آخر مسمار يدقّ في نعشها.

الرأي الثاني – وإنْ كان يعترف بأزمة “الجامعة” وإخفاقها إلاّ أنه يريد التمسّك بوجود كيان مؤسسي عربي جامع، على الرغم من نواقصه وعيوبه وثغراته، حيث سيؤدي غيابه إلى نوع من الفراغ، ناهيك عن عدم وجود بديل يصلح لتبادل الرأي والحوار والتعاون في بعض الأنشطة المشتركة، وإنْ كانت بحدّها الأدنى ليس على صعيد السياسة حسب، بل في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والتربية والعلوم والتكنولوجيا والصحة والمواصلات وغيرها، إضافة إلى منظماتها الفرعية المتخصّصة مثل منظمة العمل العربية والاتحاد البريدي واتحاد المواصلات السلكية واللاسلكية وغيرها.

الرأي الثالث- يقول على المجتمع المدني العربي الموازي والقوى والأحزاب السياسية، ممارسة الضغط الجماهيري الذي يمكن أن يعيد للنظام العربي الرسمي نوعاً من الجدية والمسؤولية والتماسك بهدف المراجعة والإصلاح، بعد أن وصلت الأمور إلى طريق مسدود، وإن سنوات اللاّمبالاة والتنصّل عن المسؤولية قادت إلى فشل العمل العربي المشترك، وقد تكون مثل هذه النتائج وخيمة فيما لو تفاقمت، وهذا الرأي هو الآخر وإنْ كان يشخّص أسباب الأزمة ويعطي دوراً للمجتمع المدني في معالجتها، ولكن من خلال الإبقاء على ما هو قائم.

إن الآراء جميعها بغضّ النظر عن اختلافاتها تؤكد:
أولاً- الإقرار والاعتراف بوجود أزمة، يعاني منها العمل العربي المشترك، وهذه تتطلّب إيجاد الحلول والمعالجات الجذرية، لتجاوزها، لأنها ليست صعوبات عابرة أو مشكلات طارئة، وسيؤدي استمرارها إلى ضياع جهد غير قليل وتجربة لا تخلو من بعض الإيجابيات في الميدان غير السياسي على الرغم من الملاحظات الجدية حول نوعية ومستوى ومستقبل هذا الجهد.

ثانياًالأزمة تتطلّب إيجاد مخارج لحلّها وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية على صعيد كل بلد عربي، وعلى المستوى القومي، وينبغي السعي خلال فترة زمنية مناسبة وبالتدرّج والتراكم لمعالجتها، “فالجامعة” قبل التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية، لم تعد كما كانت قبل الربيع العربي، خصوصاً وقد زجّت نفسها في قضايا شائكة وإشكالية، تحتاج إلى تأطير نظري فكري وسياسي، بما فيه تعديل الميثاق لكي ينسجم مع التطورات الحاصلة.

ثالثاً- الأزمة تتطلّب إجراء مراجعة ضرورية لميثاق الجامعة، فقد كُتب في ظروف ومعطيات لا تتوافق مع الظروف والمعطيات الحالية لتكييفه بحيث يصبح منسجماً مع الفقه الدولي وقواعد القانون الدولي المعاصر، ولعلّي كنت قد أثرت في أكثر من مجال وعلى مدى نحو ربع قرن موضوع التدخل لأغراض إنسانية في حالة وجود انتهاكات جسيمة وتطهير عرقي أو إثني أو ديني أو مذهبي يتعارض مع مواثيق حقوق الإنسان الدولية.

وإذا كانت بعض الدول الأعضاء تتذرّع باحترام السيادة، فإن مجرد توقيعها على أية اتفاقية أو ميثاق للعمل المشترك، يعني التنازل عن جزء من سيادتها لصالح الجهة أو المنظمة التي تمثل مجموع الدول وتنطق باسمها، كما أنها أي الدول العربية سبق أو لحق   أن وقعت على معاهدات دولية تجارية أو اقتصادية أو نفطية أو عسكرية أو أمنية ثنائية أو متعدّدة الأطراف، تضمّنت التنازل عن جزء من سيادتها لحساب الاتفاقيات المشتركة، وتلك سمة من سمات العمل المشترك إقليمياً ودولياً.

رابعاً- الأزمة تقتضي المباشرة بإصلاحات هيكلية في أجهزة الجامعة على الصعيدين القانوني والإداري وتعديل دور الموظف العمومي الإقليمي، بحيث يكون ممثلاً للمؤسسة (الجامعة) وليس لبلده، أي الفصل بين القرار الحكومي (التابع للدولة) وبين القرار التابع للجامعة، أي القرار المؤسسي، وهذا يحتاج إلى مراجعة شاملة في اختيار الموظفين على أساس الكفاءة والخبرة والمؤهلات المهنية، وخارج نطاق المحاصصة والتقاسم الوظيفي، الذي يُضعف من دور الجامعة ومقامها على المستوى الإقليمي والدولي، والأمر يشمل أيضاً منصب الأمين العام، كي لا تقتصر وظيفته على دور السكرتارية والمتخمة بالبيروقراطية والولاءات المسبقة.

خامساً- الأزمة تقتضي الاهتمام بدور مؤسسات المجتمع المدني، لكي تكون مساعداً وشريكاً “للجامعة”، لإنجاز مهماتها وبخاصة ما يتعلق بالحريات والمرأة واحترام حقوق الإنسان والثقافة والأدب والفن والاتصالات والرياضة والصحة والتعليم والبيئة والعمالة العربية في البلدان الأجنبية وغير ذلك، وهذه الأمور تحتاج إلى قرارات صريحة وواضحة من خلال تعديل الميثاق والاعتراف بدور المجتمع المدني.

ويتطلّب ذلك إجراء تعديلات دستورية على مستوى كل بلد عربي للترخيص بالعمل العلني والقانوني لمؤسسات المجتمع المدني، وإتاحة الفرصة أمامها للمشاركة في عملية التنمية، إذْ لا يمكن نهوض مجتمعاتنا دون تعاون وثيق بين الدول ومؤسساتها الرسمية وبين المجتمع المدني، والقطاع الخاص، وبقدر انطباق ذلك على مستوى كل دولة، فإن تأثيره سيكون كبيراً على صعيد العمل العربي المشترك والنظام الإقليمي العربي.

فهل سيتمكن أحمد أبو الغيط من مواجهة كل هذه التركة الثقيلة وهو المثقل بالماضي الذي يحمله على أكتافه، خصوصاً وإن تسيبي ليفني وزيرة خارجية ” إسرائيل” في حينها أعلنت في مؤتمر صحفي معه بالقاهرة، الحرب على غزة (أواخر العام 2008) ؟

لا تعليقات

اترك رد