الموت ينبح من بعيد والقافلة تسير


 

في المقال السابق كنت قد نوهت عن الخوف الذي يعترينا نحن الكتّاب، والتردد الذي يصيب أطراف حروفنا كلما فكرنا في قول الحقيقة كاملة. لذلك حاولت أن أتصالح مع وجداني وأكون منصفاً في البوح، ومنطقياً وهادئاً في هذا المقال؛ وأن نتشارك جميعنا الرأي ونتبادل أطراف الحوار دون أدنى تعصب أو انحياز لجهة دون أخرى.
مليارات المقالات وملايين الحوارات والجدالات التي تناولت موضوع داعش، وأخيراً وعلى الرغم من كل الخلافات والاختلاف في الرأي، قررنا أن نتوحد على رأي واحد هو:
أن داعش جماعة إرهابية ومتطرفة وهي من قطعت الرؤوس،واستباحت البلاد وهجّرت وفعلت مالم يفعله المغول. وبأنهم جماعة لا تمثل الدين ولا تمت للإسلام بصلة لا من بعيد ولا من قريب،واهتدينا والحمد الله نحن العرب كما اهتدى الغرب كذلك إلى فصل داعش عن الإسلام، وقاموا معنا قومة رجل واحد لمحاربة تلك الفئة الضالة. جزاهم الله عنا كل الخير. وكذلك فعلت الجيوش العربية العراقية والسورية والتحالف وانفقت الغالي والنفيس من أجل تحرير المناطق من تلك الشرذمة والآفة داعش. وبحمد الله وشكره استطاع الجيش العراقي أن يدحر داعش ويطهر الموصل من براثن الدواعش. وكذلك القوات السورية بدعم من جيش سورية الديمقراطية أن يهزموا جماعات داعش من الرقة >>
فطالما أن الجميع قد اتفق على أن داعش جرثومة سامة تغلغلت في جسد الأمة العربية وأصابتها بالحمى، فما الذي قد استجد اليوم، ولماذا كل هذا التعاطف مع قافلة داعش؟ أليسوا هم من ذبحوا الأطفال وقطعوا رؤوس الرجال؟ ونهشواعظام الأحياء في المناطق التي احتلوها؟
إذن لِمَ تلك الرأفة والمشاعر الجياشة من قبل حزب الله ومعارضته للأمريكانلأنهم يحاولون قصفهم وقطع الطريق عليهم ومنع دخول قافلة داعش؟ وكلنا يعرف أن أمريكا لا تفعل أي شيء لوجه الله وعيون العرب وأن لها مآرب أخرى من هذا الموقف؛ لكن هذا الموقف يغطي ستر وجهها أمام الرأي العام حتى وإن كانت هي من هربهم.
ويبقي السؤال:
هل إنسان داعش أعظم من إنساننا؟ وهل دمهم صار حراماً ودماء من ماتوا وذبحوا على أيدي الدواعش كان حلالا؟
هل من المعقول أن تصبح الفريسة ما بين أيدينا مكبلة ومحاصرة، ثم نأتي بملء الرغبة لنطلق سراحها بحجة أننا نود أن نصطادها في مكان آخر؟ وهل الوقت يسمح لنا بالعبث مع الأفاعي والتسلية واللعب مع الفريسة؟ ولماذا نريدها أن تذهب باتجاه دير الزور لتعقد على أرضها حرب جديدة، أما يكفي هذه المدينة الحصار المفروض عليها منذ سنوات؟ بدل أن نفك الحصار عنها ونطعم جائعها نحضر لها الوحش المفترس لسر هم لن يفهموا أبعاده ولغاية لا يستطيع وعيهم الجائع والمنهك أن يفسر أهدافه بعيدة المدى من وراء هذا الاتفاق.
أود أن أنوه لجميع القراء والأصدقاء والكتّاب، بأن حديثي هنا واضح الملامح ومحدد ومحصور عن موقف واحد من قبل حزب الله اتجاه قافلة داعش ولست هنا للخوض في مبادئ الحزب وانتقاد رموزه، لكيلا يتوسع الجدال ويخرج لنامتعصب ويعيد ويشرح مواقف المقاومة، وما ما قدمت من تضحيات وحروب؛جمعينا بات يعرف كل هذه التفاصيل واختلفنا وتشاجرنا حولها كثيراً فلا نريد مزيداً من الشجار والاختلاف.
سؤالي المحدد والمرتكز على نقطة واضحة هو:
هل هناك من عقل رشيد ومحنك سياسياً وفكرياً فيشرح لنا سبب هذا الموقف،وما هو المبرر لهذا التعاطف المفاجئ مع مسلحي داعش؟ ألم يكن مبدأ داعش هو القصاص وإقامتهم للحد وكم من المقاطع المفزعة التي تم تداولها لما فعلوا داعش بالأبرياء
إذن، لماذا لا يُقام عليهم الحد ولماذا نحاول بطريقة أو بأخرى أن نفتح لهم الطريق ونؤمنه لهم ليعودوا وينتشروا في الأراضي العراقية أو السورية ألم تكن ذريعة كل الدول هي محاربة داعش؟ أليست داعش وظهورها المباغت هو من حرف مسار الثورات وهو من خلط الأوراق وأطال أمد الحرب وهو من جعل الأراضي السورية تسبح فوق بحر من الدماء؟ أليسوا هم من هدم الآثار والمتاحف واضرحة الأنبياء وشوه الحضارة البابلية وخرب المعالم الأثرية في الموصل؟ وهو من سبى الماجدات والحرائر وباعهن في سوق النخاسة بحفنة تبن؟
ألم تكن الجيوش العربية تحارب داعش، وقدمنا فداء لتراب الوطن شبابناشهداء من أجل أن نطهره من هذا النجس والرجس العظيم، فكيف لنا أن نفسر موقف حزب الله حمايته لقافلة داعش من الضربات الأمريكية؟
اليوم نرى بأن البعض يشعر بالإنسانية اتجاه القافلة التي تقل عائلات لمسلحي داعش؛ بينما بالأمس القريب ما كانوا ليشعروا بمثل هذا التعاطف مع العائلات السورية والعراقية التي هُجّرت من بيوتها، ولم يشعروا بالأرقوالقلق على البشر الذين تم قصفهم بالبراميل المتفجرة والكيماوي والمواد السامة، والطائرات الروسية، وكلما احتج أحد على هذا القصف يبررون ويقولون: نحن نقصف الجماعات الإرهابية ولكن الحقيقة التي لا يمكن طمسها وتجاهلها؛ أن الذين تم قصفهم وإبادتهم هم الأبرياء والمدنيين.
لعل هناك لغز وراء هذا التعاطف أكبر من وعيي ومن مساحة فهمي؟ ولعل على عيون عقلي غِشاوة ولم أستطع أن أدرك حقيقة وعمق هذا التعاطف والاتفاقوالحرص الشديد على حماية قافلة داعش لكي تصل إلى دير الزور ويطمئنوا على وصولها بسلام وأمان.
كلما حاولنا أن نقنع أنفسنا ولو وهماً، بأن ما يحدث هو حقاً محاربة الإرهاب والتطرف وبأن داعش ليست صنيعة النظام ولا دخل لأمريكا وإسرائيل بوجودها وليس هناك من دولة عربية تغذيها وتسلحها وبأنها مجرد جماعة متطرفة؛ فجأة وعلى حين دهشة تظهر لنا وجهة نظر غريبة تقلب عقولنا رأساً على عقب ونعود في جهلنا وحيرتنا إلى نقطة الصفر. ومن ثم تتغير الاحداثيات وتتغير خارطة الحرب وشكلها ومضمونها فبعد أن كانت الحرب ضد داعش تصبح الحرب لمناصرة قافلة داعش.
” والله لو أن تلك القافلة تحمل ملائكة على أنهم داعش، لما ترددت لحظة على قتلهم؛ إلا إذا كان من في القافلة عند البعض أغلى منالملائكة فهذا شأن آخر”
على ما يبدو وحسب فهمي البسيط وتوقعاتي المتواضعة، بأن القادم القريب سوف يشهد تغيرات كثيرة، وتكون بملامح جديدة، وحرب بمسمى جديد؛ وبأن داعش قد سقطت ورقتها وانتهى دورها الموكل لها، وآخر ما يجب أن يقدم لها كمكافأة عربون لجهودها العظيمة، هي أن تصلوا مع عوائلهم إلى بر الأمان. لتبدأ مرحلة سياسية جديدة كلياً ولها تقاطيع مختلفة وتدخل فيها أطراف أخرى لم يسبق لها أن تدخلت في الحرب السابقة وبأن المناقصة سوف يتم طرحها لترسوا على أطراف لم تستفد من الحرب السورية ولم تذق من عسل المصالح. وسوف تنسحب الأطراف القديمة تدريجياً لتبدأ لغة جديدة وايقاع مختلف كلياً،وسوف يستعد فيصل القاسم لإعداد سيناريوهات بقوالب جديدة لخصومات ومهاترة من نوع مختلف، وسوف تستعد القنوات الإخبارية المأجورة إلى تعديل شارات الأخبار، والعبارات التي تم تداولها للسنوات السبع. وعلينا نحن الكتاب أيضاً أن نستعد لكتابة مقالات بعناوين وصياغة جديدة ومسميات جديدة إلا إذا ظهر لنا عقل حكيم وواعٍ ليفسر لنا ما يحدث وما السر الكبير خلف هذا التعاطف الإنساني مع قافلة داعش؟؟؟ وها هو الموت ينبح من بعيد والقافلة تسير.

شارك
المقال السابقبساتين العراق .. هل من مغيث ؟
المقال التالىالرقابة في العمل الإداري

الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح.
الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصي....
المزيد عن الكاتب

2 تعليقات

  1. عزيزي السيد لؤي طه أسئلتك تتضمن دلالات ما تشي به من فضائحية الصفقة. الصفقة التي لا تحتاج لكثير عناء فيما تفضحه وتكشف عنه.. الصفقة داست على كرامة اللبنانيين كونها استبقت الجيشاللبناني الذي كان يتحرك فعليا لاستكمال آخر لمسات تطهير الأرض واعتقال العناصر المنهارة للدواعش وهي داست على دماء الضحايا وعوائلهم يوم قبلت بإعادتهم جثثا فيما وفرت السيارات المكيفة للإرهابيين… وداست على شعب لبنان يوم منحت سلاح حزب الله قوة بعد أن خفت نجمه حاولت قوى إقليمية أن تسوق له مجددا ولكنها لن تستطيع أمام عفونة ما طفح من الصفقة التي لم تنه مفرداتها بعد…
    الصفقة داست على العراقيين والسوريين وهم يكافحون ضد أعتى قوة ظلامية بعصرنا تلك التي عاثت تدميرا وتخريبا وتذبيحا واغتصابا وإعادة لسواق نخاسة كهوف الأزمنة الغابرة..
    لا تفسير سياسي للصفقة يقبه عقل ساذج
    ولا تفسير عسكريا للصفقة وقد كان ذاك الجيب أعلن انهياره
    ولا تفسير أمني وقد كان محاربة وعناصره مشتتين أسهل بما يتطلب أمنيا عسكريا
    ولا تفسير قيمي أخلاقي بالمعطى الإنساني

    القضية تفسيرها يكمن في الحفاظ على عناصر هم ذخر القوى التي وظفتهم لمرحلة أخرى من الصراع وكل التفسيرات المخابراتية الأمنية العسكرية السياسية القيمية الأخلاقية لن تصمد بوجه منطق حتى السذج ممن يتحدث هنا

    فهنيئا للمجرمين إفلاتهم اليوم وهنيئا لمن يدير إجرامهم ويوجهه بحسب كل مرحلة وتعازيّ لكل شعوب المنطقة وقرابين تضحياتها لكن لا يفرحنّ عدو وظلامي فالشعوب قد تنكسر عسكريا وذلك لن يكون إلا لمرحلة لأن قدراتها وعمقها الفكري القيمي الثقافي اقوى وابقى وهو ما سينتصر قريبا

    تحياتي لكل من يبحث بتنويره عن إنصاف شعوبنا المبتلاة وفي كنس كل الجرائم لإقامة ديموقراطية مضمونها العدالة الاجتماعية واحترام الحقوق والحريات والسلام

  2. قد تكون المحنة والمصيبة بهما منفعة ومن مآثر تلك المحنة أنها قد فضحت وعرت حقيقة كل الادعاءات والمزاعم التي ظل يطبل بها أنصار حزب الله والذي أرادوا من الدراويش عشاق الأضرحة والمقامات أن يسجدوا له عرفاناً لما يقدمه من تضحيات وبطولات عربية وأهمها حربه ضد إسرائيل وحاولنا مراراً أن نبين لهم زيف الادعاءات لكن الهوس يعمي البصر والبصيرة؛ والاتفاق الذي عُقد مع داعش كما سبق وتوهت أنت لا مبرر له لا عسكريا ولا سياسياً ولا أخلاقياً إنما اتفاق سافر أحرج اللبنانيين والموالين لحزب الله والذي حاربوا وتشاجروا مع أعز الاحبة لهم دفاعاً عن تضحيات الحزب الواهمة. والمحرج بالأمر هو دماء العراقيين والسوريين التي مسحتها الاتفاقية بلحظة متجاهلة بكاء الأمهات اللواتي عزين أنفسهن بأن أولادهن شهداء في سبيل تظهير الوطن من دنس داعش. إن الاتفاقية صفعة لكل موال ومؤيد والصفعة الكبرى جاءت للموالي المثقف والواعي الذي لا يقدر أن يتهرب من الواقع وقراءة الأحداث.
    إن ما يخطط له الحزب بالتوافق مع النظام السوري وكذلك ايران وروسيا أهم لديهم من السمعة والكرامة لأن الغايات عندهم تبرر الوسائل. بئس لكل عقل يرفض أن يواجه الحقيقة من باب الولاء الأعمى. كل التقدير والاحترام لروعة المداخلة ودقة التفسير الأستاذ الكريم تيسير الآلوسي.

اترك رد